عدد 04 : أنثروبولوجيا المجتمعات المغاربية : بين الماضي و الحاضر

دفاتر إنسانيات

تقديم : أنثروبولوجيا المجتمعات المغاربية : بين الماضي و الحاضر

تعد الأبحاث الأنثربولوجية حول البلاد المغاربية مجالا من مجالات الدراسات الأنثربولوجية حول مجتمعات " الآخر" المتواجد خارج حدود العالم الغربي و المحجوب بعيدا عن حصون حضارته. و إذا كانت غاية الباحث الأنثربولوجي، شأنه شأن غيره من الباحثين و المفكرين في باقي مجالات العلوم الاجتماعية و الإنسانية، رهينة ظروف سياسية و سوسيوتاريخية معينة، فإن هذه الدراسات و الأبحاث قد تحولت من استراتيجية إيديولوجية للكشف عن "غرائبية" ذلك الآخر إلى مقاربات علمية و منهجية لمختلف أشكال الممارسات المحلية. و تجدر الإشارة أن الأنثربولوجيا المغاربية عرفت انتعاشا كبيرا بفضل الإسهامات النيرة للعديد من الباحثين و المفكرين المغاربيين.

لهذا فإننا نطمح من خلال المقالات المتضمنة في هذا العدد إلى عرض بعض الدراسات حول أنثربولوجيا المحلي و رهاناته المعرفية في المنطقة المغاربية و أثر هذه الدراسات في بناء أنثربولوجيا تعكس واقع المجتمعات المغاربية و تستجيب لتطلعاتها.

و من ثمة كانت لنا وقفة في المحور الأول من هذا العدد مع مقال لـمحمد العربي عقون يوضح فيه من خلال دراسة و تحليل أعمال أحد أعلام الإثنوغرافيا الكولونيالية مدى نجاعة هذه المقاربة الاستطلاعية في شق الطريق أمام المشروع الاستعماري عبر ترسيخ معالم "معرفة عالمة" حول المناطق المستعمرة أو المناطق التي لفتت هذه الدراسات انتباه المستعمر إليها و أغوته باحتلالها. يتعلق الأمر بالمترجـم و المستشرق الفرنسي "شارل فيرو" (Charles Féraud) الذي تعد أعماله مرجعا أساسيا في الدراسات السوسيو-تاريخية المنجزة حول منطقة شمال إفريقيا عموما و منطقة القبائل الشرقية على وجه الخصوص و ذلك في نهاية القرن التاسع عشر.و بالمقابل، و في الحيّز الجغرافي ذاته، تحضُر المقاربة الأنثربولوجية التاريخية بقوة في دراسة ظاهرة من ظواهر الحياة اليومية للمجتمعات المغاربية و المجتمع التونسي تحديدا. إنها الظاهرة الاستهلاكية التي تعكس، حسب عبد الواحد المكني، مظهرا من مظاهر الثقافة المحلية و تكشف الحجاب عن تاريخ الذهنيات و الذاكرة الجماعية، هذا من جهة. و من جهة أخرى، و في السياق الكولونيالي نفسه، يعالج صادق بن قادة طفرة عمرانية عرفتها مدينة وهران و التي تمخضت عن معارف عسكرية جعلت منها نموذجا حيا من نماذج الحداثة العمرانية الكولونيالية التي غيّرت المشهد المجالي للكثير من المدن الجزائرية في تلك الفترة. شغلت مدينة وهران موقعا استراتيجيا على الخريطة العسكرية للوجود الإسباني و الغزو الفرنسي الذي تلاه، و هو ما جعل هذه المدينة تخضع لمصالح الهندسة العسكرية و ضباطها من ناحية التهيئة العمرانية و إعادة البناء و التحصين الدفاعي، في حين" و اصلت المصالح المدنية إنتاج رصيد وثائقي خرائطي ثرّي و متنوع حول المعطيات المادية للمواقع العمرانية "، حسب المؤلف.

يعدّ كتاب "الإسلام ملاحظا" لمؤلفه كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) من كلاسيكيات الدراسات الأنثربولوجية للظاهرة الدينية في كل من المغرب و أندونيسيا. و بغض النظر عن ميادين هذه الدراسة، يعتبر محمد براهيم صالحي أن مقاربة غيرتز يمكن أن تكون منطلقا جادا لتصورات منهجية تتجاوز الحيز التقليدي والنماذج النمطية الجاهزة في دراسة الممارسات الدينية في المجتمع الجزائري.

و ضمن الحقل الديني ذاته، و من خلال مقالها الذي يدور موضوعـه حول الدين، السـياسة، و الثقافات، تطلعنا فاني كولونا على تجربتها الميدانية في منطقة الأوراس بالشرق الجزائري في الفترة الممتدة بين سنتي 1973 و1995، من خلال عرض لبعض الفرضيات والنتائج التي توصلت إليها في دراستها المتعلقة بوضعية الإسلام في المناطق غير الحضرية مقارنة بدين المدن الكبرى و الإرشاد الإصلاحي الباديسي في ثلاثينيات القرن الماضي.

أما المحور الثاني من هذا الدفتر، فنستهله بتعريف "للمحلي" تقترحه كلودين شولي في ظل التنوع الدينامي و التحولات التي يعرفها المجتمع الجزائري، و بالأخص المجتمع القبائلي و التي مردّها عوامل متسرِّبة من الخارج و أخرى متفجرة من قلب المجتمعات ذاتها.

بالمقابل و في حيز جيو-تاريخي يجتاز حدود المحلية، يكشف لنا حسن رمعون في مقاله المعنون بـ "البلاد المغاربية بوصفها جماعة متخيَّلة" عن السيرورة التاريخية التي حالت دون الوحدة السياسية لبلاد مغاربية باتت شبيهة "بالجماعة المُتخيَّلة"، و ذلك بالرغم من توفرها على الخصائص الأساسية لبناء أمة معاصرة و قوية. فقد تُشكِّل البنى الاجتماعية التي تتمخض عن هويات جماعية أحد الأسباب الرئيسة في الانفصال و التفكك عن السياق الشمولي. كما يواصل حسن رشيق مناقشة الإشكالية نفسها و لكن من منظور مختلف يرتبط بدراسة الحدود الفاصلة بين ما يسميه "الهوية الخشنة" و "الهوية الناعمة"، اعتمادا على ملامح قابلة للقياس و وفقا لمعايير سياسية، دينية، عرقية و ثقافية.

و في سياق حديثه عن مجريات السياسة الدينية في المغرب، يطرح عبد الحكيم أبو اللوز جملة من التساؤلات حول توجهات هذه الأخيرة محاولا من خلال مقاله تتبع سيرورة تنفيذ مشروع "تدبير الحقل الديني في المغرب" في ضوء تفاعله مع القوى الاجتماعية الناشطة في المجال الديني. و أما بخصوص الممارسات الثقافية التي لعبت دورا في بث الحس السياسي في المجتمع التونسي أثناء فترة الحماية الفرنسية، فيتناول نور الدين سريب في دراسته مثالا حيا عن جمعيتين ثقافيتين برزتا من خلال دورهما الفعال في خلق الشعور الوطني، و هما "الجمعية الخلدونية" التي تأسست سنة 1896 و "جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية" التي ظهرت للنور سنة 1905.

و أخيرا، و في مقاله المعنون "العائلة، عاداتها و تقاليدها بين الماضي و الحاضر: الظاهرة الاحتفالية بالأعياد نموذجا" يتطرق محمد سعيدي إلى واقع العائلة الجزائرية في كنف علاقتها الروحية بمصادر هويتها الحضارية و الثقافية المتمثلة في العادات و التقاليد، و ارتباط هذه الأخيرة بسيرورة التغير الاجتماعي و المحلي عبر مختلف مراحل تاريخها الفكري و الحضاري.

لقد حاولنا من خلال ملف هذا العدد من دفاتر مجلة إنسانيات تسليط الضوء على بعض ميادين الأبحاث الإثنوغرافية و الأنثربولوجية في المنطقة المغاربية سواء في فترات الاستعمار أو في مرحلة ما بعد الكولونيالية. و تظل معظم هذه الدراسات، و التي تطرقت إليها مجلة إنسانيات في أعدادها السابقة، مصدرا معرفيا ثريا يرصد مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، السياسية، الفكرية و الثقافية في المنطقة. و لهذا، فإننا نأمل أن تشكل هذه المواضيع مجالا للنقاش بين الباحثين في الحقل السوسيو أنثربولوجي المغاربي اليوم و موضوعا لدراسات مستقبلية تتناول المجتمعات المغاربية بشكل مغاير و وفق رؤى و مقاربات مختلفة.



الإثنوغرافيا "الاستعمارية" شارل فيرو نموذجاً

مقدّمة

في الدراسات الإثنوغرافية و الأنثروبولوجية المتعلّقة بأفريقيا الشمالية تحتلّ منطقة القبائل بقسميها المحافظ و المستعرب[1] مكانة أساسية، منذ الدراسة القيّمة و العميقة التي نشرها كلّ من هانوطو و لوتورنو بعنوان: "بلاد القبائل و التقاليد القبائلية" (1893)، التي أعقبتها أطروحة كامبردون هــاكون (Hacon Campredon) التي حلّلت الأعراف القبائلية (1921)، و كذا أعمال بوسكي (Bousquet) التي تناولت المسائل التي يطرحها تعارُض الإدارة القضائية الاستعمارية التي تطبِّق التشريعات الفرنسية مع الأعراف القبائلية (1950) كما لا ننسى أعمال مارسي (G. Marçais) المتميّزة التي خصّصها لتصحيح منهجية القانون البربري و بالتحديد في موضوع القانون العرفي البربري (1939)، و هي دراسات كلّها تعمل على تقديم أنجع السبل لرسْم سياسة تضمن ديمومة الاستعمار الفرنسي بالجزائر على وجه الخصوص، و لعلّ الدراسة الوصفية (الإثنوغرافية) التي قام بها فيرو[2] (Ch. Féraud) عن منطقة القبائل الشرقية كانت من أولى الدراسات التي لفتت نظر الاستعمار الفرنسي إلى منطقة القبائل الشرقية.

كان فيرو أحد المترجمين العسكريين، و هو من أنشط المهتمّين بدراسة و تدوين عادات و تقاليد و فلكلور الجزائري، فقد أدرك أهمّية الدراسات الإثنوغرافية[3] في ترسيخ الاحتلال، لأنّ تلك الدراسات تمكّن من معرفة ذهنية الشعب و تكشف عن تناقضاته الاجتماعية (في مسائل الشرف و الأرض و الانتقام و حماية الإنسان والممتلكات...) و ذلك من شأنه أن يغني إدارة الاحتلال عن كثير من "المتاعب" بل و حتّى الخسائر التي تنجرّ عن الاعتماد الكلّي على القوّة العسكرية، و لذلك كانت الدراسات الإثنوغرافية و لا تزال أهمّ العـناصر التي تُبنى عليها القرارات و الإجراءات الاستعمارية، و في هذا السياق اعتبر الباحثون الإثنوغرافيون أنّ مجتمع الشمال الأفريقي تحكمه منظومتان قانونيتان إحداهما تقليدية عرقية شفوية و هي امتداد لنظم ما قبل الإسلام و منها تستمدّ الجماعة تشريعاتها، و الأخرى إسلامية يعمل بها الفقهاء و الطُّلْبة[4]، و كان هانوطو و لوتورنو[5] و ماسكوراي و كذا فيرو من أبرز روّاد هذه الدراسات و قد أدركوا قبل غيرهم ما لهذه الدراسات من أهمّية و لفتوا نظر قادة الاحتلال الفرنسي إلى أهمّيتـها، و لذلـك وظّف لها هـؤلاء أبـرز الكفاءات، و واظبوا على إدخالها إلى "غرف العمليات" فكانت تنظَّم لها أيام دراسية يُدعى إليها ضبّاط الاحتلال و إداريوه لاستيعاب أيّ دراسة جديدة تصل إلى مصالحهم، و بذلك يمكنهم متى أرادوا توظيف ما تحمله من معلومات في إثارة الفتنة و التحريض و تكريس عوامل التفرقة... و ضرب أيّ قوّة طليعية وطنية من داخل الشعب ذاته بشتّى الوسائل و في هذا السياق قام فيرو الذي كان يرافق الحملة الفرنسية على قبيلة بني خطّاب الشرقية[6] (جوان 1860) بإنجاز هذه الدراسة التي نقدّمها في هذه المداخلة كنموذج للدراسات الإثنوغرافية التي تركّز على العناصر التي يمكن توظيفها من قبل إدارة الاحتلال بدءا من التعريف بالمنطقة جغرافيا إلى السكّان و أعرافهم و خصوصياتهم الاجتماعية و الأسرية[7].

