مؤسّسة العائلة على محكّ المنفى في مخيّمات اللاّجئين الصّحراويّين

مؤسّسة العائلة على محكّ المنفى في مخيّمات اللاّجئين الصّحراويّين

خلّف الإسبان عند مغادرتهم "إقليمهم الصّحراويّ" سنة 1975 إرثا ثقيلا لسكّان المنطقة : مجتمع من البدو الرّحّل فُرض عليه الاستقرار في مخيّمات هشّة ومؤقّتة، أبناء محاربين تحوّلوا إلى مناضلين في سبيل القضيّة التّحرريّة، مضطرّين بذلك إلى ترك نسائهم يتحمّلن عبء الحياة العامة، والمنفى للجميع، بدون استثناء، مكتسبين بذلك صفة "اللاّجئين". لقد استجمع الصّحراويّون قواهم منذ ذلك الحين ونظّموا كفاحهم وكان على الجميع المشاركة: رجالا، ونساء وأطفالا؛ ومن أجل ذلك، كان عليهم الافتراق. فكيف كانت إذن العائلة الصّحراوية خلال فترة البداوة، وكيف أضحت بعد مضيّ ثلاث وعشرين سنة من المقاومة النّشطة؟ هذه هي الأسئلة التي يمكن اليوم تقديم البعض من عناصر الإجابة عنها.

العائلة الممتدّة في الماضي

عُرِفت العائلة في الصحراء الكبرى منذ القدم بطابعها الممتد، وتربية الطفل وتنشئته لم تكن حكرا على الأب، والأم، والإخوة والأخوات، وإنّما تجاوزته لتشمل أطرافا أخرى: فقد أسهمت كل من الجدات، والخالات، والأخوات الكبريات وبنات العم في دور الأمومة، في حين اشترك كل من الأجداد، والأعمام والإخوة الكبار وأبناء العم في الدور الأبوي. هي الصورة التي كانت عليها العائلة الصحراوية، على الأقل، خلال فترة حكم القبائل[1]، أثناء مرحلة البداوة.

لم تشكل الأسرة النووية النموذج المتعارف عليه لدى الأبناء والأزواج على حد سواء، وعملية نقل المعارف والمهارات الشخصية عبر الأجيال، كانت تتم في كنف العائلة الممتدة. وبالتالي يجد الفرد نفسه دوما في وسط شبكة معقدة من الروابط العاطفية، والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، أين يتحمل تبعات الضغط الذي تخلفه، بنفس مقدار ما يكتسبه من المزايا. هذه المكانة، المكتسبة عادة منذ الولادة، كان بالإمكان أيضا التّفاوض بشأنها وذلك في حال رغبة الشخص، العائلة أو حتى الجماعة تغيير شبكة الروابط، أو الانتقال من قبيلة إلى أخرى، أو الاندماج في القرابة. لقد شكلت لغة القرابة في المجتمع الصحراوي، كما هي الحال دائما وفي مناطق أخرى أيضا، أسلوبا في تسمية العلاقات الاجتماعية حيث تشير إلى قواعد سلوكية، وممارسات وقيم تتيح للفرد بناء هويته والحصول على مكانته الصحيحة داخل الجماعة. تلك المكانة المُحدِّدة لسلسلة الأدوار التي يسعى الفرد جاهدا لتأديتها على الوجه الملائم طيلة حياته، والقيام بما يتوقّعه الآخرون منه، إلاّ في حالات قاهرة، لتجنب التقهقر إلى مرتبة اجتماعية أدنى. وبالتالي ينبغي عليه أولا الحفاظ على رأس المال الاجتماعي الذي ورثه، تعزيزه إن أمكنه ذلك والعمل على نقله لاحقا لأحفاده.

لقد حدّدت الأنثروبولوجيا من مجموع هذه الروابط صنفين اثنين من العلاقات الاجتماعية: النّسب والمصاهرة. يندرج الصّنف الأول ضمن البعد العمودي للزمن، حيث يضع الشخص ونسله داخل وحدة اجتماعية (الجماعة)؛ فهو عبارة عن رابطة النسيج الاجتماعي. أمّا الصّنف الثاني المندرج ضمن البعد الأفقي للفضاء الاجتماعيّ، فإنه يصل هذه الرّوابط بخيوط متعدّدة، مجسدا بذلك شبكة النسيج الاجتماعي. أخيرا، يمكن من خلال دراسة وفحص قواعد الإقامة استيعاب الأسلوب الذي يتجلّى فيه النّظام الاجتماعيّ فعليّا في البعد الزمني والفضائي، واستقراء مواضع وأزمنة إعادة الإنتاج الاجتماعي.

