التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب

التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب

أصبحت الدولة المغربية تحيل في ترسيخ هويتها الدينية على تقليد ديني عام يتميز بالخصوصية محتواها العقيدة الأشعرية و المذهب المالكي والتصوف السّني، و لقد نتجت عملية التقنين هذه عن ما يشهده الحقل الديني من صراع إيديولوجي داخلي الذي اتخذ أشكالا أكثر عنفا بعد الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003 بالدار البيضاء وما نتج عنها من تساؤلات حول مضامين العقيـدة الرسمية، و مدى القدرة على تفسير مضامين الطقوس التقليدية بحيث تجعلها مناسبة للأوضاع الجديدة، وقادرة على مقاومة المؤثرات الخارجية.

في محاولة للاستجابة لهذه التحديات سجلت سنة 2005 اتخاذ الدولة لمجموعة من الخطوات التي تدخل جميعها في إطار تطبيق السياسة الدينية التي رسم ملامحها العامة خطاب الملك في 30 أبريل2004.[1]

تأهيل و ضبط التعليم و الخطاب الدينيين

يمكن قراءة توجهات السياسة الدينية من خلال المجهود الذي بذلته الدولة في مجال التعليم الديني، بحيث واصلت الوزارة الأوقـاف والشؤون الإسـلامية سعيها إلى تحسـين جودة التربية

و التكوين بالتعليم العتيق[2]، حيث قامت بتقديم حصص الدعم في العلوم الحديثة و المواد الأجنبية التي استفاد منها ما يفوق الألف من الطلبة والتلاميذ بأربع وخمسين مؤسـسة عتيقة خلال 2005[3]، و من جهتها، واصلت مديرية التعليم العتيق[4] بالوزارة عقد دورات تكوينية لشيوخ وفقهاء المدارس العتيقة فعقدت دورتين: خصصت الأولى لتزويد الفقهاء بمعارف حول التسيير الإداري و المالي للمؤسسات التعليمية، في حين هدفت الثانية إلى مدهّم ببعض مناهج التعليم العصرية[5]، و ذلك في انتظار القيام بإجراءات أكثر جدية و إصدار المراسيم التطبيقية لقانون التعليم العتيق طبقا لما ورد في خطاب 30 أبريل 2004.

كما شهدت سنة 2005 انطلاق الدراسة للفوج الأول من برنامج تكوين 150 إماما و 50 مرشدة في كل سنة، و معلوم أن المتخرجين و المتخرجات من هذا التكوين سيوظفون بواسطة عقد عمل مع الدولة و سيتقاضون نفس الأجر و التعويضات المخولة لمتصرف مساعد ( السلم العاشر)[6].

تمّت أيضا، إعادة النظر في منظومة التكوين داخل دار الحديث الحسنية[7] التي أصبحت تابعة لوزارة الأوقاف[8]، و ذلك لاستقطاب جيل جديد قادر على القيام بالمهام الجديدة، و أهمها، تنمية قدرات الإبداع والإقناع لدى العلماء المرتبطين بالمؤسسة الرسمية، وتأهيلهم من أجل التعاطي مع الواقع الإعلامي ومنافسة تعددية الخطاب الديني وجاذبيته، والمبثوث عبر قنوات تملك كل إمكانيات الانتشار والإشهار، خصوصا بعد أن تعزز الإعلام الوطني بإحداث قناة محمد السادس للقرآن الكريم بتاريخ 02 نونبر 2005 بهدف المساهمة في "تعزيز الدور التربوي للإعلام السمعي البصري العمومي، وجعله أداة أساسية لصيانة هوية الأمة المغربية وإبراز الوحدة العقائدية لــلأمة"[9]، وإحداث موقع للوزارة على شبكة الانترنيت في إطار "الحرص على إبراز الوحدة العقائدية للأمة".

و في مدينة مراكش، استمر المجلس العلمي الجهوي بالإشراف على المدارس القرآنية التي فتحت في المقرات التي كانت تتواجد بها دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن و السنة ذات التوجه السلفي، و التي أصبحت تابعة للوزارة[10].

كما استمر ذات المجلس، وبتكليف حصري من الوزارة، في الاعتناء بفئة من خريجي التعليم التقليدي بحيث خصص لهم تكوينا دام سنتين يؤهلهم لممارسة مهنتي الخطابة والإمامة بالموازاة مع التكوين الحرفي[11].