1. بدايات التعرُّف على منطقة القبائل الشرقية

كتب فيرو في ما يتعلّق بهذا الجانب :"... إنّ سكّان القبايل الشرقية (Kabylie Orientale) [8] لا يختلفون عن سكّان جرجرة، لقد كانوا جميعا ولفترات طويلة متمرّدين على جميع السلطات الحاكمة، و قد احتفظوا بأعراف و تقاليد على درجة كبيرة من الأهمّية لنا(أي لإدارة الاحتلال الفرنسي) للتعرّف عليها و دراستها، و كان الضابط هانوطو (Lieutenant-Colonel Hanoteau) سبّاقا إلى الاهتمام بالموضوع فقد نشر دراسة قيّمة بعنوان ميثاق قبايلي (Charte Kabyle) عن سكّان جرجرة"[9].

كان اكتشاف و ثيقة كتابية في القبائل الشرقية شبيهة نوعا ما بالوثيقة التي نشرها السيّد هانوطو حافزا للبحث عن تفاصيل جديدة في الموضوع، "... و كان أن حصلنا (يقول فيرو) على الوثائق التي أشرنا إليها و على إيضاحات هامّة حولها جمعناها من هنا و هناك و نرى أنّها ذات قيمة تستدعي نشرها، و على الخصوص ما يتعلّق بالأعراف فهي تعبّر عن تقاليد أصيلة يبدو بعضها بدائيا، و لكن يمكن استخلاص أنماط تفكير و ذهنية هذا الشعب البدائي منها[10]" قبل الاحتلال الفرنسي كانت قبائل بلاد القبايل الشرقية[11] المتحصّنة في جبالها، تعيش في فوضى عارمة، و كلّ قبيلة مستقلّة عن الأخرى و لا تخضع إلاّ لجماعتها، و الجماعة هي "هيئة" مكوَّنة من الكبار و من الأعيان الأثرياء و من ذوي المقامات بل و حتّى من الذين يتمتّعون بقوّة جسدية، و كانت تبعيّة هذه القبائل لبايات قسنطينة اسمية في الواقع، فلم تكن لأولئك البايات القوّة التي يمكن أن يسيطروا بها على تلك البلاد الجبلية[12]، و في هذه العزلة و الاستقلالية التي عاشت في ظلّها هذا القبائل قرونا متتالية ظهر قانون عرفي مستمدّ أكثر من تقاليد هذا الشعب البربري القديمة، لأنّ بعض تفاصيله لا يقرّها القرآن"[13].

2. بعض الملاحظات الدينية

يواصل فيرو حديثه في هذا الجانب قائلا :"... قبايل هذا الجهة مسلمون و لكن إسلامهم شكـلي، فهم يقبلون من القرآن ما يوافق مصالحهم أو ما يثير نزعة التطيُّر عندهم، و لكن العادات و الأعراف التي تلقَّوها من أسلافهم يمكن أن تلغي النصّ القرآني، فمثلا يحدث أن يأمر قاضٍ أو طالب بتطبيق نصّ الشريعة الإسلامية و يرفع عقيرته بذلك و لكن لا أحد يعيره اهتماما فالجماعة تحكم بموجب العادة (العُرف) و من هنا جاء المثل السائر عند هؤلاء القبايل:"عَنْد لَقْبايَل القاضي يحكَم و لكن لَجْماعة تبطل حكمه"[14].

"... إذا كان عند قبايلي قضية يريد تسويتها مع جاره فإنّه يذهب إلى طالب[15] يكون قد وصل إلى القبيلة حديثا و يترجّاه أن يحرّر له قائمة شهود -يمليها هو عليه- يعلنون بأنّه هو المالك الشرعي و الوحيد للعقار محلّ الخلاف، و إذا رفض الطالب فإنّ ذلك الشخص يغيب عنه أياما ثمّ يعود إليه و لكن هذه المرّة يأتيه و معه سلاح و ينذر الطالب قائلا له: ها هي خمسة باسيطة (Bacetta) ثمنا لورقك (في يد) و ها هي خمس رصاصات أضعها في بندقيتي و في بنادق أبنائي و سنفرغها فيك إذا لم تنفّذ ما أطلبه منك (في اليد الأخرى) "[16].

" يواصل فيرو"... لا ريب أنّ الطالب يتمسّك بالرفض و لكن كما أكّد لي الأعيان أنّه من تلك اللحظة ينبغي له أن يتهيّأ للرحيل نحو قبيلة أخرى للإقامة فيها بأمان ، و الحال أنّ الرواية الشفوية تتحدّث عن مرابط مستنير في زمن بعيد، اسمه سيدي حسن من بني ورثيلان، و هي قبيلة مركزها غربي سطيف، كان صمّم على تجديد المجتمع القبايلي و أن يحطّم هذه العادات بالقوّة لتهذيب السلوك في هذه القبائل و حيث أنّ المهمّة كانت صعبة و طويلة فإنّ الموت لم يمهله ليكمل جهده الحضاري و منذئذ لم تقم محاولة مثيلة لمحاولة سيدي حسن الورثيلاني. "[17]

3. بعض الخصائص الحضارية واللغوية و الاقتصادية

يذكر فيرو في هذا الشأن أنّه "... لا توجد لدى سكّان القبائل الشرقية تلك القرى الكبيرة المكتظّة - مثل ما هو موجود لدى كنفدرالية زواوة أو لدى قبايل وادي الساحل و بوسلاّم و البابور– حيث البيوت اللصيقة ببعضها ذات الطلاء الأبيض و المغطّاة بالقرميد، و ذلك دليل على شيء من التحضُّر و الرفاهية التي هي ثمرة العمل و الاحتفاظ بشيء من الصناعة الحرفية، فمن السفح الشرقي للبابور إلى ما وراء سكيكدة شرقا لا نرى عموما سوى أكواخ (Cahutes) بائسة من أغصان الأشجار و الطين بسقوف من نبات الديس أو الفلين، و فيها يتساكن الإنسان و الحيوان[18] و لا يستثنى من ذلك سوى قلّة قليلة من بعض الموسرين.

و ضمن هذه الحدود ذاتها تتغيّر لهجة التخاطب أيضا، فهؤلاء و على الخصوص الأشخاص دون الأربعين لا يستعملون لغتهم القبايلية بل و لا يفهمونها بحيث و جدنا (يقول فيرو) أنّ لغة التخاطب عندهم هي خليط من عربية مهشَّمة (Corrompu Arabe) و مفردات بربرية و كلمات

و حروف مقلوبة و مصحَّفة، و لفهم لغتهم بالنسبة لمن يجيد عربية أفريقيا الشمالية لا بدّ من التحادث معهم و الاستماع إلى الأحاديث المتبادلة بينهم أياما معدودة و بعدها يكتشف التصحيف و القلب في الحروف الشبيه بالترميز (Code)، فمثلا: حرف الكاف ينطَق مثل الشين الانكليزية (Ch) فكلمة عندك، و هي في عربية أفريقيا الشمالية تعني احذر، تُنطَق عند هؤلاء :عندَتْشْ (ândetch).

تقلَب فتحة الحرف الأول من الفعل الماضي إلى كسرة ممدودة، مثال: دَرت تصبح ديرت، زدت تصبح زيدت الخ... .

للمذكّر و المؤنّث صيغة واحدة، مثال: روح انتَ (اذهب أنت)، تُقال للمؤنّث و المذكّر، غير أنّ الملفت للانتباه هو استمرار حرف الجرّ اللاتيني: دي، مثال: العين دي بوموش[19] معناه نبع بوموش، لَجْبل دي ولاد عستشر، معناه جبل أولاد عسكر.

إنّ قبايل هذه الجهة مثلهم مثل إخوانهم زواوة، تجبرهم قلّة الثروة في بلادهم الجبلية على الهجرة في كلّ موسم إلى السهول العليا[20] للعمل في الحصاد و القطف كعمّال يدويين موسميين، و عندما ينوي الواحد منهم مغادرة جباله الغابية متوجّها إلى المناطق الواسعة في الداخل، عليه أن يؤدّي زيارة نذرية إلى ضريح كبير مرابطي قبيلته، يطلب منه العناية و أنّه إن عاد سليما معافى سيقدّم له قربانا، فمثلا أفراد قبيلة زواغة و أولاد عسكر يتوجّهون إلى مرابطهم سيدي و شناق الذي يوجد مزاره في قمّة الجبل ما بين فجّ الاربعاء و فجّ فدولس، و ها هو نصّ الدعاء الذي يتوجّه به هؤلاء إلى هذا المرابط (كما كتبه أحد الطلْبة) :

آ سيدي وشناق[21].

أنا ماشي للقبلة في حْمَاك .

إدا رجعت على خير وعافية .

نعطيك الوعدة .

ح ا خبيزة دي بومعراف[22].

وحَ الشميعة وزوج صوردي دَ الجاوي.

4. الحملة الفرنسية على قبيلة بني خطّاب الشرقية

سجّل فيرو في هذا الموضوع ليس كمؤرّخ فحسب ولكنّه كشاهد عيان أنّه "... في 15 جوان 1860، توغّلت الحملة (الفرنسية) على القبائل الشرقية و وصلت إلى قلب إقليم قبيلة بني خطّاب التي كانت المحرّك الرئيسي لـ "التمرّد" الذي وقع في الجهة، و قد أقامت الحملة معسكرها في أعلى جبل تافرطاس (Tafortas) الذي يعلو 1251م. و في 19 جوان زحف رتل(Colonne) خفيف يتكوَّن من عدّة فرق للاستكشاف نحو سيدي معروف حيث كان "المتمرّدون" قد انسحبوا و معهم أسرهم و قطعانهم[23].

سيدي معروف منطقة جبلية صخرية جافّة ذات التواءات وعرة المسالك و قمم صخرية مسنّنة غريبة الشكل ممّا جعل الجيش (الفرنسي) يطلق عليها اسم قرون الشيطان (Cornes de diable)، و هي متصلة من جميع الجهات بمنحدرات و جروف عميقة تغوص في مجرى واد حايا (Oued Haïa) و هو أحد روافد الوادي الكبير (الرمال الأدنى)، و هذه القمم تبدو معزولة عن محيطها لولا ممرّ(Col) صخري ضيّق يربطها بجبل بوطويل الذي تمثّل قمّة تافرطاس أعلى قممه.

في الجهة الغربية أسفل سفح صخري تتجمّع باقة من الأشجار ترتوي من نبع مجاور لها، كأنّها واحة، يتوسّطها كوخ (قوربي[24] (Gourbi)) يضمّ ضريح المرابط سيدي معروف[25] الذي يحظى بالاحترام و لذلك سمّي الجبل باسمه.

عند وصول الحملة الفرنسية هناك وجدَتِ القوربي الذي يضمّ قبر المرابط سيدي معروف لا يزال محاطا بعدد من الآنية و الصحون و الكؤوس وكلّها من الفخار و هو دليل على"زردة"[26] حديثة العهد حيث اجتمعت القبائل و تمّ أخذ قرار الهجوم على مركز حراسة الغابة الواقع قرب بني مسلم و نهْبه، و كان يتولّى مهامّه كلّ من السيّدين بوك (Bocq) و دولاكروا (Delacroix).