دور الذّاكرة الجينيالوجيّة في البناء الهويّاتيّ

تقوم قواعد النّسب في المجتمع الصحراوي، مثلها مثل نظيرتها السائدة في العالم العربي، على نظام الانتساب الأبوي، بمعنى أن كل فرد يرتبط بسلالة من الرجال يتقاسمون بصورة "طبيعية" السّمات والخصائص ذاتها، لوجود تصور بعدم نقل المرأة دمها لأبنائها2، وبأنه من خلال عامل الدم يتميز أفراد المجتمع. وكمحصلة لذلك تمّ بناء هوية الأفراد والجماعات، قبل بدء النضال لأجل التحرر الوطني، عن طريق رصد جميع الأشخاص الأحياء والأموات الذين تجمعهم رابطة الدم. لهذا السبب يعدّ الجدّ الأول، الذي يورث اسمه ومكانته الاجتماعية – نظرا لأهمية التّسلسل الهرميّ في التّمثّلات العربية للتاريخ الإنساني– ، عنصرا محددا لهوية كل شخص، انطلاقا من الصورة الذاتية. بطبيعة الحال، كل هذا لا يعدو أن يكون إلاّ خطابا إيديولوجيا، ولكن في مجتمع ذي قاعدة ماديّة ضعيفة جدّا، والوفرة فيه عابرة والملكية مؤقّتة – بفعل هشاشة الاقتصاد الرعوي وعدم إسهامه في تحويل الطبيعة –، لا يمكن للهويّة إلاّ أن تكون بناءً مخياليّا لافتقادها الأساس الملموس الذي يتيح التعلق به. الأرض ملك للمزارع، والقصر للإقطاعي، والمدينة للحضري، والدولة للمواطن؛ في حين لا يمتلك البدوي إلا جسده، ذاكرته وكلمته. أمّا "أرض" أجداده فهي منطقة ضبابيّة، متغيّرة ويجب العمل دائما على احتلالها؛ فلا شيء مضمون يمتلكه.

الرقابة على المصاهرة والعقد الاجتماعيّ

لم يكن بمقدور البدو الصمود دون تنظيم. فمنطقة الصحراء الغربية لم تشهد يوما حكم ملوك أو أمراء يسهرون على ضمان سلامة الأفراد وازدهار تربية المواشي. زيادة على ذلك، كانت الحاجة ماسّة لأن تكون أواصر القرابة بين الناس أكثر متانة وقوة مقارنة بغيرها من المناطق. كما شكّل التضامن، إلى جانب ذلك، الخيار الوحيد أمام المجموعات البدوية المنظمة تنظيما فائقا، وذلك بفعل المنافسة الدائمة بينها للحصول على الموارد الرعوية غير الكافية ووجوب انقسامها من أجل اتباع طرق منفصلة لرعي قطعانها. تميّز هذا التضامن باتساعه، وتشكله من دوائر أحادية المركز، تحوي الفرد ضمن العائلة، والعائلة ضمن العشيرة، والعشيرة ضمن القبيلة؛ وترتسم حدود هذا التضامن المتدرّج على أساس المرجعية المشتركة لأب العائلة (Paterfamilias)، للجدّ الأوّل في خطّ النّسب والجماعة. لقد اضطرّ الرّجال المشرفون على شؤون الحكم السياسي والاقتصادي، بفضل توليهم الدفاع عن الإقليم والإنتاج الرعوي، إلى التّضامن بغض النظر عن عداواتهم الشّخصيّة. ومن أجل ذلك كان على كل فرد الالتزام بمجموعة من الواجبات، إذ يُضاف تبادل النساء إلى احترام العقد الأخلاقي الذي يوجب مضاعفة وتبادل الهبات والقروض. وعلى الرغم من الخطاب الدّاعي إلى الزواج الداخلي من الأقارب المباشرين (الزواج من ابنة العم3)، بدأ في الانتشار الزواج الخارجي (الميل إلى الزواج من ابنة الخال المباشرة أو غير المباشرة)، الأمر الذي أدى إلى تأسيس حركية انتقال النساء بين العائلات والأنساب، من أسفل إلى أعلى التسلسل الهرمي الداخلي للجماعة (الموجود رغم ضعفه). كما لاقى الزواج الفوقي (ارتباط المرأة برجل من نفس طبقة والدها أو يفوقها) رواجا واسعا إن لم نقل بأنه شكّل القاعدة، فقد عززت هذه الحركة المستمرة للنساء بين السلسلة الذكورية تماسك الجماعات من جيل إلى جيل، مع إبرازها الأولويات الواجب احترامها. وبهذا احتلت المرأة الصحراوية مكانة مركزية في قلب العقد الاجتماعي للمجتمع البدوي، حيث اعتبرت ضامنة له في الماضي، وفي الحاضر وفي المستقبل.