و فيما يلي عرض لباقي المميزات التي طبعت الأنشطة التي قامت بها المجالس العلمية المنتشرة عبر التراب الوطني في مجال التعليم و الخطاب الدينيين:

  • الاستناد على مراجع الأعلام المغاربة في عمليات الوعظ و الإرشاد.[12]
  • تخصيص مجموعة من المحاضرات و الندوات و الموائد المستديرة التي تلقى بمقر المجالس أو بالاشتراك للتعريف بالخصوصيات العقائدية و المذهبية للمغرب.[13]
  • إشراف المجالس على الحفلات الدينية التي تقام عادة عند حلول المناسبات الدينية و ذلك بالأضرحة و الزوايا.[14]

كما أحدثت الوزارة جائزة محمد السادس للكتاب الإسلامي، في إشارة من الوزارة إلى أن تأهيل الحقل الديني لا يقتصر على إصلاح المؤسسات التي تعنى بهذا الشأن و خصوصا التعليمية منها، بل إنه يمتد ليشمل الاهتمام بتجديد الفكر الديني و الفقهي بشكل عام[15].

و في مجال محو الأمية، توسعت مساهمة الوزارة إلى الجهود الوطنية لمحو الأمية، حيث بلغ عدد المساجد المخصصة لذلك 789 مسجدا، منها 348 بالوسط القروي، فيما بلغ عدد المستفيدين 48119 مستفيدا منهم 27618 من الإناث[16].

و في الدار البيضاء، عقدت الوزارة يوما دراسيا حول خطبة الجمعة في محاولة لرسم معالم خطبة الجمعة بمقاصدها و تحديد مواصفات الخطيب وتشجيع الخطباء على الانخراط في خدمة الناس ودعم قوة الدولة وسياستها الدينية العامة[17].

من جهة أخرى، يتيح انتظام بث برنامجين تلفزيونيين دينيين في القناة الأولى الفرصة للقيام بتقييم أولي لهذه التجربة، إذ يرمز برنامج "من سنّن الرسول صلى الله عليه وسلم" إلى استمرار نمط إنتاج المعرفة التقليدي، من خلال تمسكه بالأصالة والإخلاص للمناهج الأصولية في إنتاج المعرفة وتوظيف المناهج المحافظة على النص وامتداداته الدلالية، بطريقة تجعل المتلقي ينتج علاقة معرفية وأخلاقية من المضمون الديني المبثوث. في حين يحاول برنامج "بصائر من القرآن" خلق معرفة دينية بديلة أكثر تساوقا مع طبيعة العصر وإيقاعاته وتعدد لغته، وهي مهمة صعبة نظرا لعدم تمكن المتلقي في آليات فك شفرات الإرسال، مما يحول دون إيصال مضمون الرسالة الدينية المبثوثة عبر هذا البرنامج إلى مختلف الشرائح الاجتماعية في المغرب[18].

إن الدولة و بإصرارها على ضرورة انطباع التعليم و الخطاب الدينيين بالخصوصية المغربية، تضعف من إمكان إنتاج مؤسسات التعليم الديني التقليدية والعصرية لفاعلين قادرين على بلورة خطاب يتجاوز حدوده المحلية، هكذا تبقى مؤسسة الأزهر والجامعات السعودية هي القادرة على بث خطاب ديني على مستوى عالمي[19] بدليل تخرج أغلب الدعاة المشهورين على الصعيد الإسلامي من هذه المؤسسات.[20]

فصل الدين عن السياسة

كان ترأس الملك للدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى[21] مناسبة لاستعادة العديد من مجالات الحقل الديني المنفلتة من تحديدات التوجه الرسمي[22]، "و قطع الطريق أمام من أصبحوا يعرضون الأمن الروحي للمملكة للخطر"، من هذا المنطلق، أُحدث داخل المجلس هيئة للإفتاء " لقطع دابر الفتنة و البلبلة في الشؤون الدينية" و ذلك بهدف " تحصين الفتوى التي هي من مقومات الشأن الديني وجعلها عملا مؤسسيا واجتهادا جماعيا لا مجال فيه لادعاء المعرفة بالدين و لتطاول السفهاء و المشعوذين و لا للمزاعم الافترائية"[23].

و من جهتها، واصلت وزارة الأوقاف، طيلة سنة 2005، تحديد مواصفات التصور الديني في المغرب من خلال بناء إسلام مغربي يدمج عدة معطيات ثقافية و تاريخية و دينية، في محاولة لإنتاج مرجعية دينية مغربية قطرية. و لكي لا يبدو هذا الإسلام جامدا مترجما للتقاليد المذهبية المغربية، تحاول الوزارة، من خلال معالجة تاريخانية، أن لا تجعل من الدين معطى ساكنا بل متفاعلا مع الواقع المغربي[24].