يواصل فيرو: ...في الجهة المقابلة للقوربي باتجاه الممرّ الجبلي الصخري المذكور توجد مغارات طبيعية كان يقيم بها المتمرّدون و لكن غادروها قبل وصول الحملة بقليل، و قد دخلها دليلنا و وجد فيها عددا من الآنية الفخارية مليئة بالسمن و قراب مليئة بالكسكس و في أحد الأركان اكتشف أحد جنود الفرقة الزواوية[27] (Zouaves) عددا من قصب البوص حُفظت بداخله أوراق تَبيّن بعد فحْصها أنّها على العموم غير ذات أهمّية لأنّها عبارة عن تسجيل بسيط متعلّق بمعاملات السكّان(اقتراض بذور، قوائم شهود...)، غير أنّ المهمّ هو الوثيقة التي وجدتُها ضمن هذه الأوراق و التي تحتوي على النصّ الآتي أدناه[28]:

الحمد لله وحده وصلى الله على سيّدنا محمّد و آله و صحبه و سلّم، أمّا بعد فقد حضر بين أيدينا جماعة اولاد بارش[29] جملة كبير و صغير و اتفقوا على :

  • من ضرب على مالهم فيعطون ديّته على المصباح[30].
  • كذلك من ضرب على النيف على زوجته و زوجة ابن عمّه .
  • كذلك من ضرب على الضيف إذا كان صاحب معلوم .
  • و من ضرب على البحيرة و الحما و الوسيق[31] و غير دلك من النيف و قتل أو جرح أحدا من ما دكر فيعطون ديّته على المصباح.
  • من ضرب على مصلحة الجماعة من بلاد ارتغمت أو دخمت[32] و قتل أو جرح كدلك يعطون ديّته على المصباح.
  • إذا مات أحد من الجماعة و أراد وليّه أن يقتل و قتل أحدا من الجماعة فيسدّ في المقتول.
  • إذا قتل أحد من الجماعة خاين النهار تعطى ديّته على المصباح، و المعطية[33] يعطيها القاتل وحده فقط، و أمّا في الليل على المصباح جميع ما يعطون فيه.
  • إذا انسرقت سريقة من الجماعة و دارت الجماعة و قرّعوا لمن يفزع و امتنع فخسارته ريال، و كذلك من مشى مع وليّ المقتول و أكل شيء من الفاني فلا رجوع له عليه و السلام
  • الشهود الحاضرون : علي بن سليمان، المرابط أحمد بن بوعزيز، أحمد بن سعد ... و جمع كثير .
  • الكاتب / أحمد بن بلقاسم بولبصير تاب الله عليه ءامين[34].

5. معلومات إثنوغرافية عن الزواج و تكوين الأسرة

و قد استقى فيرو هذه المعلومات من روايات شفوية قدّمها له الأعيان، يقول : قبل تأسيس الدائرة القضائية الفرنسية أي قبل تعيين قضاة لدى هذه القبائل كان القبايل يعقدون القران حسب عادات و تقاليد أسلافهم، و كان الزواج يتمّ بطريقتين هما زواج الجدي و زواج المعطية :

أ. زواج الجدي و هو القيام بذبح جدي رمزا لترسيخ الشروط التي أقرّتها العائلات[35] و يلتزم العريس بدفع مهر لوالد عروسه قدره ما بين 70 إلى 90 باسيطا (175 إلى 225 فرنك 1860) و حيث أنّه كثيرا ما يكون هذا المبلغ غير متوفّر فإنّه يعتمد على أصدقائه، و الحال أنّه في اليوم المحدّد للعرس يأتي كلّ الأصدقاء مع زوجاتهم و أبنائهم و كلّ واحد يحمل معه ما استطاع من هدايا للعريس الجديد، و تدقّ الطبول و تعزف موسيقى الزرنة و البعض من حملة البنادق يطلق عدّة طلقات و هم يرقصون و يقفزون و تتعالى الأصوات بعبارة : خلّي البارود يتكلّم!.

إذا لم يكن للعريس الجديد بيت يأتي الأصدقاء أيضا لمساعدته، بعضهم يقطع الأغصان و بعضهم الآخر يعدّ الطين و القشّ لصناعة الطوب، و يأتي البعض الآخر بنبات الديس(Stipa tenacissima) و ألواح من الفلين لتسقيف البيت الجديد .

نعود إلى تقاليد الزواج عند هؤلاء الجبليين و على الخصوص الشروط القاسية لزواج الجدي المفروض على المرأة أن تقبل به، و نضيف ما تلقّيناه من معلومات عن تقاليد هذا الزواج لدى كلّ من قبيلتي بني توفوت و بني فرقان و قبائل أخرى.

في حال رفْض طلب الزواج من فتاة لسبب ما، فإنّ على عائلتها منذ إعلانها عن رفضها تزويج ابنتها أن تكون دائمة اليقظة، مواظبة على حراسة محيط منزلها لمنع المحاولات التي يمكن أن يقوم بها "الخطيب العاشق" لأنّ هذا الأخير لا يكفّ عن مراقبة المنزل و معه أصدقاؤه المقرَّبون، و إذا تمكّن – في غفلة من أهل الفتاة- من ذبح الجدي الذي يرمز دمه كما ذكرنا أعلاه للروابط الزوجية، على عتبة منزل الفتاة، فإنّها ستكون بقوّة العرف من نصيبه[36].

من خلال تقاليد زواج الجدي تكون الزوجة ليس فقط ملكا لزوجها طيلة حياته بل تصبح بعد موته جزءا من الإرث فتصبح ملكا للورثة و في هذه الظروف تحدث وقائع من الجدير عرضها، فما إن يلفظ الزوج آخر أنفاسه و يموت حتّى يتبارى الورثة كلّ يريد أن تكون الأرملة من نصيبه و في الأخير يفوز بها أول من دثِّرها بحايك أو ببرنوس و بذلك تصبح من نصيبه و لا أحد يمكنه الاعتراض من شركائه في الإرث، و إذا كان للأرملة أبناء فإنّهم ينشأون في منزل السيّد الجديد للأرملة الذي يدير الثروة التي تركها والدهم إلى أن يدركوا سنّ البلوغ[37].

ب. زواج المعطية عندما ترتكب عملية قتل تحكم الجماعة على الجاني بدفع الدية التي تقدّر بأكثر من ألف فرنك وإذا لم يتمكّن الجاني من جمع المبلغ المطلوب و هو ما يحدث في الغالب، يتمّ اللجوء إلى حلّ آخر هو تقديم إحدى بنات عائلته و معها خمسون باسيطا تسمّى حقّ الكفن أي كفن الميّت.

سجّل فيرو بأنّ حالات الخيانة الزوجية نادرة في القبائل الشرقية لأنّه في أدنى الشكوك في خيانة الزوجة يقوم الزوج بقطع رأس زوجته دون خوف من أيّ متابعة، و ليس المقصود هنا المتابعة القضائية، لأنّ هذه الأخيرة غير متوفّرة بل المقصود هو الجماعة التي تعتبر القتل حكما كافيا في مقابل عدم مطالبة الزوج أيضا بالمهر الذي كان قد دفعه.

إذا وُعد شابّ بالزواج من فتاة معيّنة و لكن الطمع استبدّ بوالد تلك الفتاة و يوشك أن يجعله يخلف وعْده و ذلك بتزويج ابنته من آخر، فإنّ الشابّ يشعر بالهوان و كذا جميع عائلته تشعر بطعنة عميقة في كرامتها ولذلك يجرّد الجميع أسلحتهم و تقع مواجهة شرسة قد تمتدّ على سنوات، تتوقّف ثم تستمر حتّى يتمّ التراجع من هذا الطرف أو التخلّي من قبل الطرف الآخر، على المرأة محلّ النزاع. إذا كان الزوج مستاءً من زوجته أو أنّها أصيبت بعاهة أو عجز[38] فله الحقّ في التخلّي عنها بإرسالها إلى ذويها مطالبا باسترداد المال الذي دفعه مهرا لها، وللزوج الحقّ دائما في الاحتفاظ بحضانة أبنائه في حالة الطلاق .

" في الماضي، يقول عدد من الشيوخ القبايل ؛ كنّا مستقلّين وكلّ واحد سيّد نفسه، كان الشجاع لا يخشى من أحد، يقتل عدوه دون رحمة، و لم تكن حياة الإنسان أكثر قيمة من ذبابة !.

إنّ أكبر إهانة و أفظع عقوبة يمكن أن تلحق بقبايلي هي حرق منزله ليس لأنّ المنزل ذو قيمة هامّة و لكن لأنّه المكان الذي يحفظ كرامته و فيه تكوّنت مشاعره و عواطفه، و في هذا الشعب "المتأخّر" الذي ليس لاندفاعه حدّ، كثيرا ما تكون هذه الإهانة سببا في ارتكاب انتقام بشع، و إذا تعرّف صاحب المنزل المحروق على الجاني فإنّه يقوم بتقديم شكواه إلى الجماعة، و هذه الأخيرة تأمر فورا بإنزال أقصى العقوبة على الجاني، و إذا كان الجاني من قبيلة أخرى تتجنّد قبيلة الضحية و تحمل السلاح لشنّ الحرب على قبيلته (أي على قبيلة الجاني طبعا)، أمّا إذا كان من نفس قبيلة الضحية فإنّ الجماعة تتنقّل إلى منزله فتأمر بإحراقه و تحويله إلى رماد و الاستيلاء على مواشيه كلّها فتُذبَح لإعداد الوليمة للجماعة.

نادرا ما يقْدِم القبايلي على بيع بستانه أو أرضه بل يفضّل رهنها و ينتظر حتّى تمرّ الضائقة المالية التي حاقت به ثمّ يدفع المال لاسترداد أرضه[39].

و جدنا (يقول فيرو) عند بعض قبائل الجهة مثل القبائل المجاورة للبابور و فرجيوة عادات أخرى مثل التجوّل بالعروس و هي تمتطي بغلة رفقة رجال مسلَّحين من الأهل و الأصهار و الأصدقاء المدعوّين و بين حين و آخر ترتفع الأصوات بالزغاريد و طلقات البارود، و على كلّ صاحب منزل يمرّ به موكب العرس أن يقدّم غربالا مملوءا بالفول أو الجوز أو التين المجفّف هدية للعروس، فتأخذ العروس منه ملء يدها، تقبّله ثمّ تعيده إلى الغربال و في الأخير تعبَّأ هذه الكمّيات المُهداة في أكياس تحملها امرأة عجوز تتلقّى الهبات لتجهيز منزل العريس[40].

عندما يصل الموكب إلى نهاية جولته تنزل العروس ثمّ تحيط بها نساء يقمن بوضع يدها داخل إناء مملوء بالسمن السائل، و يعطينها عددا من البيض تقوم بكسرها على رأس البغلة التي نقلتها بين أذنيها، وقد تبيّن لي أنّ هذه التفاصيل على درجة من الأهمّية في الدراسة الإثنوغرافية لهذا الشعب البربري مع أنّ بعض هذه التقاليد اختفت الآن تماما (1860).

دون الحاجة إلى إقامة مقاربة عميقة ما بين هذا التقاليد و المعتقدات الوثنية نكتفي بالإشارة إلى ما ذكره بلين (Pline, Histoire Naturelle) عن الممارسات السحرية في عصره حيث أشار إلى أنّ الساحرات إذا أردن إلحاق أذى بشخص يقمن بكتابة اسمه على قشور البيض، و ذلك شبيه بما أشار إليه بعض الباحثين المحدثين من أنّ كسر البيض و إفراغه من محتواه يقصَد به إبعاد الأذى السحري.

عندما تضع العروس قدمها في الأرض للدخول إلى منزلها الزوجي يقدَّم لها الحليب و اللبن و الـماء، ثمّ ملء يد من القمح و من الشعير و من الملح و عليها أن تذروه يمينا و شمالا فوق منكبيها لإنزال البركة و الخير في العائلة التي انتقلت إليها، و يقترب العريس بدوره و يطلق طلقة بارود على رأس عروسه ليسكن الخوف قلب عروسه فلا تعصي له أمرا.

ينبغي الإقرار، رغم حالة القهر المسلَّطة على المرأة، بأنّ هؤلاء الجبليين ليسوا مجرَّدين من مشاعر الحبّ الحقيقي و يمكن تقديم أمثلة واقعية في الموضوع و لكن في دراسات أخرى.

بعد القيام بالطقوس المذكورة أعلاه و هي دليل على ذهنــية التطيُّر المتحكّمة في هؤلاء السكّان، تدخل العروس إلى الغرفة و تتخطّى بقدمها الأيمن العتبة فيقوم العريس بحملها بين ذراعيه إلى الداخل و يبقى الأهل و المدعوّون ينتظرون في الخارج، و على العريس بعد أن ينال وطره أن يعلن عن ذلك بطلقة بارود من بندقيته فيفهم الجميع مغزى هذه الإشارة و تتعالى الأصوات بالغناء و الزغاريد و تزداد طلقات البارود و ترقص النساء بقميص العروس المخضّب بدم البكارة ثمّ تظهر العروس بنفسها وسط النساء و تشاركهن في الرقص و القميص بين يديها، و يأتي دور الرجال فيرقصون أيضا و يستمر الحفل على ذلك المنوال[41].