المرأة بين الإقامة والتّنقّل

نتساءل، كيف أسهمت المرأة الصحراوية في إنتاج وإعادة إنتاج هذه الشبكة الاجتماعية الأفقية الضرورية لتنظيم الرجال؟ الإجابة: كان ذلك عن طريق حركيتها. إنّ المتعارف عليه في منطقة الصحراء الغربية وكباقي دول العالم العربي، اعتماد الإقامة في الرابطة الزوجية على مبدأ السكن مع عائلة الزوج (Patrilocalité)، بمعنى أن العروس تنصب الخيمة الزوجية بمكان إقامة الزوج مستفتحة بذلك حركة متواصلة لتنقل الممتلكات والأشخاص بين مكان إقامة والدها وإقامة زوجها، عن طريق الزيارات كلما سنحت الفرصة بذلك، كما توجّه المرأة الحامل لوضع مولودها عند أبويها، أما الصهر، فعلى الرغم من منع قواعد الاحتشام المعمول بها حضوره الفعلي أمام أنسبائه، فهو ملزم بإرسال الهدايا لأهل زوجته بشكل منتظم ومساعدتهم كذلك. كما يسهم الأبناء بشكل قوي في تفعيل الروابط بين عشيرتي الأب والخال الأقرب إليهم، والذي أصبح بفعل العلاقة بين الأخ والأخت أكثر ارتباطا بهم. وعندما تتكرر الزيجات، وتنتقل العديد من النساء من جيل لآخر بالاتجاه نفسه، يتعزز التواطؤ بينهن بفعل روابط الدم التي تجمعهن من جهة، وبفعل العيش في مكان واحد من جهة أخرى، في حين يكتسب جميع الرجال المانحين مرتبة "الأخوال" بالنسبة لأعضاء مجموعة الآخذين؛ الأمر الذي يرسخ فعليا رابطة النّسب بين العشيرتين ويقوّي وحدة المجموعة.

مخيمات اللاّجئين وتفكّك العائلة

ما هو واقع الصحراء الغربية اليوم بعد مضي أربعين سنة على الاحتلال وثلاث وعشرين عاما على الحرب؟ لقد أسهمت مواجهة الصحراويين للعدو الإسباني والمغربي خلال هذه الفترة في اتساع العقد الاجتماعي الداخلي لكل مجموعة ليشمل بذلك جميع السكان الذين أصبحوا يلقبون بـ "الشعب" الصحراوي: ففي نوفمبر من عام 1975، بمنطقة "ڤلتة زمّور"، وقّع ممثلون عن شيوخ الجماعة (التجمع الإقليمي الإسباني) ومسؤولون عن جبهة البوليزاريو اتفاق "الوحدة الوطنية". في السنة الموالية وإثر الاجتياح المغربي للأراضي الصحراوية وفرار المدنيين باتجاه الجزائر، الوجهة الوحيدة الممكنة للّجوء، تقرّر تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية والإعلان عن عقد اجتماعي جديد يسمو على الروابط الجماعاتية التي تربط الأشخاص بمختلف مجموعات انتمائهم وحرّرهم بذلك من الالتزامات المترتبة عنها. بالتالي، كيف أضحت العائلة الصحراوية، نووية كانت أم ممتدة، في كنف ديمقراطية المنفى، في الوقت الذي يتواجد فيه الرجال في جبهات القتال، ويزاول الأبناء دراستهم خارج الوطن، وتتحمل فيه النساء المحتشِدات على حمادة تندوف عبء تنظيم المخيمات؟