و من أبرز الخطوات التي تم القيام بها في هذا الباب، تحديد وظيفة منتجي الخطاب الديني الرسمي، حيث حسم الوزير في درسه الافتتاحي لسلسة الدروس الحسنية الرمضانية برسم العام الهجري 1424 في الوظيفة الأصلية للعلماء، فحددها انطلاقا من "تخصصهم في علم الكتاب و السنة من جهة التبليغ، أما من جهة التطبيق، فيتمثل في الجانب السياسي المتعلق بتدبير شؤون الدولة و المجتمع وهو راجع إلى أولي الأمر من الحكام" الذين لا يحق بغيهم بتوجيه العمل السياسي باسم الدين، "فعقيدة العلماء تكرست مع مرور القرون لتصبح مبنية على وجوب تقوية الدولة بمساندة أمير المؤمنين لصيانة جادة الدين"[25] .

لقد أثار الدرس فكرة أساسية حول طبيعة الوظيفة الدينية التي يقوم بها الملك، إذ جدد الوزير تأكيده على سمو إمارة المؤمنين و احتكارها لسلطات التأويل الديني، من خلال الفصل بين المجالين الديني والسياسي، الذي ينتهي بالتأكيد على أن مرجع السلطة الدينية هي أمير المؤمنين، و إليه وحده يرجع توجيه السياسية باسم الدين، حتى أن مهام الهيئة العليا للجنة الإفتاء التي يضمها المجلس العلمي الأعلى ليس لديها سوى صلاحيات استشارية تقترح بموجبها الفتوى على الملك بصفته أميرا للمؤمنين ورئيسا لهذا المجلس[26].

و من الواضح، أنه في غياب استقلالية واضحة للعلماء يصعب بناء المصداقية لصالح الخطاب الذي ينتجه العلماء الرسميون، خصوصا وأن الجوانب الأخرى من السياسة الدينية (تأميم المساجد، تقنين الخطب، تأهيل المدارس العتيقة..)، لن تمكن لوحدها من تجاوز أزمة الخطاب الرسمي المتمثلة في فقدان القدرة على إنتاج الرمز الديني، مما يدفع شرائح مجتمعية واسعة إلى تلقي الفتوى مباشرة من القنوات الفضائية والشيوخ المستقلين وغيرها من المسالك غير الرسمية[27].

و من بين جميع الفاعلين الدينية، يكاد أحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد و الإصلاح، الوجه الوحيد الذي ناقش الوضع الجديد للشأن الديني، فقد انتقد النزوع إلى جعل هذا الشأن حيزا خاصا في حين أنه..." في دولة كالمغرب بنيت بالإسلام، و عجنت بالإسلام، و نسجت كل أعضائها بالإسلام...يجب أن يكون الدين فيها حاضرا في كل شيء، و ليس فقط حيزا معينا. فإذا أردنا تطويرا حقيقيا للشأن الديني، فهو أن يصبح له حضوره و لو الأخلاقي في كافة مرافق الدولة و المجتمع". و ينتهي الريسوني إلى التحذير من أن الاستمرار في تضييق الشأن الديني و تنميطه سيحوله على حقل كهنوتي.[28]

و فيما يخص دور العلماء، انتقد الريسوني النزوع المتزايد لحصر الشأن الديني من خلال حصر لدورهم و وظائفهم، مقدما تأويلا آخر لما تضمنه المقتضيات الجديدة بهذا الخصوص يقول:" لم يقل أحد أنه ليس من حق العلماء خارج هذه اللجنة (لجنة الافتاء) أن يفتوا في الشأن العام، و إنما مقتضى النصوص المنظمة لها أنها تمثل الفتوى الرسمية المعتمدة، أي التي تطلبها الدولة و تلتزم سلفا باحترامها و العمل بمقتضاها، و يكون لها النفاذ و الحجية حتى في بعض القوانين و القضايا الاجتماعية (...) و لكن هذا لا يمنع، و ليس في تلك النصوص ما يمنع أن يكون الآخرون فرادى وجماعات لهم آراؤهم ويصدروا فتواهم، لا يكون في نظر الدولة وفي نظرهم لفتاويهم نفس الدرجة و لا نفس الإلزام و لا نفس القيمة التي للفتوى الرسمية"[29].