و في الأخير يرى فيرو أنّه من الأهمّية تسجيل بعض الأغاني التي تؤدّى في مثل هذه المناسبات و هي أغاني تحكي قصّة غرامية قصيرة أو حادثا مهمّا تعبّر حسب قوله "بسذاجة" عن خصوصية هذا الشعب :

غناء العروسة

أما مشيت يا رجلي وخلّفت من غَبّـار...... جابوها احبابي دَالبيزان[42] دي[43] عقّار

سلامنا على مول الــــــــدار ..... احباب لالّة يلهطوا[44] بالنـــــار

سلامنا على الوثــــــــول[45] ..... احباب لالّه الكَلّ فحـــــــول

سلامنا على باب الحـــــــوش .... احباب لالّة رافدين الكبّـــــوس

شعّلوا المصباح و الزيت م البـطّة[46] ...... احباب لالّة لابسين الفطّــــة[47]

شعّلوا المصباح نشوف الحــــالة ...... احباب لالّة د الدهب شعّالـــــة

لالّه لعروسة بنت الــــــدوادي ... خلّينا بوها يبكي و ينـــــــادي

يا لالّه لعروسة يا حنيشة التـــريق ...... امّ لعيون اكحل و الحاجب رقيـــق

قول لامّ لعريس تجبد ما خــــبّات ...... تجبد لخلاخل للعروسة اللي جــات

قول لامّ لعريس تجبد ما خــــبّات ..... تجبد لبزايم للعروسة اللي جـــات

قول لامّ لعريس تجبد ما خــــبّات ..... تجبد لمحارم للعروسة اللي جــات

إنشاد حربي

بني توفوت و السوكية[48] اقواو بالمراسلية

اقواو بالمراسلية قالو قومو على لبلاد

اطربو[49] البولدون[50] يا اسيادي اليوم و صل لجهاد

مشّاط و السوكية من سينات غارت لـــيّ

من سينات[51] غارت ليّ وانايا قطعت القوت

آيّاو نزرّدو للنسورة بالخيل دي بني توفوت

نغنّي على الحنّاشي[52]

 كيف التركي فْ لَمْحلّة[53] ماشي

هُوَ دْ لفحل علّْ لعراش بيه نعمّر احبارة

هاداك اليوم على مرجاجة[54] والبارود د العجاجة

البارود د العجاجة والطياح كيف الريش

اللي خوّاف يا رجّالة من الدار ما يجيش

يا داك النهار ف لقصر والبارود يقيّل يطرب

يا خوتي لا باو إفرّو فيها شيانت الشبّان

عبد الله د الصيد ومحمّد دْ بلّهْوان[55]

خاتمة

منذ بداية الفترة الاستعمارية انتظمت البحوث الاستشراقية و الإثنوغرافية و التقارير الوصفية المتعلّقة بأفريقيا الشمالية في ثنائية متعارضة تقسم السكّان حسب معيار القوالب الجاهزة و تضعهم في تناقض مطلق، و هذا الحكم يحمل على وضع تقسيم صارم للعمل العلم؛ بحيث جُعلت الإثنوغرافيا مجالا للبحث في الأعراف الاجتماعية لأنّها مرادفة للرواية الشفوية، التي تحتفظ في نظرهم بمخزون بدْعي و حتّى سحري وبدائي، يعود إلى الفترة السابقة للإسلام في حين جُعلت الدراسات الاستشراقية مجالا لدراسة الشريعة (الإسلامية) و خاصّة قانون الأحوال الشخصية المستمدّ منها مع أنّ الأعراف لدى الجميع: محافظون ومستعربون- ظلّت بربرية، فهيئة الجماعة (تاجماعت أو آيذوذ) و سلطاتها و تشريعها تقوم على العرف الذي ظلّ قائما و لا يزال إلى الآن في كلّ جهات أفريقيا الشمالية.

على صعيد الوقائع، سيقيم المستعمر - الذي يستند على هذه المعرفة الإثنوغرافية و الاستشراقية- في الجزائر و المغرب، على الخصوص، منظومتين متميّزتين في الإدارة القضائية؛ الأولى في مجال الأحوال الشخصية يعيَّن لها قاضٍ حسب الشريعة الإسلامية، أمّا المنظومة الأخرى فيعيَّن لها قاضي الصلح (Juge de paix) للنظر والحكم في المسائل بموجب العادات والأعراف البربرية المقنّنة لهذا الغرض.

و على الصعيد المعرفي، فإنّ هذا الازدواج بين التراث البربري القديم من جهة و الشريعة الإسلامية من جهة أخرى يقترن بمقولات الأنثروبولوجيا القانونية بحيث أنّ التقاءهما يمكّن حسب هؤلاء من ترسيخ و استمرار التمييز بين القانون الإسلامي (الشريعة) و العرف البربري و بالتالي بين القانون الجزائي (الإسلامي) من جهة و القانون الجزائي الذي تقرّه هيئة الجماعة (تاجماعت البربرية) من جهة أخرى، و لذلك نلاحظ أنّ أوّل ما اتّجه إليه فيرو هو الوضع الأمني في المنطقة، و كيف كانت علاقات المنطقة بالبايات في قسنطينة، و كذا الأعراف التي تحكم هؤلاء الجبليين كما يسمّيهم، وفي هذا السياق يشيد بالدراسة الرائدة التي أنجزها هانوطو عن زواوة، و في إشارته إلى حالة التمرُّد كأنّه يحذّر من طرف خفيّ سلطات الاحتلال الفرنسي، و يلفت الانتباه إلى أهمّية "الجماعة" التي هي وحدها المتحكّمة في حياة هذا الشعب الذي لم يتردّد في وصفه بالبدائي.

يقرّر فيرو إذن، بأنّ العرف أقوى من الدين عند هؤلاء الجبليين وأنّ الجماعة وهي تحكم بموجب العرف - الذي هو امتداد للتراث البربري السابق للإسلام - أقوى من « الطُّلبة » الذين يمثّلون شريعة الإسلام، و حتّى الأشخاص لا يحتكمون – في نظره - إلى النصّ القرآني بقدر احتكامهم إلى العرف بل إلى القوّة لإرغام الطالب على تنفيذ الأوامر و إلاّ ناله الأذى و هو هنا يلفت الانتباه إلى أهمّية دراسة العرف المحلّي، و قدّم الوثيقة التي عثر عليها كمثال، و لقد كانت هذه الدراسة و مثيلاتها من بين العوامل التي جعلت قيادة الشؤون الأهلية في الحكومة الفرنسية تعتني بتكوين و ترسيم جماعات العرش بقرار مشائخي في كلّ دوّار و قبيلة في عموم الجزائر و الهدف كان دائما هو امتلاك آليات التحكّم في شعب محتلّ حديثا، بمعرفة نعراته و عناصر الإثارة المتحكّمة فيه و كذا عوامل التضامن والتنافر بين أفراده لضربه ببعضه البعض متى دعت الظروف إلى ذلك.

و لعلّ الطريف في هذه الدراسة هو هذه المعلومات المتعلّقة بتقاليد الزواج و الأسرة عموما إذا صحّ فعلا ما سجّله في هذا الجانب مع ما في ذلك من بعض المبالغة في تصوير وضع المرأة على الخصوص، لأنّ أيّ شعب عاش وضع هذه المنطقة - الذي هو وضع الجزائر كلّها - ستتردّى أوضاعه، فهو شعب بلا مدرسة و بلا تعليم أجيالا عديدة أي أنّه بلا نخبة مستنيرة قرونا طويلة وجاء الاستعمار ليضاعف معاناته و لذلك آل وضعه إلى ذلك المآلCRASC Insaniyat - دفاتر إنسانيات



الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 28، أفريل-جوان، 2005.

[1] تمتدّ المنطقة القبائلية من ضواحي الجزائر العاصمة غربا إلى ضواحي سكيكدة شرقا، و ينقسم سكّانها إلى مستعربين و محافظين أي الذين لايزالون يستعملون إحدى لهجات اللغة الأمازيغية، و تعتبَر جبال بابور حدّا فاصلا بين القبائل المستعربين و القبائل المحافظين. 

[2] فيرو، شارل، (1829-1888)، بدأ مساره المهني في الجزائر كمترجم و عمره لا يتجاوز 19 سنة، و كانت كفاءته محلّ اعتبار، ضابط سنة 1873، تولّى منصب رئيس الجمعية التاريخية الجزائرية العام 1876، ثمّ قنصلا عامّا لفرنسا في طرابلس العام 1877، و في العام 1882 عيِّن قائدا لجوقة الشرف فوزيرا مفوَّضا لفرنسا في المغرب العام 1884، هذا الضابط "المكتشف" كرّس حياته للتنقيب في تاريخ أفريقيا الشمالية و تدوينه بروح تملأها الإرادة و معرفة عميقة بالوسط الأهلي، أهمّ آثاره: تاريخ بجاية - تاريخ القالة و الحوليات الطرابلسية.

[3] الإثنوغرافيا هي علم وصف الشعوب و تركّز على التقاليد و العادات و الأعراف و الفلكلور و المعتقدات.

[4] Mahé, A. (1996), Entre le religieux, le juridique et le politique : l’éthique. Réflexions sur la nature du rigorisme moral promu et sanctionné par les assemblées villageoises de Grande Kabylie, Paris, Anthropologie et Sociétés, vol. 20, 2, p. 85.

[5] Voir, Hanoteau, A., et Letourneux, A. (1893), La Kabylie et les coutumes kabyles, Paris, Challamel, 3 vol.

[6] أنظر موقع القبيلة في الخريطة المرفقة.

[7] Voir, Mahé, A. (1994), Anthropologie historique de la Grande Kabylie XIXe - XXe siècles : histoire du lien social dans les communautés villageoises, Thèse de doctorat de l’EHESS, 3. Vol.

[8] المقصود بالقبايل الشرقية في هذا الدراسة هو المنطقة الممتدّة من سفوح البابور الشرقية إلى ضواحي سكيكدة، و يشار إليها في الدراسات الجغرافية بعبارة قبائل القلّ (Kabylie de Collo)و سكّانها من البربر المستعربين المتميّزين بلهجتهم بين سائر سكّان أفريقيا الشمالية، و يبدو من دراسة ألسُنية(linguistique) أنّ لهجة كتامة (قبائل الحدرة قبل استعرابهم) كانت وسطا بين أمازيغية جبل أوراس وأمازيغية زواوة.

[9] Féraud, Ch. (1862), « Mœurs et coutumes Kabyles », in Revue Africaine, VI, p. 272.

[10] Ibid,. p. 276-277.

[11] لقد كتبنا قبايل بالياء في مقابلKabyles، و كتبنا قبائـل بالهمزة في مقابل Tribus.و كان مصطلح قبائل الدالّ على الإقليم و سكّانه قد استعمل منذ تمركّز الإدارة الإقليمية الأموية و العبّاسية في القيروان حيث كان يُشار إلى المناطق الجبلية من سكيكدة إلى الجزائر (العاصمة) باسم بلاد القبائل البربرية و حيث أنّ الاسم طويل كما نرى فقد اختُصِر مع الأيام إلى بلاد القبايل، غير أنّنا نرى أنّ التسمية أقدم فمنذ الفترة الرومانية كان يُشار إلى سكّان هذه الجبال باسم تحالُف القبائل الخمس (Quinquegentiani) و هي القبائل التي قاومت الاحتلال الروماني في عهد الإمبراطور ديوكليتيانوس، كما يُلاحَظ كذلك أنّ رسم اسم قبايل في الفرنسية سيتطوّر منKabiles إلى Kabyles في وقت لاحق.

[12] حاول عصمان باي فرض السيطرة على هؤلاء الجبليين فسيَّر إليهم حملة، و لكنها انهزمت شرّ هزيمة في الوادي الكبير. و كان العقاب الوحيد الذي استطاع البايات تسليطه عليهم هو القبض على العناصر التي تأتي منهم إلى قسنطينة أو إلى جهات السهول العليا للعمل و إبقائهم كرهائن بل وإعدامهم أحيانا انتقاما ممّا ارتكبه إخوانهم، عن حملة عصمان باي الملقّب بالاعور، أنظر :

Féraud, Ch. (1862), « Zebouchi et Osman Bey », in Revue Africaine, VI, p. 120-127.

[13] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 272-273

[14] Ibid. p. 273.

[15] الطالب في الأساس هو معلّم القرآن و هو الذي يتولّى في الغالب تحرير مختلف العقود و الاتفاقيات التي تقرّها الجماعة.

[16] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 273.

[17] Ibid. p. 273.