النّسب أو قانون الصّمت

إثر هذه التّطوّرات، أصبحت "القبليّة" من منظور مسؤولي جبهة البوليزاريو مرادفا للانقسام، ففي الواقع ما نطلق على تسميته اليوم بالشّعب الصحراوي هو في الأساس التحام جماعات مرتحلة في منطقة الصحراء الغربية، والتي تولّد عن ماضيها المضطرب، مثل كل تاريخ صحراوي، روابط متناقضة تشكّلت في الحرب والسلام ومن الهيمنة والخضوع. لكن السؤال الذي يطرح، كيف نصبح "واحدا" (أو نتوحّد) في مواجهة العدوّ وعلى وجه الخصوص في مواجهة المنظمات الدولية التي لا تعترف إلاّ "للشعوب" بحق تقرير المصير، في حين أنّنا متعدّدون، أو كنّا كذلك في الماضي؟ كيف يمكن تجاوز هذه الوضعية؟ وكيف يمكن تحويل التّضامن القبليّ إلى تضامن وطنيّ دون أن يفقد شيئا من قوّته؟ تلك هي المعضلة التي واجهها الجميع دون استثناء –وليس فقط المسؤولين-، والتي تمّ الإجابة عليها دون شكّ بشكل بسيط جدّا، وذلك بالتزام الصّمت. لقد تمّ رفع شعارٍ على الجدران معلنا: "القبليّة جريمة ضدّ الأمّة"، في حين خيّم الصّمت داخل العائلات الصحراوية، ومُنِع سرد تاريخ الأجداد للأطفال؛ إذ أنّ بناء الهوية لم يعد على أساس النّسب، وإنما عن طريق الأمّة وداخل الأمّة. لقد تمّ الاعتقاد بأن وسيلة إنماء الشعور والحسّ الوطني يتأتّى عن طريق إخفاء الانتماءات القبلية، فالجيل الذي "يعلم"، ولد جيلا "لا يعلم"، ظاهريا على الأقل، إذ كان من الصّعب الحيلولة دون إفشاء السّرّ هنا أو هناك. ومهما كان الأمر، أدّى مرور عشرين سنة من الرقابة الذاتية إلى إنتاج جيل لا يمتلك إلا النّزر اليسير من المعرفة حول الأسماء والتوزيع الجغرافي والاجتماعي لجماعات البدو الرّعاة التي تنتمي إليها وتنحدر منها الأجيال السّابقة.

حرية المصاهرة كأساس لعقد اجتماعي جديد

لم يكتف المجتمع الصّحراوي المتواجد في المنفى من إطباق الصّمت على الذاكرة الجماعية، وإنّما لجأ أيضا، قصد تحقيق مشروعه الديمقراطي، إلى تبنّي ثورة قائمة على أساس من التفكير– مقاربة نقدية لنماذج المجتمعات القائمة-، من النقاشات ومن التّفاوض. فماذا عن مؤسسة الزّواج ضمن هذا التنظيم الجديد؟ لقد تقرّر في ظلّ الوضعيّة الحرجة التي يواجهها المجتمع الصحراوي تشجيع الإنجاب كنتيجة لقلة عدد السكان، وكذا الحاجة المستمرّة لقوى جديدة تدعم الكفاح المسلّح الذي يمكن أن يدوم طويلا. دعمت الدولة بالتالي الارتباطات الزواجية، ولكن كنتيجة لعدم معرفة حركيّة النّساء بين الأنساب إلاّ محليّا (أو عدم الرغبة في الإفصاح عن ذلك)، لم يعد بمقدور أيّ شخص قياس آثار الزّيجات الجديدة. وبالرغم من ذلك، رافق الرغبة في إلغاء القبليّة أيضا الرغبة في إلغاء آليات الاقتران الداخلي المحفّزة لها، ولكن هنا أيضا لم يستطع أحد أو لم يأخذ فعليا الوقت الكافي لإجراء تحليل للمنظومة الجديدة، بل وجب التركيز على معالجة المشاكل الأكثر إلحاحا. وفي نفس السّياق السّريع الذي قاد إلى اعتماد الصمت أملاً في القضاء على آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي القديم، تمّ الإسراع في إدانة خِفاض البنات، إلغاء المهر، أو تزويج الفتاة دون موافقتها، كما منح للمرأة حق المشاركة والإدلاء برأيها في المجالس.