التفاعلات داخل الحركات الإسلامية

من خلال التفاعلات التي شهدتها بعض جهات المملكة، تبين أنه و بالرغم من مختلف الإجراءات التي اتبعت لمراقبة الحقل الديني وضبطه، فقد تمكنت العديد من الحركات الدينية ذات المذهبية المختلفة على التوجهات الرسمية، من البروز من جديد، و من أبرزها الحركات السلفية التي تعمل تحت ستار التنظيمات الجمعوية ، فقد تمكنت هذه الأخيرة من إعادة بناء شرعيتها داخل المجال الديني. فبعد توقيفها في عام 2004، ظل زعيم جمعية الدعوة إلى القرآن و السنة ( محمد المغراوي) يطرق أبواب السلطة، إلى أن تمكن من الحصول على رخصة ضمنية لممارسة العمل الدعوي من خلال سماحها له بفتح مقر جديد للجمعية و بشروط جديدة، علما أن التوقيف لم يكن له أثر على حضور هذا التيار السلفي التقليدي في المجال الديني-الاجتماعي، فقد تمكن هذا الأخير عبر 30 سنة من العمل الدعوي في توسيع حركة التدين بين قطاعات واسعة من السكان و خصوصا الشباب منهم، و طرح نفسه كوسيط لا مناص عنه بين السلطات العمومية و المجموعات الاجتماعية المهمشة. و من خلال هذا الدور، استطاع هذا التيار من طرح نفسه كمؤسسة دينية تستوعب هذه الطاقات الدينية و توجهها في اتجاه مسالم للسلطة، من خلال امتصاص حركة التدين التي كان يمكن أن تستفيد منها الحركات الإسلامية المعارضة، ويدل هذا الوضع أن أهم جزء من السلطة لا يزال يرى في التزمت الشعائري أو الطقوسي، الذي يتلخص في تطبيق تعاليم الدين بحرفيتها و تكريس الذات للعبادة، احتياطا كبيرا من الطاقات و الحماسة و التفاني التام الذي يمكن أن تواجه به الدولة خصومها الدينيين، و ذلك ما ضمن للفاعلين السلفيين حضورا عند السلطة، رغم كل ما قيل و يقال عن محاربة السياسة الدينية الرسمية "للخوارج عن مذهبية البلاد".

يوضح هذا المعطى، درجة التفاوت الموجودة بين الخطاب الرسمي الذي شدد على ضرورة محاربة "الخوارج" عن مذهب البلاد، و الممارسة السياسية التي يحكمها التوافق مع ما يوجد على الساحة المغربية من اتجاهات دينية متنوعة، و لعل بروز التيارات السلفية التقليدية من جديد هو السبب لدفع رابطة علماء المغرب[30] بعقد مناظرة وطنية لتفعيل الإصلاحات التي أمر بها الملك حتى تخرج إلى حيز الوجود، و الحيلولة دون ترك الحبل على الغارب[31].

نستنتج من ذلك، أنه رغم وضوح الأسس التي بنيت عليها السياسة الدينية الجديدة فإنها تحتوي، كما هو شأن كل سياسة، على جوانب غير مصرح بها، و أحيانا مصرح بها بلغة دبلوماسية قد تخفي أكثر مما تظهر، فمما أظهره تطبيق الاستراتيجية تدبير الحقل الديني، أننا لا نعرف بوضوح من المكلف بتطبيق الإصلاح في المجال الديني، فكما هو معروف يتم تقديم وزارة الأوقاف باعتبارها الجهة التي تتولى صياغة السياسة الدينية و تطبيقها، في حين الوزارة المذكورة ليست في الحقيقة سوى مؤسسة من بين مؤسسات أخرى تشرف على ترجمة السياسة الدينية أو جزء منها، و من خلال الإجراءات التي و اكبت أحداث 16 ماي، اتضح جليا أن السياسة الجديدة لتدبير الشأن الديني تركت هامشا كبيرا لتدخل وزارة الداخلية و الأجهزة المخابراتية بمختلف أذرعها لضبط الحقل الديني و إحصاء أنفاسه، لتحقيق أهداف غير معبر عنها في الخطاب الرسمي. و لذلك نفهم لماذا ظل تدبير ملف الحركات السلفية حكرا على هذه الأجهزة دون تدخل من وزارة الأوقاف التي يرجع إليها تدبير ملف الجمعيات الدينية من حيث المبدأ[32] خصوصا تلك التي يعتبر التعليم الديني أبرز أنشطتها.