[18] لعلّ المقصود بالتساكن هنا هو الظرف الخاصّ الذي مرّ به السكّان خلال عمليات المقاومة لأنّ المعروف عن المسكن التقليدي لدى فقراء الريف القبائلي أنّه مسكن أرضي يتكوّن من قسمين بينهما حاجز هما :

- أقنس Agnes للطهي و النوم، و لعل هذه الكلمة مشتقّة من الكلمة اللاتينية Igneus التي تعني: مشتعل، ملتهب أي الموقد.

- ادّاينين (Eddaïnin) خاصّ بالحيوانات و هي الماعز في الغالب و الكلمة أمازيغية معناها: أسفل.

[19] بوموشّ بتشديد الشين و تفخيمها، كلمة بربرية تعني: صاحب القطّ، و قد احتفظت الذاكرة الشعبية لدى هؤلاء القبايل المستعربين بالاسم البربري لهذا الحيوان (آموشّ) كما هو في أمازيغية جبل أوراس و خصّوا به القطّ البرّي أي السنّور، أمّا اسم القطّ في لهجة زواوة فهو آمشيش الذي هو في الواقع تصغير للاسم الأول: موش (Moche).

[20] يقصد بالسهول العليا البلاد من " الصرا إلى السباخ " .

[21] يوجد مزار هذا الولي في أعلى قمّة الجبل المطلّ على قرية تسالة الحالية، إلى الشمال من فجّ امزالة .

[22] " بومعراف" هي خبزة صغيرة من الشعير.

[23] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 275.

[24] بربري من آقوربي و يعني الكوخ.

[25] ليس في أسطورة المرابط سيدي معروف شيء من الخوارق- و لعلّ الطابع الشفوي محا من الذاكرة كراماته- سوى أنّه قدم من بغداد،كما يروي السكّان أنّ أصواتا كأصوات المدافع تخرج من ضريحه تنبئ بوقوع حوادث غير عادية مثلما حدث عندما غزا عصمان باي المنطقة (1804).

[26] المقصود بالزردة هو تجمُّع احتفالي - كما هو عند باقي سكّان أفريقيا الشمالية- حول ضريح مرابط مبجَّل و بعد المداولة يتّخذ قرار بشأن قضية هامّة جدّا في حياة القبيلة و يشترك الجميع في تناول الطعام لتدعيم الروابط، و بعد ذلك يقسم الجميع بذكرى المرابط

و بـ "الطعام و الملح" بالوفاء في تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه، بشأن الدفاع عن شرف القبيلة و حقوقها، كما يمكن أن تقام زردة للصلح بين قبيلتين متخاصمتين... إلخ.

[27] الفرق الزواوية هي فرق مساعدة بلباس أهل زواوة.

[28] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 277.

[29] احتمالا، بارش هو تحريف لاسم امبارك، حُذفت الميم في الأول و قُلب الكاف شينا، و هذه الوثيقة المختصرة تتعلّق بقانون أقرّته جماعة أولاد بارش و هي فرقة من قبيلة بني عيشة، أنظر موقع إقليمها في الخريطة المرْفقة .

[30] المصباح هنا يعني البيت أو العائلة و تقابلها في الفرنسية كلمة (Foyer) .

[31] الوسيق عند القبايل هو كلّ ما يمكن نقله من إنتاج الأرض مثل الحبوب و الفواكه .

[32] عندما عدنا إلى النصّ الفرنسي و جدنا أنّ فيرو استعمل في مقابل كلمة ارتغمت : اغتصبت (Empiéter) و في مقابل كلمة دخمت: حُرقت (Incendier)، و المرجّح أنّ الكلمتين من اللغة البربرية لأنّنا لم نجد لهما معنى في اللغة العربية.

[33] في لغة اولاد بارش المعطية هي مصاريف الوليمة (الضيفة) التي تقام على شرف الجماعة عند مداولاتها .

[34] كتبنا النصّ كما هو في أصله دون تعديل أو تصحيح في القواعد النحوية و الصرفية للحفاظ على قيمته التاريخية، أنظر:

Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 275-278.

[35] لم يحتفظ السكّان بأيّ شيء عن أصل زواج الجدي سوى أنّه يعود إلى تاريخ قديم جدّا، و لعلّه يعود إلى معتقدات و ثنية منذ الفترة النوميدية، مع أنّنا لا نتوفّر على وسائل أو عناصر البحث في هذا الموضوع، و نلفت عناية الباحثين إلى ضرورة السير بالأعمال البحثية في هذا السياق، و كان قد عُثر على نصّ أثري في فدولس يسجّل اسم القبيلة البربرية الكبرى كتامة التي تفرّعت منها قبائل القبايل الشرقية (les tribus de la Kabylie orientale) و توجد آثار مهمّة في هضبة العروسة في إقليم بني فتح، كما توجد آثار رومانية في إقليم كلّ من قبيلتي بني خطّاب و بني حبيبي، و كذا قبيلة بني مسلم ...، و في إقليم قبيلة أولاد علي توجد آثار في المكان المسمّى مْدينة دي بوتو، و في إقليم بني توفوت توجد آثار هامّة في الموقع المسمّى العارطة دي الصدمة، و غير بعيد عن طريق القلّ – سكيكدة ذُكر وجود نصُب ميغاليثية و هذه المواقع كلّها ينبغي أن تكون محلّ بحوث أثرية.

[36] Marçais, G. (1939), « Le problème du droit coutumier berbère », in La France méditerranéenne et africaine, fasc 1, p. 7-18.

[37] Ibid, p. 280- 281.

لا ندري ما مدى صحة هذه المعلومات التقريرية التي يسوقها فيرو، و لعلّه لم يفهم حرص المجتمع على حماية المرأة التي فقدت زوجها و التكفّل بالأطفال اليتامى، إذ لا شيء يمكن أن يحمي الأرملة مثل الزواج و تبعا لذلك يعيش أبناؤها في كنفها، و قد فلتت من فيرو عبارة :" و إذا كان للأرملة أبناء فإنّهم ينشأون في منزل (...) الذي يدير الثروة التي تركها والدهم إلى أن يدركوا سنّ البلوغ " و هذا دليل على أنّ الهدف الذي رسمه المجتمع ليس التنافس البهيمي على الظفر بالزواج من الأرملة بقدر ما هو ضمان الحماية لها و لأبنائها .

[38] في القبائل الشرقية تقوم المرأة بأعمال شاقّة كثيرة مثل جلب الماء و الحطب و الحصاد و الجني و تساعد في قلب الأرض و لذلك ما إن تصل الثلاثين من عمرها حتّى تكون قد اهتلكت و أدركتها الشيخوخة، حسب فيرو و لكن لا ندري ما مدى صحّة ملاحظته هذه

[39] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 283.

[40] نرى أنّ هذه العادة حسنة للغاية و هي تعبير عن تضامن قوي و على أنّ السكّان كانوا يعيشون في وئام و محبّة متبادلة لا كما صوّرهم الكاتب في البداية بأنّهم مجموعات قبلية متنافرة متناحرة.

[41]Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 429-430.

[42] دا البيزان تركيب عربي بربري : دا، أداة التعريف البربرية، البيزان جمع باز بصيغة بربرية و هو الطير المعروف، و النصّ الغنائي هنا يشبّه أهل العروس بالبزاة إشارة إلى الرفعة و علوّ الهمّة .

[43] دي حرف جرّ للتملّك (لاتيني) .

[44] يلهّطوا، بربري: يعني يبحثون بلهفة عن شيء.

[45] أوثول، بربري : و هو الأرنب .

[46] البطّة في لغة القبائل هي الجرّة التي تُخزّن فيها الزيت .

[47] الفطّة، الفضّة النطق البربري لحرف الظاء حسب لهجة كتامة البربرية .

[48] السوكية : إحدى العشائر .

[49] اطربو أي أضربوا، قلبت الضاد طاء كما هو في لهجة كتامة البربرية.

[50] البولدون من البربري أبولدون وهو الرصاص.

[51] سينات مكان ما بين قبيلتي بني مشاط وبني توفوت.

[52] الحنّاشي من أولاد حنّاش، فرقة من أولاد عيدون المتمركزين على ضفاف الوادي الكبير.

[53] المحلّة: حملة عسكرية تركية لجمع الضرائب.

[54] مرجاجة اسم جبل و قبيلة (أنظر موقعها في الخريطة).

[55] Féraud, Ch. « Mœurs et coutumes Kabyles », p. 432-434.

من الظواهر الاستهلاكية الجديدة في المجتمعات المغاربية في الفترة الاستعمارية : "الشاي و التكروري" بالبلاد التونسية

مقدمة

إن الاهتمام بتاريخ المستهلكات الحديثة في المجتمعات المغاربية عامة (و في المجتمع التونسي تخصيصا) في الفترة الاستعمارية ليس أمرا جديدا، فقد اهتم بالظاهرة في أبانها أهل الاختصاص من اتنوغرافيين و إحصائيين و أطباء وصحيين فسلطوا عليها نظرتهم الخاصة و أدلوا باستنتاجاتهم في إطار المنظومة الاستعمارية ووجدوا أحيانا من يناقضهم الرأي و يخالفهم الاستنتاجات من بعض المثقفين والمختصين الوطنيين.

و الزاوية التي نطرح وفقها هذا الموضوع هي الزاوية التاريخية الانتروبولوجية فننطلق من مسلمة مفادها إن السلوك الاستهلاكي يتحدد وفق المحيط المادي والإنتاجي للبشر لكنه في الآن نفسه يمثل انعكاسا حقيقيا لحالات التطور الاجتماعي و الثقافي و الفكري لدى الشرائح الاجتماعية فثقافة الاستهلاك هي تعبير مصغر لثقافة المجتمع.

إن دراستنا لهذين الأنموذجين تهدف إلى البحث عن الدلالات الاجتماعية والثقافية للظواهر الاستهلاكية الجديدة فالمعروف أن البلدان المستعمرة والمتخلفة تقنيا عرفت خلال النصف الثاني من القرن 19 و النصف الأول من القرن 20 أنماطا استهلاكية "جديدة" و "سلبية" في إطار التقسيم العالمي للعمل والمبادلات الذي فرضته المنظومة الإمبريالية و احتكاراتها العالمية آنذاك.

و قد كانت البلاد التونسية زمن الاستعمار الفرنسي (1881-1956) وحتى قبيله من ضمن الأقطار التي "انفتحت" على ظواهر استهلاكية جديدة في مستوى الملبس (اللباس الإفرنجي) و المركوب (السيارة، الدراجة...) المأكل والترفيه [1] فمنذ مطلع القرن العشرين ظهرت مستهلكات "وافدة" و جديدة كالشاي والشكلاطة ومعلبات المصبرات الغذائية و المشروبات الغازية و بالموازاة مع ذلك اتسع انتشار مستهلكات [2] كانت موجودة قبل هذا التاريخ لكن انتشارها كان محدودا ومقصورا على بعض الفئات و الفضاءات من ذلك التكروري (نوع من المخدرات الخفيفة) والدخان و الخمر [3] و القهوة و لعب الورق وألعاب الحظ…

إن المتأمل في تاريخ تطور المستهلكات بالبلاد التونسية المعاصرة يمكنه الوقوف على مدى الإقبال الواسع و الشعبي منذ أول القرن و خاصة في فترة ما بين الحربين على هذه المواد الاستهلاكية الغذائية و " الروحية الترفيهية "و قد لفت انتباهنا الانتشار الواسع و الشعبي لمادة الشاي و كذلك و بدرجة أقل" التكروري" و هما الأنموذجان اللذان نخص بهما هذه الدراسة، فالأول (الشاي) كان من صنف المستهلكات المنتشرة جدا في صفوف الجنسين (ذكورا و إناثا) و عند أغلب الفئات كما لم يواجه جدل التحريم أو التحليل، أما الثاني (التكروري) فهو استهلاك ذكوري بحت وانجذب إلى استهلاكه الشبان و الكهول وكان تحت طائلة جدل التجريم و قد شكّل بدوره مثل الشاي ظاهرة استهلاكية أثارت جدلا و فضولا و انتشارا.