من هنا يجدر بنا التّساؤل حول الوظيفة الجديدة المنوطة بالمرأة الصحراويّة حاليا؟ فحسب المتعارف عليه سابقا، تمثّل دورها في الإنجاب لضمان استمرارية الأجيال. ولكن الصعوبات التي أفرزتها الحرب والمنفى أرست قواعد جديدة لدور المرأة من أجل مساندة الرّجال المحاربين الذين لم يعد باستطاعتهم التّكفل بجميع الأمور: بعبارة أخرى إنّهم بحاجة ماسّة إليها. لقد كان للمرأة في مجتمع الرّعاة منذ القدم دور محوري وذلك بسبب التّواجد الدّائم للرجل خارج تجمعات الإقامة. ولكن خلال السبعينات، فقدت العديد من النساء هذا الدور نتيجة انتقال الرعاة للعيش في المدينة بفعل الجفاف، الأمر الذي أدى إلى تحول عميق في دور المرأة داخل المخيمات، وأصبحت مكانتهن ووضعيتهن تختلف كل الاختلاف عن حياتهن السابقة. فلقد أذهل الجميعَ العملُ الهائلُ المنجزُ من طرف المرأة الصحراوية، وفي مقدمتهم الرجال الصحراويين أنفسهم. إذ حملن على عاتقهن القيام بجميع النشاطات داخل المخيمات: الصحة، والتربية، والحرف اليدوية، وتوزيع المواد الغذائية، والنظافة، والزراعة، وتنظيم أوقات الحياة الاجتماعية، والتفاوض لحل النزاعات، ورعاية الشيوخ والأطفال، بل وحتّى إنجاز البنايات العامة والخاصة بالطوب الجافّ. وفي الوقت ذاته، شاركن في الحوار الوطني، وأبدين برأيهن، وقمن بعملية التصويت، وأسمعن صوتهن في كل مكان. لقد أسّسن لاحقا "منظّمة النّساء الصّحراويات" التي عنيت بالدّفاع عن مصالح الفئات المعوزّة، وفتح المجال للتفكير في وضعية المرأة الآنية والمستقبلية، علاوة على ذلك المشاركة في اللقاءات الدولية المنظمة من طرف الجمعيات النسوية العالمية، والمطالبة بالمساعدة الدولية وحشد الرأي العام، والسعي للوصول إلى المعلومة والعمل على نشرها، وأخيرا الكتابة حول القضية. فمن خلال العقد الضمني الجديد بينها وبين الرجل، وإلى جانب حقّ اختيار الزّوج، نجحت المرأة الصحراوية في اكتساب الحقّ في الصّحة، والتّعليم وإبداء الرّأي.

الإقامة والتحايل على القواعد

أتاح تعزيز مكانة المرأة في المجتمع الصّحراوي، إلى جانب مكوث الرّجال في مقتبل العمر خارج المخيّمات، إلى قلب قاعدة الإقامة المعمول بها حتى ذلك الحين، إذ فضّلت التّحوّل من الإقامة في بيت الزوج (Patrilocalité) إلى الإقامة في بيت الأم (Matrilocalité). ورغم كون الظّاهرة غير معمّمة ولا يمكن قياس حجمها، ولكنها تشهد انتشارا في المجتمع الصحراويّ، إذ أصبحت مطمحا يمكن تحقيقه بلجوء الشّابّات إلى نصب خيامهنّ إلى جانب خيام أمهاتهنّ. لقد أدّى غياب الآباء، والإخوة والأزواج إلى جعل الأمر ميسورا، فالأولاد (والبنات على حد سواء) ينتسبون منذ السّنّ الثّانية عشر إلى مدارس داخليّة، ثم يعيّنون بمجرد انتهاء تكوينهم في النواحي العسكرية، وفي الوظائف الحكومية أو في البعثات الخارجية. ومنذ وقف إطلاق النار سنة 1991، لوحظ وجود بعض الرجال المقيمين مع النساء بالمخيمات (مثل الممرضين، والمعلمين، والموظفين بالإدارة المحلية، وجرحى الحرب أو المقاتلين المرخّص لهم)، ويعتبر عددهم في المجمل كبيرا. أمّا الإجازات والعطل فهي لا تمنح إلا نادرا، إذ لا يعود المقيمون بالخارج إلاّ مرة أو اثنتين خلال السّنة، وكان للمحاربين الحقّ في الزيارة لبضعة أيام فقط في الشهر ويتمّ قضاؤها عادة بعيدا عن أسرهم، فهم يعيشون سويّا محصورين في النواحي العسكرية بمنطقة الصّحراء المحرّرة (المناطق الكائنة شرق جدار الدّفاع المنجز من قبل المغاربة). ويستثنى من هذا النظام موظفو الإدارة المركزية، الذين بمقدورهم العودة إلى المخيمات مع نهاية كل أسبوع، ولكن هؤلاء أيضا كانوا يفضّلون قضاءها بعيدا عن أسرهم نتيجة أزمة النّقل التي كانت تعيق حركة الجميع.