في نفس الاتجاه، وبالرغم من أن السياسة الدينية ربطت العضوية في المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية المحلية بشرط الإخلاص لثوابت الأمة و مقدساتها، لكنه في سنة 2005 برزت في الصحافة الوطنية و على هامش الأنشطة ذات الطابع الديني التي رعتها وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، اتجاهات تعيد تفسير هذه الثوابت في اتجاه الإقرار بها، لكن بدون أن تتنازل عن انتمائها المذهبي و العقدي الخاص بها (خصوصا بالنسبة لذوي الاتجاه السلفي)، مستغلة بذلك الدرجة العالية من العمومية التي يكتسيها الحديث عن الثوابت الدينية في التوجهات الرسمية.

في ارتباط بالاتجاهات السلفية، حظيت الاضطرابات التي خاضها معتقلو ما سمى "بالسلفية الجهادية" و البيانات التي أصدروها باهتمام بالغ، إذ قامت الصحف بتتبع المفاوضات التي أجراها هؤلاء المعتقلون مع السلطات العمومية ممثلة في مستشاري وزير العدل، وقامت بنشر بياناتهم الصادرة من داخل السجن و أهمها البيان الصادر بمناسبة حرمانهم من العفو الملكي الذي صدر بمناسبة الذكرى الخمسينية للاستقلال، و الذي حمل المسؤولية لمن يسمونهم "أصحاب المقاربة الأمنية"، بحيث اعتبروا أن عملية حرمانهم من عفو خص به ملك البلاد 10 آلاف سجين لم تكن عفوية، و إنما وفق خطة مدروسة[33].

و بالنسبة للحركات الإسلامية الأخرى، فقد ظلت قضاياها تحتل صدارة الاهتمام في جرائد المغرب اليومية و الأسبوعية طيلة سنة 2005، إذ لم تخل لا المعربة منها أو المكتوبة بالفرنسية من مقال أو تعليق أو تحقيق أو صورة تشير على مواقفهم مما يتفاعل داخل الحقل الديني و السياسي المغربي.

و في هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى التصريحات التي أدلت بها نادية ياسين، ابنة الشيخ عبد السلام ياسين زعيم حركة العدل و الإحسان الإسلامية، لفائدة أسبوعية الجريدة الأخرى حول الملكية و مستقبلها: "لقد قلت فعلا بالجمهورية، لكن في سياق آخر، حينما التقيت مع أحد الباحثين في الجامعة المذكورة، و هي قناعة شخصية لا تلزمني إلا أنا، و أتكلم بصفتي مثقفة أحلل حيثية معينة، غير أنه حينما نقول بأن الملكية لا تناسبنا فإن هذا يفرض الإتيان ببديل، ما حدث هو أنني وضعت في موقع الاختيار بين الملكية أو الجمهورية" و حين سئلت عن الجمهورية زادت بالقول" بالطبع اختار الجمهورية، و هذا رأي أكاديمي، ذلك أنه في الاختيار بين الأثوقراطية أو الجمهورية فإنني أختار هذه الأخيرة، و هذا ما قلته في إطار جامعي و لا يلزمني إلا أنا، فلست ناطقة رسمية للجماعة، بل لدي قناعاتي أعبر عنها بصراحة، و أنا لم أقل بذلك في أمريكا و كأنني أحتمي بالخارج لأعبر عن رأيي، بل كان الأمر في السياق الأكاديمي الذي ذكرته، و ما نشر في الموضوع ليس إلا نوعا من البريكولاج الخبري، مع أنني قلت نفس الرأي منذ سنوات في الصحافة الوطنية"[34].

لقد اعتبرت هذه التصريحات جرأة زائدة عن قدرة النظام على التحمل، خصوصا و أنها تأتي من جماعة لا تنافسه حول كيفية تدبير الشأن العام وما يرتبط به من قضايا سياسية، وإنما في شرعية الأسس الدينية التي يقيم عليها النظام شرعيته، ذلك أن العدل و الإحسان تطرح نفسها و بشكل متزايد كبديل لقيادة المشروع الإسلامي وفق تصورات أطنب مرشدها العام في شرحها و تـبيان معالمـها، و هو ما قلص من قدرة النظام على التحمل ليدفع في اتجاه محاكمة نادية ياسين بتهمة المس بـ"المؤسسات المقدسة للأمة"[35] قبل أن تدفع وزارة الخارجية الأمريكية، ممثلة في شخص السفير الأمريكي بالرباط، نحو طي الملف و الحد من الضجة و الآثار التي خلفتها[36].