ويطرحٌ التساؤل حول مدى مشروعية الجمع بين هاتين المادتين (أي الشاي والتكروري) فحسب، ما مسوغ ذلك ؟؟ و لماذا لم تشمل الدراسة مواد استهلاكية أخرى كالسكر و الخمر و المصبرات و المعلبات و الشكلاطة و القهوة [4]، إن المبرر لهذا الاختيار هو ذلك التزامن بين المادتين في الانتشار خصوصا بين الحربين فقد شكّل الشاي كما التكروري ظاهرة استهلاكية و اجتماعية في أقطار المغرب و لقد اتسعت القاعدة العددية لمستهلكي المادتين مقارنة ببقية المواد الأخرى. و لا يمكن أن ننكر أن بعض المستهلكات و خاصة الروحية منها كانت موجودة قبل العهد الاستعماري بنسق محدود و محتشم و تزايد استهلاكها في الفترة الاستعمارية لكنها حظيت بالاهتمام و هو ما جعلنا ننتخب في هذا العمل نموذج الشاي والتكروري، فالمادتان متزامنتان في الظهور و الانتشار.

و المزمع في هذا البحث هو التساؤل عن جذور هذه المستهلكات و كيفية دخولها في ثقافة التونسي وما مدى تأثيرها في السكان وما هو تقديرها الكمي ثم كيف نقيمها نوعيا هل هي ظواهر انفتاح أم انحلال و تعصير أم تبعية هل ساهمت في تغيير الأذواق و تحديث الذهنيات وانفتاح الداخل على الخارج والريف على المدينة،هل هي مجرد مواد ترفيه أم وسائل تخدير ثم كيف تفاعلت معها الإدارة الاستعمارية وطابورها الإعلامي و الطبي وكيف كان رد فعل النخب الوطنية التونسية تجاهها ؟؟؟

I. استهلاك الشــاي بالبلاد التونسية : الدلالات الاجتماعية والثقافية

1. في جذور الشاي بالبلاد التونسية

الشاي هو مشروب وافد على البلاد التونسية في الفترة الحديثة وهو في تعريفه المبسط نبات موجود بالنطاقات المدارية و شبه المدارية منذ القدم و انتشر استهلاكه في العالم في العصر الماركنتيلي بفضل التجار الإنجليز أمّا تعريفه المدقق فهو شراب استعماري مثله مثل القهوة أو الشكلاطة [5] أما تعريفه العلمي فهو مشروب مستخرج من نبتة الشاي المعروفة باللاتينية بـ « Thea sinensis » فهو "شراب مستخرج من أشجار الشاي يحضّر بصب ماء ساخن على أوراق شاي مجففة… و هو من أكثر المشروبات المنعشة أهمية وقد كان يستهلك عند الصينيين القدامى منذ القرن الرابع ميلاديا و حتى قبل، ثم انتشر في اليابان منذ القرن السادس م، و قد دخل أوروبا لأول مرة سنة 1610 و قد جلبه التجار الهولنديون. و بداية من النصف الثاني من القرن 17م انتشر في إنجلترا و أصبح يباع في المقاهي و يستهلك في المنازل إلى درجة أنه اصبح مشروبا وطنيا وقد ساهم الإنجليز في نشر استهلاكه في باقي أصقاع العالم و الشاي نوعان أخضر واسود…" [6] و لمادة الشاي في الاستعمال التونسي عدة تسميات فهو "الشاي" في لغة الكتابة الرسمية سواء الإدارية أم الصحفية و هي التسمية الرسمية الرائجة في البلاد العربية آنذاك و خاصة في بلاد مصر و المشرق التي عرفت استهلاكه قبل تونس، أمّا في الاستعمال العامّي الرائج عند التونسيين فيسمّى "التّاي" وقد يكون ذلك تعريبا مباشرا لنطقه الإفرنجي عند مورديه و المتاجرين به في العالم وفي تونس سواء من الفرنسيين « thé » أم الإنجليز « tea »، كما ينطق عند العامة التونسية في بعض الجهات الداخلية بـ "التاهي" و أيضا "الشاهي" تأثرا بالاستعمال الرائج عند أهل طرابلس و عند المهاجرين الليبيين المنتشرين بأنحاء البلاد التونسية.

إن تعدد الاستعمالات و التسميات تدل على حداثة انتشار تلك المادة بالبلاد وهو ما يقودنا إلى التساؤل عن زمن دخول الشاي وجذوره كمادة استهلاكية بالبلاد ؟؟

لقد طرح هذا السؤال عندما عمّ انتشار استهلاك الشاي في البلاد التونسية في مطلع العشرينات و قد أجمعت الإجابات و اتفقت على أن نشر شربه عند عامة الفئات الشعبية كان بواسطة المهاجرين الليبيين أو أهل طرابلس كما كانوا يسمونهم في تونس وكان ذلك بداية من سنة 1911 أي إبان الغزو الإيطالي لليبيا ووفود فلول الهجرات الجماعية التي توزعت على مختلف جهات البلاد، يؤكد كل من عبد الرحمان قيقة و جون مانيان(MAGNIN- J) في بحث حول انعكاسات آفة الشاي بتونس من منظور شعبي " إن تاريخه حديث جدا : عندما جلبه المهاجرون الطرابلسيون بسبب الحرب الإيطالية التركية لسنة 1911-1912 وقد وجدوا هذه البلاد غريبة عن هذه العادة المتجذرة عندهم …" [7] وقد قامت السلط الإدارية "التونسية" أو الدوائر الصحية و من ورائهما الإدارة الاستعمارية الفرنسية بمحاولات استبيان و بحث عن جذور استهلاك الشاي بالبلاد فكان الإجماع في مختلف التقارير على دور المهاجرين الطرابلسيين في نشره و تعميم استعماله عند التونسيين فهذا محمد الصالح دبيش عامل أولاد عون يؤكد مثل

أغلب زملائه من قياد الجهات الداخلية على أن انتشار شرب الشاي " كان بعد عام 1911 اثر قدوم الكثير من أهالي طرابلس للايالة" [8] وقد أدلى الأطباء ورجال الصحة بدلاهم في الموضوع إذ اعتبر ادموند سرجان (SERGENT- E) "أن أهل طرابلس هم الذين عمموا استهلاك الشاي الأسود بتونس" [9] و نعت طريقة إعداده بالطرابلسية à la tripolitaine » .«

و تدعم الأغاني و الأمثال الشعبية هذا الرأي فالشاي حسب ما أورده قيقة ومانيان من خلال المتواتر الشعبي " خلى طرابلس و كمّل تونس" ونجد في إحدى الأهزوجات ما يلي :

" أصل التاي حشيشة مرة و الحكمة في ماه ** تقلدنا وسلّم في برّه وين تمشي تلقاه

أصل الشاي ما كــانش عـادة تقلدنا ** وسلّم في بلاده وين تمشي تلقاه" [10]

لا مراء إذا في أجنبية هذه المادة عن البلاد و الإجماع على أن الليبيين هم الذين نشروها بتونس بعد 1911 لا يريحنا من عناء الإجابة عن ملابسات ظهورها بتونس لأول مرة ؟؟

لا تجيبنا المصادر (المصنفات أو الرحالة أو الأرشيفات الإدارية و الجبائية التونسية) عن هذا السؤال بدقة فالواضح أن استهلاك الدخان و التكروري والقهوة راج في البلاد منذ القرن 17 و خاصة عند الفئات التركية الحاكمة أما الشاي كمشروب منعش و ترفيهي فقد وجد في أواسط العهد الحسيني أي مع مطلع القرن 19 لكن انتشاره كان محدودا و لم يصل ما وصلته القهوة من إشعاع وتأثير عند العامة أو الخاصة إذ أصبحت بمثابة الشراب الوطني " القهوة التركية أو الشاذلية نسبة للولي ابي الحسن الشاذلي " كان استهلاك الشاي في البلاط الحسيني أو عند بعض الخاصة نادرا و في غمار و إطار الهدايا و البضائع والزيارات الأوروبية و بالتالي لم يصبح إلى حدود تاريخ استعمار البلاد بل حتى مطلع القرن العشرين ظاهرة استهلاكية ذات اعتبار.

و لنا أن نضيف أن رعايا الجاليات الأوروبية بتونس منذ أواسط القرن التاسع عشر و خاصة الأنجليز كانوا يستهلكون هذه المادة لكن وفق الطريقة الإنجليزية المتمثلة في مزجه بالحليب و استعماله في شكل أكياس صغيرة و هذه الطريقة لا علاقة لها بتلك التي انتشرت في صفوف التونسيين بعد 1911 و القائمة على استهلاك الشاي الأسود ( و يسمى الأحمر أيضا) بعد طهيه بالماء و إضافة كمية من السكر و يكون ذلك في إناء يعرف ب"البراد" و يوزع في كِؤوس بلورية صغيرة تعرف عند التونسيين بالكؤوس " الطرابلسية".

إن إمكانية نشر هذه العادة من قبل الرعايا الأنجليز و خاصة المالطيين تبقى مستبعدة بل شبه مستحيلة و الواضح أن المهاجرين الليبيين هم الذين كانوا الأصل في جلب هذه المادة إلى تونس و ساهموا في نشر تقاليد استهلاكه فالظاهرة في علاقة متينة مع موجات الهجرة الليبية [11] للبلاد فقد شكل العنصر الطرابلسي الوافد إلى تونس إحدى مكونات المجتمع الهامة و كانت ابرز موجات هذه الهجرة ذات الجذور القديمة سنتي 1911-1912 اثر الاحتلال الإيطالي ثم في العشرينات (1922-1928) بعد تزايد فضاعات الاستعمار الإيطالي بقيادة غراسياني و أخيرا بعد جفاف 1947، لقد قدر عدد المهاجرين الليبيين إلى تونس سنة 1936 بأكثر من 25000 نسمة[12]، ثم تزايد بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد 1947 ليقارب 35000 نسمة. ان الجالية الطرابلسية في تونس في العشرينات و الثلاثينات كان لها تأثير حاسم في ترويج استهلاك الشاي وفق التقاليد الطرابلسية خصوصا أن المهاجرين الليبيين اختلطوا بالفئات الشعبية التونسية من مزارعين و عملة و منجميين … بمختلف أنحاء البلاد و خاصة في ربوعها الريفية و القروية و كان لليبيين ولع كبير باستهلاك الشاي إذ به يفتتحون يومهم و به ينهونه و يرونه منشطا ضروريا للعمل فكان" البراد والكانون و الكيسان[13]" من جملة أدوات العمل و لا نعرف الكثير عن جذور انتشار استهلاك الشاي بطرابلس الغرب هل يكون بفعل الأتراك (و هو الأرجح لأن الشاي كان معروفا عند الأتراك منذ القرن التاسع عشر ) أو الإنجليز الذين كان لهم نفوذ وعلاقات مع السنوسية في إقليم فزان و برقة –و ان كان أغلب المهاجرين إلى تونس من إقليمي طرابلس و فزّان -والثابت ان الليبيين كانت لهم تقاليد خاصة ومميزة في إحضار الشاي واستهلاكه و اصبح الشاي عندهم في مطلع القرن العشرين-وربما قبيل ذلك بقليل- مشروبا عاما وأساسيا للترفيه والتنشيط.[14]

و يمكن للمؤرخ أن يخمن في إمكانية مساهمة المجندين التونسيين العائدين من جبهات الحرب بعد 1918 في نشر استهلاك الشاي خصوصا أن عددهم كان مهمّا (حوالي 80 آلف) و أغلبهم من أوساط ريفية و عادوا محمّلين بعوائد جديدة كاستهلاك الدخان و التكروري و الخمر، غير أن هذه الإمكانية تبقى ضعيفة لأن أغلب هؤلاء الجنود كانوا في الجبهات الأوروبية و استهلاك الشاي بتلك الربوع كان محدودا و يختلف عن الطريقة التي انتشر بها في تونس. و يبقى دور الشركات الرأسمالية التجارية في تعميم رواج هذه المادة و توفيرها في السوق أساسيا فالتجار الأنجليز هم الذين ساهموا في توفير مادة الشاي و بالتالي نشرها في طرفي بلاد المغرب العربي أي ليبيا و المغرب الأقصى غير انه لا خلاف في أن تعميم الاستهلاك و نشره كان من الليبيين في العقد الثاني من القرن العشرين.