عندما يتمّ الاتفاق على الزواج والحصول على موافقة أولياء الزوجين (اللذين يبقى ترخيصهما ضروريا)، تزوّد حكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية (R.A.S.D) الزوجين، زيادة على المواد الغذائية الضّرورية لإقامة الحفل، اللّوازم الأساسيّة لتجهيز البيت والمتضمّنة أساسا قماش الخيمة الذي يجب خياطته وجهاز عروس بسيط (أفرشة، حصائر، أدوات المطبخ، إلخ)، حيث توهب هذه اللوازم في واقع الأمر للمرأة بالنظر إلى كون الخيمة مِلكا لها حسب التّقاليد المعمول بها في المجتمع البدويّ.

من هنا أصبح الانشغال يدور حول: كيف يفرض على المرأة، في ظلّ الوضع غير المستقرّ وفي الوقت الذي تؤدي فيه النّساء أغلب المهامّ الضّروريّة لضمان استمرارية الحياة في المخيّمات، التّوجّه للإقامة مع الحماة في غياب الزوج؟ كيف لا نعتبر رجاء الأمّ العجوز التي ترغب في الاحتفاظ بابنتها أمرا شرعيّا؟ وخاصّة أصغر بناتها سنّا؟ إذ يصبح بقاء البنت الصغرى برفقتها من المُسلّمات، خاصة بعد ذهاب بقيّة بناتها للعيش في مكان آخر. ومع ذلك كانت هناك إرادة قويّة للحفاظ على ذلك الجانب من ميثاق الشّرف الذي يمنع هذا النوع من التّقارب: إذ أنّ العلاقة بين الصّهر والحمو مثقلة جدّا بالحياء المتعارف عليه لدرجة أن ليس لديهم الحقّ في تبادل النّظرات مباشرة أو التّلفّظ باسم الصّهر أمام الحمو، على الأقلّ إذا كان هذا الأخير مسنّا. ولكن مع غياب الرجال عن المخيّمات، لم تعد تلك الإكراهات المفروضة تزعج أحدا. إنّ الأب المسنّ المقيم مع عائلته وزوجته لا يمكنه التقاء زوج ابنته بشكل دائم رغم أنّ خيمة هذا الأخير منصوبة بالقرب منه، فالحرج يوجد حيث يوجد شخصان اثنان. أمّا غالبية النساء فيتواجدن بمفردهن مع أبنائهن الصغار وهن يتهيّأن، زيادة على غياب الزوج، لفراق أكثر ألما، عن فلذات أكبادهن بمجرد بلوغهم سنّ الثانية عشر، فما أكثر لحظات الفرقة في حياة المرأة الصّحراوية. وبالتالي، عند إقامة الأمّ بعيدا عن حماتها، يصبح مفهوما بل ومن المُسلّم به أن لا تلتحق الكنّة بهذه الأخيرة، خصوصا عند تواجد بناتها بالقرب منها لرعايتها.

يماثل مخيم اللاّجئين في يوميّاته قرية مغلقة، ففي حين سمح الاستقرار بإنتاج وإعادة إنتاج روابط جديدة بين العائلات المنحدرة من جميع القبائل القديمة، كان في المقابل لضيق الفضاء الاجتماعي والتواجد الدّائم تحت أنظار الآخرين آثارا عكسيّة: فالجميع يتبادل أطراف الحديث، يتناقش ويثرثر، ولكن عند عودة الرجال، تنفث النّساء سمومهنّ عليهم بسحر المرأة المعروف عبر العالم كلّه. فطول مدّة الفراق، والحاجة الملحّة لسماع الكلام الطيّب والسيّء على حدّ سواء، جعل العلاقات الزّواجية هشّة وأسهم في ارتفاع معدّلات الطّلاق. لقد عرفت الوضعيّة الحاليّة اختلافا كبيرا مقارنة بالسّابق، إذ أنّ امتلاك المرأة للخيمة وإقامتها بالقرب من والدتها وأخواتها مكّنها من خلال مؤسّسة الزّواج (والطّلاق التّابع له) الاستقرار في مكانها، في حين أنّ الرّجال هم من يتحرّكون بين الأنساب والخيم.