خلاصة

من خلال تتبع مجريات السياسة الدينية في المغرب كما عبر عنها الخطاب الرسمي و مارستها أجهزة الدولة ذات الصلة، يتبيّن أنه و بالرغم من وجود توجه سياسي ذو درجة من الوضوح و التمفصل فإن من الإجراءات التي اتخذت لحد الآن ما يحظى بنفس القدر من التجلي، خصوصا عندما تصطدم بحقل ديني متنوع الاتجاهات والمشارب و تتجاذبه تيارات و عناصر ذات توجهات تختلف بدرجات متفاوتة مع رغبات الخطاب الرسمي، مما يجعلنا نخلص على أن السياسة الدينية لعام 2005 لازالت في طور البناء، و لعل تتبع خطواتها في السنة المقبلة قد يسمح بظهور عناصر جديدة توضح كيف تتعامل هذه السياسة مع التعدد السوسيولوجي الذي يشهده الحقل الديني في المغرب.



الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 31، جانفي- مارس، 2006.

[1] أنظر نص الخطاب في جريدة الأحداث المغربية، العدد 1923، 1 ماي 2004، و من المعلوم أنه وضع ثلاثة أركان لإصلاح الحقل الديني في المغرب: الركن المؤسساتي ويتعلق بالمؤسسات التي تتولى مهمة المرفق العمومي في المجال الديني و هي المهمة التي تقوم بها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و الركن الثاني هو ركن تأطيري من خلال إعادة تنظيم المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية المحلية، و الركن الثالث فيتعلق بالمستوى التعليمي و التربوي من خلال إنشاء مديرية خاصة للمدارس العتيقة.

[2] يتكون التعليم العتيق من مجموعة كبيرة من المدارس غير رسمية يحفظ فيها القرآن و تلقن فيها العلوم الدينية على الطريقة التقليدية، و تحتضن وزارة الأوقاف بعضها في حين يدعم الباقي من طرف المجتمع.

[3] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 نونبر 2005. انظر النص الكامل للكلمة في موقع الوزارة على الانترنيت www.habous.gov.ma

[4] مديرية التعليم العتيق هي الجهة المؤسسية المكلفة بالإشراف على التعليم العتيق.

[5] بالاضافة إلى الدورة التكوينية الأولى التي أجريت في طنجة في عام 2005، انعقدت الدورة الثانية في مراكش بتاريخ 7-8-9 ماي 2005 وضمت فقهاء المدارس العتيقة في جهتي مراكش وسوس، بينما انعقدت الثالثة في أكادير بتاريخ 27-28-29 شتنبر 2005 لفائدة مدرسي مؤسسات التعليم العتيق بجهتي سوس و ماسة درعة.

[6] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 نونبر 2005. المرجع السابق.

[7] و هي مؤسسة للتعليم العالي تستقبل الحاصلين على الإجازة والراغبين في تتمة دراستهم في التخصص الديني و الفقهي.

[8] تنص المادة 16 من القانون الجديد المنظم لدار الحديث الحسنية:" ينظم التكوين بالمؤسسة في سلكين: سلك التكوين الأساسي المعمق وسلك التكوين العالي المتخصص ويهدف التكوين الأول إلى تكوين الطالب تكوينا علميا متخصصا في مجال علوم الدين، و اكتساب المعارف اللازمة لفهم أصوله و استيعاب أحكامه، ومعرفة المذاهب الفقهية والفقه المقارن، كما يهدف إلى تكوينه تكوينا متينا في مجال اللغة العربية و علومها و اللغات الأجنبية بما فيها اللغات الشرقية القديمة، و تمكينه من المعرفة الدقيقة بتاريخ الأديان المقارن، و بالنظم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية و الإدارية الحديثة . و يهدف سلك التكوين العالي المعمق إلى تمكين الطالب من التخصص العلمي المعمق في العلوم والمعارف الإسلامية و الإانسانية و الاجتماعية. و اكتساب مناهج البحث العلمي في المجالات المشار إليها أعلاه، و معرفة أصول المناظرة وأساليب التواصل" أنظر نص القانون في جريدة ميثاق الرابطة، العدد 1130 الجمعة 30 شتنبر 2005.

[9] المرجع نفسه.

[10] يتعلق الأمر بأربعة مقرات موجودة في الأحياء التالية المحانيد، سيدي يوسف بن علي، رياض العروس، وازبزط.

[11] يتعلق الأمر بأربعين طالبا اجتازوا المباراة التي نظمت لهم بنجاح و قد تابعوا الدراسة في المستوى الثاني في موسم 2004-2005.