ترشدنا هذه النبذة عن تاريخ مشروب وافد من خارج البلاد أصبح تدريجيا وفي ظرف سنوات قليلة بمثابة الظاهرة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، فكيف انتشرت مادة الشاي عند التونسيين و ما هي العادات التي رافقت استهلاكه وكيف وصل الأمر في فترة ما بين الحربين إلى الإدمان حتى أن هناك من تحدث عن "آفة اجتماعية "جديدة اسمها الشاي ؟

2. انتشار استهلاك الشاي و ترسخه ضمن العادات إلى درجة الإدمان

ظهر الشاي كمادة استهلاكية بتونس –كما أسلفنا- في مطلع العشرية الثانية من القرن 20، كانت فترة العشرينات هي فترة تعميم انتشاره إذ ظهرت سنة1919 أول التشريعات التجارية و الجمركية كما بدأت تظهر ولو بشيء من الاحتشام الأصوات المتصدية للظاهرة و خطورتها فاصدع الشاعر الشعبي عبد الرحمان الكافي بملزومته الشهيرة حول أخطار الشاي و مضاره سنة 1926 وبعده بسنة (1927) كتب البشير الدنقزلي –وهو أول طبيب عصري تونسي - مقالا حول الشاي و نعته بالآفة الاجتماعية الجديدة [15] وفي نفس السنة أثيرت المسألة في المجلس الكبير، فالواضح ان ظاهرة انتشار الاستهلاك و تعميمه لم تأخذ أكثر من 15 أو 20 سنة. و كانت في ما بعد فترة الثلاثينات فترة تجذر الظاهرة وانغراسها و هو ما جعل السلطات الفرنسية تدعي في ربيع 1933 - وبعد ضغط الحركة الوطنية – إنها بصدد القيام بحملة للقضاء على ما أسمته بــ "أفيون الشاي" [16] و ظهرت في نفس السياق بعض البحوث الطبية و العلمية [17] التي خاضت في الموضوع و بينت مخاطر الشاي خاصة الصحية منها. أما في الأربعينات فقد أصبحت الظاهرة عادية و نهائية و زال ذاك الحماس و التشنج اللذان رافقاها في البداية و اقبل على دراستها المختصون ببرودة دم لأنها أصبحت عادة تـونسية من صميم واقع المجتمع و تقاليده الاستهلاكية و انغرست بلا رجعة و لم يعد هناك أي أمل في زوالها فكتب سرجان و قيقة ومانيان وبوكي و قوبار [18] حول هذا الموضوع.

تلك زمنية انتشار الشاي بتونس، ففي فترة ما بين الحربين أصبح بمثابة العدوى "في بلادنا تنشر مثل الكوليرا في سنين الشر" [19] فشبهه الكافي بالوباء في سنة المسغبة و اعتبره محنة "محنة البراد و الكيسان" و اعتبره آخرون " آفة" وبالمقابل ساد الاقتناع لدى مستهلكيه انه منشط و بدونه يصاب المرء بالمرض والخمول "إذا فارقتوا نمرض و نذبال " فهو بالنسبة لهم يوفر مزايا عديدة أولها انه وسيلة تنشيط و تحفيز على العمل فالمدمنون حسب محمود سليم عامل سليمان بالوطن القبلي "يعتقدون خياليا انه منشط للعمل …وصار المتعاطون في خدمة الفلاحة يشترطونه كاشتراط المؤونة اليومية في عقد الخدمة" [20] و يجب الإقرار انه عبر مختلف أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا صٌنف الشاي على أساس انه مادة محثّة و منشطة منعشة (boissons stimulantes). و يعتبر مستهلكو الشاي انه يتوفر على فوائد غذائية فيذكر محمد الحبيب الجلولي عامل نابل إن "سكان البوادي.. صاروا يعتبرونه كمادة غذائية بل يفضلون شربه على تناول الطعام" [21] و أحيانا يعطونه للأطفال في شكل لمجة تتكون من خبز مغموس في الشاي.

أما فائدته الثالثة حسب المدمنين عليه فهو انه وسيلة ترفيه و تسلية فهو"يعمّر الرأس" و يدخل على متعاطيه نوعا من الأريحية خصوصا انه يرفق دائما بحلقة الأحاديث و الحكايا و تبادل الأخبار كما يكون مرفوقا بلعب الورق أو الحجر أو"الخربقة" [22] و التدخين و يذكر بول صباغ ان الشاي في حي السيدة المنوبية – وهو من الضواحي الشعبية بالعاصمة و التي آوت مجموعات النازحين و المفقرين- كان في الخمسينات أحد وسائل الترفيه الأساسية[23].

تلك"خصال الشاي ومزاياه" حسب متعاطيه ومدمنيه- وهو ما تقر به كل الدراسات المختصة إذ صنف كمشروب منعش و روحي في أكبر الموسوعات الطبية و العلمية- وكان المستهلكون يرفقون استهلاكه بنوع من العادات و التقاليد التي كادت أن تتحول إلى طقوس خصوصا عند استهلاكه في الدكاكين أو "الحوانيت" المتناثرة في القرى و المداشر وقد عثر عبد الرحمان قيقة على إحدى الحكايا الشعبية وهى عبارة عن مسرحية نقدية بعنوان " الحشيشة الملعونة" تنقد آفة الإدمان على الشاي بعد ان تجيد تصوير العادات التي ترافق جلسات شربه [24] فجلسات الشاي تنطلق من الصباح الباكر في الدكاكين "يا فتاح يا رزاق من صباحه عوق الدخان ..و تحط عليه البراد المشوم …ويثني ركبته على التاي من صباحه لمساه من عرق اللي ماخذها ..."[25] .

يرتاد هذه الجلسات البطالة و المزارعون الكسلاء الذين أصبحوا عالة على زوجاتهم و يساهم كل راغب في الشرب بال"فرضية" أي نصيبه من الشاي والسكر و يبلغ مقدار الفرضية في الأربعينات "12 صوردي"(الصوردي وحدة مصغرة للفرنك و 100 صوردي تساوي فرنك) وهناك من يساهم فقط بنصف فرضية أو حتى ربع فلا ينال إلا النصف أو الربع من الكمية المخصصة للفرضية الواحدة و تتواصل جلسات الشاي طوال اليوم و يسمّيه المدمنون بالسلطان فهو الذي يحكمهم و يكيف جلستهم …وقد تحدث قوبار عن الموضوع وخاصة عن كيفية انتشار تقنيات الشرب و مستلزماته فكل عائلة "كانت لها أدوات أساسية تتمثل في برادين (عادة من طين أو من نحاس) و سخان وكانون وقلاية و كيسان صغرى.. أما الطريقة فتتمثل في تغلية الماء في السخان ثم وضع الحشيشة في البراد مع إضافة الماء الساخن والسكر.. و عادة يستعمل وقية من الشاي أي 30 غرام ونصف رطل من السكر لشرب ثمانية أشخاص" [26] و التفاصيل المرافقة لطقوس شربه كثيرة لكنها متشابهة في اغلب جهات البلاد.و غالبية الشاي المستهلك هو من النوع الأحمر – تسميته العلمية أسود- وهو أكثر ضررا من الشاي الأخضر.

إن السؤال الذي نخلص إلى طرحه بعدما تقدم يتعلق بأسباب هذه السرعة التي ساعدت على انتشار الشاي و تجذره مادة استهلاكية في المجتمع التونسي هل لأن وسائل الترفيه و التسلية كانت محدودة أم لأنه في متناول المقدرة الشرائية لأغلب الشرائح وخاصة الريفية المفقرة منها ؟؟

ما من شك في أن الشاي ظاهرة استهلاكية جديدة ووافدة على المجتمع في إطار موجة المستهلكات الاستعمارية التي أصبحت متوفرة في السواق التونسية بحكم توفر وتطور مسالك التوزيع التجارية التي يسيطر عليها كبار الموردين الأوروبيين والتجار اليهود.

لقد تزامن استهلاك الشاي مع انتشار مستهلكات أخرى كالتكروري و التبغ ولعب الورق و كان الجامع بينها هو اعتبارها وسائل ترفيه و يمكن اعتبار فترة ما بين الحربين فترة انتشار و تزامن هذه "المرفهات الاستعمارية" التي جاءت لتنافس بل لتسيطر على وسائل ترفيه عتيقة ارتبطت بالمشهد الثقافي و الاجتماعي التقليدي لما قبل الحقبة الاستعمارية و نقصد بذلك ألعاب "الكراش" و"البوسعدية" و "الكاراكوز أو القارقوز".

إن تجذر الشاي كمستهلك غذائي و كمرفه تنشيطي يتنزل في إطار التحولات التي عرفها المجتمع التونسي [27] فالذهنيات العامة أصبحت متقبلة للجديد و لكل ما هو عصري لقد كانت الأطر القديمة بصدد الأفول أو على الأقل التراجع فكان من الطبيعي أن يتراجع و يتغير معها نمط الاستهلاك و الترفيه و الثقافة لقد كان المجتمع التونسي بين الحربين يتغير بسرعة لذلك تغيرت معه العادات الاستهلاكية و ربما بنسق أسرع و مادة الشاي ليست إلا نموذجا معبرا عن كل ذلك.

3. استهلاك الشاي بتونس في الفترة الاستعمارية: الخصائص النوعية والكمية و التجارية

تجمع أغلب المصادر و الدراسات التي اهتمت بانتشار استهلاك الشاي بالبلاد التونسية خصوصا في فترة ما بين الحربين على عمومية انتشاره و على استهلاكه من قبل أغلب الطبقات الاجتماعية و من جل الفئات العمرية فالشاعر عبد الرحمان الكافي يبين في ملزومته أن الاستهلاك عم "الرجال و النسوان والعجائز و الصبيان، الفلاح و الخمّاس، العروش والدشر، البدو و الحضر، الأبيض والأسمر.. بل جل الأمة" [28] إن هذا التعميم- الذي قد يكون مبالغا فيه أو فرضته الضرورة الشعرية –يصور خصائص استهلاك الشاي بالبلاد و لو أردنا التدقيق الجهوي و الجنسي و الفئوي و الطبقي يمكننا أن نصل إلى الاستنتاجات الآتية :

-هناك تقارير صادرة عن المراقبين المدنيين و العمال تؤكد على عمومية انتشار الشاي أغلب الفئات العمرية و الاجتماعية على غرار قائد سليمان الذي يؤكد على انتشاره عند "الرجال و النساء و الأطفال" أو قائد الجريد الذي يؤكد بصفة عامة على "انتشار الشاي بين أهالي العمل".

-هناك تقارير أكثر دقة يؤكد البعض منها على انتشار الاستهلاك عند الريفيين وهى حالة تقرير قائد نابل الذي يؤكد على أن الشاي انتشر عند الجميع "خصوصا سكان البوادي"، ويؤكد قسم آخر على انتشاره الهام في صفوف طبقة العملة عموما و عند عمال الزراعة بالتخصيص "عم كافة الطبقات رجالا ونساء و أطفالا خصوصا طبقة العملة… و المتعاطون لخدمة الفلاحة" [29].

-إجماع في أغلب التقارير على انتشاره في القيادات ذات الغالبية الريفية والفلاحية وهو ما يؤكد عليه عمال قفصة و سبيطلة و أولاد عون و الأعراض وسليمان و نابل والجريد..و يدعم هذه التقارير ما أصدعت به إحدى اللجان الدراسية الحكومية سنة 1932 التي توصلت إلى أن " الشاي منتشر إلى حد الإدمان عند الأهالي المسلمين و خصوصا الريفيين منهم" [30].

ولو أردنا أن نحوصل ابرز الآراء و نرفقها بتصوراتنا للواقع البشري والجغرافي الاجتماعي للاستهلاك فإننا نقر بان انتشار الشاي في تونس ظهر عند الطرابلسيين أو الليبيين الوافدين قبل و أكثر مما هو عند التونسيين و انه انتشر في جنوب البلاد قبل و أكثر من شمالها، و في الدواخل قبل و اكثر من سواحل البلاد و عند الفئات غير المتعلمة و العامية قبل و أكثر من الفئات المتعلمة، و عند الرجال قبل وأكثر من النساء و عند الشيوخ و الكهول قبل و أكثر من الشبان والأطفال و عند الفقراء و البطالة و المهمشين قبل وأكثر من الأثرياء و المرفهين وعند الريفيين قبل و أكثر من أهل المدن.

و نتساءل بعد هذا عن تقديرات الكميات المستهلكة فرديا و عائليا و جماعيا ؟

لا نجد في المصادر المستعملة إجابات مقنعة إذ تكتفي التقارير بإشارات عامة على غرار "منتشر بكثرة" أو "استهلاكه وفير"وأحيانا تقدم بعض الأرقام الجزئية و غير الدقيقة فقد بلغ الاستهلاك في المحيط البلدي لسليمان طيلة سداسية من سنة 1933 ما قيمته 100 ألف فرنك و هو ما اعتبره العامل "كمية مهولة"بالنسبة لتجمع سكاني لا يتعدى 3940 ساكن [31] (أي معدل استهلاك ب30 فرنك للساكن طيلة 6 أشهر)، و الواقع ان مثل هذه المعلومة يصعب استغلالها و تأويلها لعدم دقتها.