خلاصات وآفاق

أوفدت منظّمة الأمم المتّحدة، عند إعلان وقف إطلاق النّار سنة 1991، بعثة أمميّة تعنى بتحديد هويّة السّكّان الذين يحقّ لهم التّصويت خلال استفتاء تقرير المصير. وقد شهدت المعايير المعتمدة لتحديد الناخبين نقاشا واسعا، ثمّ كانت موضوع تفاوض، وفي الأخير محلّ خلاف بين الطرفين الصّحراوي والمغربي. لكن هذه مسألة تتجاوز الهدف من هذا المقال. ننوّه على الأقل هنا بأن بدء عملية تحديد هوية الأفراد صاحَبها كسر حاجز الصّمت نتيجة الكشف العلنيّ للإحصاء الذي قام به الإسبان سنة 1974 في "إقليمهم الصحراوي" قبيل مغادرتهم بأشهر قليلة. وبحكم ضبط قائمة الأشخاص حسب أسماء العائلات، والأنساب، "القبائل"... أصبح من الضروري عثور لجان الضّبط على شيوخ القبائل للإدلاء بشهاداتهم، في الوقت الذي قامت فيه الإذاعة الصحراوية بالإعلان عن الأشخاص الواردة أسماؤهم في الوثيقة الإسبانية لإشعارهم بأنّهم مدعوّون إلى الانتخاب. ووسط دهشة الجميع، تعرّف البعض منهم - بعد انقضاء خمسة عشر سنة من العيش معا - على القبيلة البدوية التي ينتمي إليها جيرانهم، والنّسب الذي ينحدر منه أصدقاؤهم، بل حتى أعضاء الحكومة أنفسهم فقد تمّ تسجيل الجميع بدون استثناء.

في مقابل ذلك، سقط ذكر أسماء بعض الأشخاص من القوائم، برغم أنهم كانوا حقيقة هنا، مناضلين منذ البداية، وفقدوا في الغالب أباً أو أخاً في المعركة. كما اكتشف الشّباب المصدومون من جانبهم نظاما خاصا لتحديد الهوّية (أصوّت أو لا أصوّت؟ أكون أو لا أكون؟) والذي يعكس في جوهره صعوبة تحديد الموقف. لقد فهموا أيضا بأنّه قد تمّ الكذب عليهم، أو على الأقلّ تمّ إخفاء بعض الحقائق عنهم. فهل كانت هذه الحقائق خطيرة؟ ولكن كيف يمكن قياس درجة خطورتها في ظلّ جهلهم بها؟

لم يذكّر إعلان وقف إطلاق النّار سنة 1991 كل فرد بمجموعة انتمائه فقط، بل سمح أيضا بحرية تنقّل الأشخاص عن طريق فتح الحدود والتّخفيف من حدّة التوترات. وعلى النّقيض من ذلك، خلّفت الخيبة، التي أعقبت الأمل الذي أثارته إمكانية إجراء الاستفتاء، الشّعور بالرغبة في التّخليّ عن الوطن، أو على الأقلّ الهروب لبعض الوقت. لقد أعقبت الرغبة المتواضعة في السعي لتحقيق الخلاص الفردي الأملَ الخائبَ لتحقيق خلاص جماعي، وبادر كل شخص إلى البحث في ذاكرته عمّن يمكنه مساعدته. قام البعض بزيارة أقارب له بالخارج – في موريتانيا، والجزائر، وإفريقيا أو أوروبا – ؛ أما البعض الآخر فآثر معالجة قضاياه العالقة، خاصة بإسبانيا التي أعلنت سلطاتها الموافقة على تسديد المعاشات المتأخرة والأجور. جلب البعض منهم قسطا من المال، وجاء البعض الآخر محمّلا بالبضائع، لتشهد إثر ذلك المخيمات، شيئا فشيئا، ظهور اقتصاد نقدي صغير. لقد أسهم ذلك، إلى جانب ارتفاع حالات الطّلاق، في عودة فرض المهور في بعض المناطق.

إذا كان من المبكّر إعطاء تفسير لجميع هذه الظّواهر، يبدو على الأقلّ بأنّها تشير إلى تراخي تنظيم المخيّمات، والصّعوبة التي يواجهها الجيل الأوّل في نقل آليّات تجاوز الذّات للجيل الثّاني، فالشّابات اللّواتي يعدن من الجزائر، كوبا أو مناطق أخرى، يماثلن غيرهنّ من فتيات العالم كله: فبالإضافة إلى حب الوطن، هنّ يحببن شرب الكوكا كولا وقصص الحبّ. كما أنّهنّ بعد اطّلاعهنّ على وضعيّة المرأة الجزائريّة بعد الثّورة، أصبحن ينظرن إلى عالم الرجال بعين الرّيبة، علما أنّ الجيل الجديد للذكور، الذي يزاول تعليمه أيضا خارج المجتمع الصحراويّ، يعود بدوره بأفكار لا تبشّر بخير. وحسبهنّ يرجع سبب طلبهن فرض دفع المهر مجددا إلى الرّغبة في توعية الشّباب بقيمة المرأة، وبأهميّة الزّواج وبمدى خطورة الطّلاق؛ مع العلم أنّ مكانة المرأة المطلّقة في المجتمع الصّحراوي، على غرار المجتمعات الموريتانية الأخرى (sociétés maures)، لا تتقهقر عكس بقية مناطق شمال المغرب العربيّ.