[12] في هذا الإطار تم توزيع كتاب الشفا للقاضي عياض و كتاب الروض الانف للإمام السهيلي على السادة الوعاظ و المرشدين العاملين في المناطق التابعة للمجلس العلمي بمراكش.

[13] في المجلس العلمي بمراكش ألقيت المحاضرات التالية، الفقه المالكي بين التحرير والتنوير - و المذهب الأشعري و مسألة العقل - أبو الحسن الأشعري و العقيدة.و بالنسبة للندوات فقد أسهم نفس المجلس في العديد منها و هي: الفقه المالكي في الغرب الاسلامي - ملامح المدرسة المغربية في التفسير. و في ما يخص الموائد المستديرة نذكر التالية: العقيدة - التصوف الاسلامي - أصول المذهب المالكي بين الشرعية والواقعية.

[14] منها إحياء حفل كبير بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبرى بضريح سيدي بن سليمات الجزولي في 17 رمضان 1424هـ حيث تمت قراءة دلائل الخيرات، و ألقيت دروس متنوعة و قد نقل الحفل على أمواج إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم.

[15] تندرج هذه المسابقة في إطار جائزة محمد السادس للفكر و الدراسات الإسلامية بمقتضى الظهير الشريف رقم (1.01.129/2001م). و تمنح هذه الجائزة سنويا عن دراسة أو دراسات علمية تنجز في مجال العلوم الشرعية. و تشتمل نوعين من الجوائز:

- جائزة محمد السادس التنويهية التكريمية: و هي عبارة عن مكافأة تمنح للعلماء و الشخصيات العلمية البارزة الذين خدموا الفكر الإسلامي، وأنجزوا أبحاثا و دراسات في ميدان العلوم الشرعية.

- أما الجائزة الثانية، أي جائزة محمد السادس للكتاب الإسلامي فهي جائزة تمنح كمكافأة على الأبحاث المنجزة في أحد فروع الدراسات الإسلامية (قرآنية، أصولية، فقهية)، أو غيرها مما له صلة بالعلوم الشرعية و القضايا الفكرية التي تشغل بال الأمة الإسلامية.

من المواضيع التي اختارتها اللجنة للتباري:- دور الاجتهاد في التطور و التجديد و إيجاد الحلول لقضايا العصر- أوضاع المسلمين في بلاد المهجر نموذجا - أسلوب الحوار في القرآن الكريم - موضوعاته و منهجه و خصائصه الإعجازية - التنمية في الإسلام تنظيما و تشريعا و ممارسة و هو موضوع سنة 2006 .

[16] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني و الشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، 11 نونبر 2005. المرجع السابق.

[17] كملة وزير الأوقاف بمناسبة اختتام اليوم الدراسي حول خطبة الجمعة 28 ماي 2005.

[18] محمد اليوبي، من تجليات التفكير و التدبير في الشأن الديني في المغرب، جريدة الإتحاد الاشتراكي، العدد 8048، 22 شتنبر 2005.

[19] و قد كان الأزهر حتى عهد قريب المؤسسة التي تمد المؤسسات التعليم الديني في العالم الاسلامي بالأطر العلمية بما فيها المؤسسات السعودية، و إلى إثر أحداث 11 سبتمبر و ما تلاها من عمليات تزايد الطلب على أطره لترشيد الخطاب الديني و تأطير ودوره في العالم الاسلامي. للاستزادة راجع:

Zeghal, M. (1996), Gardiens de l’Islam. Les oulémas d’Al Azhar dans l’Egypte contemporaine, Paris, P.S.P, p 169.

[20] يمكن الإشارة إلى معدل المشاهدة المرتفع التي حظيت بها برامج "على خطى الحبيب" التي بثته قناة إقرأ في رمضان الماضي و كان من تنشيط الداعية المشهور عمرو خالد و قد خصصه للحديث عن السيرة النبوية.

[21] يترأس الملك هذا المجلس و يضم في عضويته بالإضافة إلى وزير الاوقاف والشؤون الإسلامية بعض كبار العلماء الذين يعينهم الملك و الكاتب العام للمجلس ورؤساء المجالس العلمية المحلية، أما مهامه فهي دراسة القضايا التي يعرضها عليه الملك و الإشراف على المجالس العلمية المحلية.

[22] كان ذلك بموجب ظهير رقم 21.30.300 الصادر في ربيع الأول 1424 الصادر في 2 أبريل 2004، و هو نفس الظهير التي تم بموجبه إعادة تنظيم المجالس العلمية الجهوية و المحلية، الجدير بالاشارة على أن النساء العالمات أصبحن يمثلن عددا لا يستهان به في المجالس.