أمام الشكوك الكثيرة، وأمام الصّعوبات الطّارئة على النّساء، وحالة القلق، وسوء الفهم أحيانا بين جيل المنفى والأجيال المولودة على الأراضي الصحراوية، بالإضافة إلى التّوتّرات النّاجمة عن المسائل الماليّة، وحركة الذّهاب والإياب، والنموّ الدّيمغرافيّ والوضعيّة المبهمة بين حالة الحرب والسّلم، - أمام كلّ هذا بادرت الحكومة الصحراويّة سنة 1995 إلى إجراء انتخابات سمحت بتأسيس المجلس الوطني الصحراوي (الهيئة التشريعية)، الذي أوكلت له مهامّ سنّ التشريعات والقوانين المعتمدة في جميع الدّول الحديثة، وتم الاتفاق على تضمين المدونة القانونية فصلا خاصا بالأسرة.

لقد شارك اتّحاد النّساء الصّحراويّات في المناقشات وسعين، قلقات، إلى تدوين مكتسبات المرأة على الواقع ضمن القانون الجديد. وتبقى إلى غاية الساعة المعلومات ضئيلة بشأن الأشغال الجارية، باستثناء معرفتنا بأنّ قانون الأسرة الجزائريّ ليس مرجعا لقانون الأسرة الصحراويّ، بل يبدو بالأحرى نموذجا معاكسا له، وأنّ الغاية منه توضيح موقف حكومة الجمهوريّة العربيّة الصحراويّة الديمقراطيّة وممثّلي الشّعب، بخصوص التّشريع الإسلاميّ حول قضيّة الأسرة.

 يتعلق الأمر إذن بالتّوصّل إلى عقد اجتماعي جديد. في انتظار ذلك، وبغض النّظر عن شروط العقد، يحق لنا التّساؤل حول مستقبل العائلة الصّحراويّة، في الوقت الذي تقيم فيه معظم النّساء بمفردهن في مخيّمات اللّجوء – سواء المتزوّجات منهنّ أو المطلّقات- برفقة أعداد كبيرة من الأطفال المولودين غالبا لآباء مختلفين.



ترجمة :

الهوامش : 

[1] قبيلة جمعها قبائل، تم ترجمتها تاريخيا من قبل المستشرقين– وبشكل مخالف للصواب - إلى " Tribu" بالفرنسية و"Tribe" بالانجليزية. وقد أصبح من الصعب التخلص من هذا المصطلح (رغم محاولات الباحثين الماركسيين خلال سنوات 1970-1980) لشيوع استخدامه لدى الناطقين باللغة الفرنسية الأفارقة والمشارقة على حد سواء. فالصحراويون على سبيل المثال لا الحصر، يستخدمون في كتاباتهم الصادرة باللغة الفرنسية عبارات محاربة النزعة "القبلية" (La lutte contre le tribalisme)، "الظاهرة القبلية" (Le phénomène tribal)، "القبائل" (Les tribus).

2 Cf. CARATINI, S., « Le rôle de la femme au Sahara occidental », La pensée, (308), 115-124.

3 كما تم توضيحه في مكان آخر (CARATINI, S. Les Rgaybat 1610-1934. L’Harmattan, 1989)، فإن الزواج من ابنة الخالة أو الخال لا يتنافى مع الخطاب الداعي إلى الزواج الداخلي، باعتبار أن نظام القبيلة يجعل الجميع يرتبط بعلاقة قرابة موازية وغير مباشرة من ناحية الأب.

Text

PDF

العنوان

ص.ب 1955 المنور ، القطب التكنولوجي إيسطو - بئر الجير 31000 وهران، الجزائر

هاتف

95 06 62 41 213 +
03 07 62 41 213 +
05 07 62 41 213 +
1 1 07 62 41 213 +

فاكس

98 06 62 41 213 +
04 07 62 41 213 +

دعم تقني

اتصال