- خطاب الملك إثر افتتاحة الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى في فاس 8 يوليوز 2005 الجهوية (60 عالمة) و المحلية (68 عالمة) أما المجلس العلمي الأعلى فيضم عالمتين.

[23] خطاب الملك إثر افتتاحه الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى في فاس 8 يوليوز 2005، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 7974، 9-10 يوليوز 2005.

[24] محمد، الطوزي.) 2003 (في استجواب خص به أسبوعية أخبار السياسة، العدد 6، 14-20 .

[25] و مباشرة بعد الدرس عين الملك أحمد الحبابي كاتبا عاما لرابطة علماء المغرب في أول خطوة في اتجاه إصلاح هذه المؤسسة كما سبق للملك أن أعلن ذلك في خطاب 30 أبريل 2004.

[26] أنظر خطاب الملك في 30 إبريل 2004، منشور في جريدة الأحداث المغربية، العدد 1923،1 ماي 2004.

[27] من أهم الشيوخ المغاربة الذين يلجأ إليهم في طلب الفتوى عبر الهاتف نذكر محمد المغراوي و عبد البرري الزمزمي. أما على الصعيد الإسلامي، فإن إسمين مغربيين يظهران في قائمة العلماء الذين يتعاملون مع مواقع الانترنيت الإسلامية لاعطاء الفتوى وهم، أحمد الريسوني من حركة التوحيد و الاصلاح و منير الركراكي من جماعة العدل و الاحسان.

[28] أحمد الريسوني في حوار أجرته معه أسبوعية الأيام، العدد 201، 17-23 اكتوبر 2005.

[29] المرجع نفسه.

[30] برسم الخطاب الملكي الذي وضح الإستراتيجية الجديدة لتدبير الشأن الديني تحول إسم الرابطة ليصبح الرابطة المحمدية لعلماء المغرب و نص على ضرورة تفعيلها بعد أن أصابها الجمود التام ، و هي هيئة شبه رسمية تضم عديد العلماء المتدخلين في تدبير الشأن الديني.

[31] أنظر نص البيان الذي أوردته جريدة ميثاق الرابطة، العدد 11، 30 شتنبر 2005.

[32] في ندوة صحفية عقدها بمناسبة الإعلان عن الهيكلة الجديدة لوزارة الاوقاف عبّر وزير الأوقاف بكثير من المرونة عن موقف السلطة من المذاهب الاسلامية، و قد صرح أن المذاهب لا تفصل بينها جدران عازلة، ودعا على ما سمي في الثراث الاسلامي بـ "الآداب المذهبية".

[33] بمناسبة الذكرى الخمسينية للإستقلال (20 غشت 2005) تم إطلاق سراح بعض الذين حكم عليهم بـ 10 سنوات سجنا و عددهم 164 سجينا.

[34] أنظر النص الكامل للحوار في العدد 33 من جريدة الأسبوعية الجديدة. 2-8 يونيو 2005.

[35] أجلت المحكمة الابتدائية بالرباط، يوم الثلاثاء 14 مارس 2006، البث في قضية نادية ياسين إلى أجل تحدده هيأة المحكمة فيما بعد.

[36] يعد ما كتبه عبد الباري الزمزمي على صفحات الجريدة الأخرى الرد الوحيد الصادر من الإسلاميين في هذه القضية بحيث اعتبر أنه " لا موجب في الشريعة يوجب الطعن في النظام الملكي و المّس به و تأليب الناس عليه، و أما الاعتبار السياسي، فإن النيل من النظام الملكي و نفي الشرعية عنه و سلب الصلاحية عن و جوده هو زرع لبذور الفتنة و تحريض على خلع البيعة و السعي إلى تقويض النظام القائم في البلاد، لا سيما و أنه صدر من قوم صار لهم أتباع وشيعة يأتمرون بأمرهم و يصدرون عن رأيهم. عبد الباري الزمزمي، من أهان سلطات الله في الأارض أهانه الله، الجريدة الأخرى، العدد 2029 ، يونيو 05 يوليوز 2005.

Text

PDF

العنوان

ص.ب 1955 المنور ، القطب التكنولوجي إيسطو - بئر الجير 31000 وهران، الجزائر

هاتف

95 06 62 41 213 +
03 07 62 41 213 +
05 07 62 41 213 +
1 1 07 62 41 213 +

فاكس

98 06 62 41 213 +
04 07 62 41 213 +

دعم تقني

اتصال