أما الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الدوائر الاقتصادية أو الجمركية أو المصلحة العامة للإحصاء فهي تفتقد أيضا للدقة و حتى للمصداقية ذلك أن تتجير الشاي بالبلاد التونسية لم يأخذ فقط المسلك الرسمي القانوني بل كان من ابرز المواد المنشطة للسوق السوداء و كانت كميات الشاي المتأتية عبر التهريب و "الكنترا Kuntra" على غاية من الأهمية مما يجعل كل الأرقام الرسمية منقوصة.

رغم كل هذا فالأرقام – وحتى الرسمية منها- تظهر بوضوح ذلك التزايد الكبير لاستهلاك الشاي الأسود – و غالبا ما يسمى أحمر عند السكان-فسنة 1917 بلغت الكميات المستهلكة 100 طن و قفزت سنة 1926 إلى 1100 طن أي أن الاستهلاك تضاعف 11مرة في اقل من عشر سنوات وبلغ سنة 1937 ما قدره 1900 طن أي انه تضاعف 19 مرة في ظرف عشرين سنة و هو دليل على تزايد الاستهلاك و انتشاره عبر الأفراد و الفئات خصوصا إذا ما عرفنا أن الشاي من المواد غير الوازنة إذ يكفي طهي 5 غرامات في كمية 80 صم مكعب لشرب مجموعة متكونة من أربع أشخاص ثلاث مرات أو أكثر [32]، و أكدت بعض البحوث[33] أن الفرد يستهلك ما معدله 2,1 كغ في السنة فيتراءى لنا أهمية الكميات المستهلكة في بلد لم يتجاوز سكانه المليونين والربع قبل الحرب الثانية.

و قد كان استهلاك الشاي في تونس أكثر من الجزائر التي تفوقها سكانا ومساحة ففي سنة 1937 بلغ الاستهلاك بتونس 1895 طن أمّا في الجزائر 1494 فقط و بالنسبة للمغرب فهي تتفوق على تونس 8320 طن و كان استهلاك الشاي فيها منتشرا بكثرة مثل ليبيا [34] غير انه يقتصر على الشاي الأخضر و هو أقل ضرر حسب المختصين.

كانت عملية الاستهلاك الهامة في ترابط وثيق مع أهمية تتجير الشاي و كذلك السكر فهذه المتوجات المدارية كانت بيد الشركات الاستعمارية الاحتكارية التي جنت من ورائها أرباحا طائلة كانت كل كميات الشاي الموجودة في السواق مستوردة من الخارج عبر الخواص و يسيطر على تتجير المادة تجار سوق الغرانة من اليهود و الجرابة غير أن الدولة قامت بداية من سنة 1945 بإلحاق الشاي بجملة المحتكرات MONOPOLES الخاصة بالدولة مثل التكروري و الملح وعلب الوقود و البارود و لعب الورق و تواصل هذا الاحتكار إلى حدود سنة 1954 وهي السنة التي تخلت فيها الدولة عن احتكار توريد الشاي بعد ضغط متزايد من تجار الجملة و لكن أيضا بفعل ارتفاع أثمان الشاي في السوق العالمية.

لقد ارتبطت إستراتيجيات السلط الاستعمارية في تتجير الشاي بعاملين أساسيين يتمثل الأول في الارتفاع المتزايد في الطلب و بالتالي تنامي أطماع كبار الشركات و التجار في كسب أرباح وفيرة أما الثاني فيتمثل في انتشار بيع الشاي في السوق السوداء و عن طريق قنوات التهريب (كنترباند) [35] البرية (الحدود الجزائرية) و البحرية خصوصا من ليبيا و مالطا،لقد أدت هذه المعطيات إلى اتباع السلط الفرنسية و الاقتصادية و الجمركية بالذات إستراتيجيات مختلفة في عملية تتجير الشاي الذي وان لم يصبح اختصاصا حكوميا إلا في 1945 فقد كان يخضع لوضعية خاصة جدا تتمثل في خضوعه لضريبة استهلاك باهضة ففي سنة 1919 سنّت السلطات أول التشريعات [36] التجارية الخاصة بالشاي استنادا لمجلة العقود و الالتزامات و قد نص قانون 20–12-1919 على إخضاع الشاي إلى ضريبة استهلاك تتمثل في طوابع جبائية vignette ملصقة على كل العلب و الصناديق وذلك بحجة محاربة التهريب، ووفق قانون 30 مارس من سنة 1927 [37] وباقتراح من المجلس الكبير تم إخضاع الشاي إلى ضريبة استهلاك إضافية مقدارها 2000فرنك على القنطار أي 20 فرنك بحساب الكغ وكانت التعلة في ذلك محاربة الآفة و لنفس التعلة استندت الزيادة الجديدة في 11 جويلية 1932 ثم ومن جديد في 1-5-1934 ثم في 2-7-1947 وكانت هذه الزيادات في كل مرة تثير احتجاجات التجار الذين يؤكدون في عرائضهم المتشابهة على تضرر السكان من هذه الزيادات وقد وصلت الزيادة الأخيرة إلى 45 في المائة من قيمة سعر الشاي الأسود و 30 في المائة بالنسبة للأخضر [38].

و يسيطر على مسالك التوزيع بالجملة و نصف الجملة تجار سوق الغرانة من اليهود فتبيننا في العرائض بعض أسماء التجار الموردين من أمثال جوزاف لمبروزو و جوزاف دي باز و جاكوب دي موسى و كسكاز و كرياف و مردخاي وحداد.. أمّا التجار التونسيين فاغلبهم جرابة من سوق الغرانة أمثال عياد روبانة و الحاج حمدة و على و محمد بسرور و الحاج يونس بن يوسف ومحمد بن عاشور ... علاوة على التجار الصفاقسيين [39].

كانت تجارة الشاي و النزر الوفير من عائدات أرباحها بيد كبار الشركات الأوروبية أو المهربين و انتعش منها الوسطاء القرانة أو بعض تجار البلاد التقليديين كالجرابة و الصفاقسية وكانت الزيادات المتكررة في الأسعار تستند إلى حجة تقليص انتشار و هو موضوع آخر أثار النقاش و الجدل.

4. الشاي في تونس محاولات التشهير و المقاومة

ساد نوع من الإجماع بداية من النصف الثاني للعشرينات وخاصة سنة 1927 على أن الشاي أصبح آفة اجتماعية مضرة بالبدن و العقل و الجيب على أن درجة الالتزام بمقاومة الآفة كانت مختلفة إذ لا مجال للمقارنة بين النخب الإصلاحية الوطنية التي كانت متحفزة لمقاومة الانتشار و الإدمان وبين سلط الحماية الرسمية التي كانت تتحرك وفق ضغط الانتقادات الصحفية و النخبية والتقارير الصحية لكنها تخشى من ناحية أخرى إغضاب كبار التجار و الموردين الذين غنموا من تجارة الشاي أرباحا طائلة كما أن سلط الحماية لم يكن بمقدورها حرمان التجارة الاستعمارية الفرنسية مع الهند الصينية من سوق مربحة كالتي في البلاد التونسية بين هذين الموقفين ظهر الموقف الطبي الذي كان ينظر للموضوع في غالب الأحيان من وجهة نظر أكاديمية بل أن البعض درسوا آفة الشاي ضمن تجارب و بحوث للترقيات المهنية.

وعلى أية حال فان صيحات الفزع أطلقت منذ البداية من الأطراف الوطنية والإصلاحية شعبية كانت أو نخبية إذ نبهت إلى أخطار الشاي ومضاره فالشاعر عبد الرحمان الكافي -و هو مثقف وشاعر مثّل أداة ترابط بين ما هو نخبي وشعبي في العشرينات [40]- لم يترك معيوبة إلا و نسبها إلى الشاي في ملزومة [41] التي كتبها سنة 1926 و قد كان يروجها في المجالس و الأسواق وعلى أعمدة الصحف بل و تم توزيعها على طلبة الجامع الزيتوني و ألصقت على الجدران وحسب هذا الشاعر فالشاي فهو من الناحية الصحية "مهلك ومضر، يحد من الذكاء والفطنة يطيل السهر و ينقص من النظر و يسبب قلة الشجاعة و البرود الجنسي و قد شبهه بالسل و بالسم فيه علل وأسقام" أما من الناحية المادية فهو أيضا حسب الكافي " يفرغ الأجياب، و يجعلها خاوية ويِؤدي إلى الفقر و بيع المنازل و تبديد الأموال..).

وقد كانت تقارير القياد -ممثلي السلطة التونسية -تركز كثيرا على الأخطار المالية إذ اعتبرت شرب الشاي عبئا على كاهل الفلاح و هو ما دعمته الدراسات المختصة فيؤكد اتيان برينبي أن الشاي يمثل ثالث أكبر الأبواب سنة 1939 في الميزانية العائلية التونسية [42] و كان البعض يبجله على القوت إذ أن "بعض النسوة يبعن حتى أدباشهن لشراء الشاي " [43].

وقد ركز الأطباء على دراسة الأخطار الصحية و الجسمانية و قد كان الطبيب التونسي البشير الدنقزلي أول من أثار القضية سنة 1927 إذ عدّد المضار الجسدية و العقلية لهذه الآفة الجديدة وقد برزت بحوث طبية عديدة أغلبها في فضاء معهد باستور و أكدت على مخاطر الشاي إذ انه يتسبب حسب الأطباء في اضطرابات عصبية و في تصلّب الشرايين و ترهّلها و كذلك يسبب صعوبة الهضم و قلة الخصوبة و قلة النوم و نقص النظر [44] بل أن الشاي الأسود الذي يبالغ التونسيون في شربه يتسبب في أمراض الكبد و القرحة خصوصا انهم يشربونه منذ الصباح الباكر عندما تكون البطون خاوية. وقد وصل الأمر ببعض المدرسين إلى الإشارة إلى نوم بعض التلاميذ داخل الفصل من كثرة شرب الشاي أثناء الليل [45].

و كانت سلط الحماية أمام ضغط النابهين التونسيين و إشارات رجال الصحة تقوم ببعض الإجراءات التحسيسية التي لا تصل حتى الردع أو المنع فسنة 1927 وأثير الموضوع في المجلس الكبير و قامت سلط الحماية ببرمجة موضوع الشاي وطرق مقاومته في مؤتمر شمال إفريقيا الاستعماري لسنة 1927 و أثير الموضوع من جديد سنة 1933 بعد الحملة الصحفية الوطنية التي تزعمها محمود الماطري وقد اقترح البعض إقامة خطب بالمساجد و محاضرات للتشهير بالآفة و قد اقترح قايد أولاد عون استقدام أطباء لا لقاء محاضرات تحسيسية باللسان الدارج لتوعية السكان.

لقد كانت المحاولات التي قامت بها الإقامة العامة مجرد عمليات تسكينية لامتصاص غضب الغاضبين و المحتجين بل ان الحلول المتبعة كانت في صالح كبار المضاربين و التجار الأوروبيين أكثر منها للوقاية من الآفة و في المقابل حاولت بعض النخب التونسية مقاومة هذا الخطر بكل الوسائل لكنها لم تنجح لقد حاول البعض القول بتحريمه شرعا " التاي شربوا صار حرام" [46] غير إننا لم نعثر على فتاوى أو مساجلات دينية حول تحريمه و لم يستطع المنادون بمقاومته إلى وضعه تحت طائلة التحريم بل حتى الجدل الذي حف باستهلاك الشكلاطة أو الخل أو الدخان لم يشمل الشاي لذلك كانت "معركة" مقاومة الشاي خاسرة، لقد تغيرت الأذواق و تمكن هذا المشروب الاستعماري من نحت مكانته في المنظومة الاستهلاكية كشرب منعش و مغذ و كان ذلك مع تحولات المجتمع أو مظهر من تلك التحولات .

لقد أجمعت كل البحوث الطبية و التقارير العلمية على تشبيه الإدمان على الشاي بالإدمان على المخدرات و الحشيش وكانت المطالبة بمنعه تتكرر غير أن سلط الحماية لم تكن قادرة على ذلك بل كيف تمنع الشاي المشبه بالحشيش والمخدرات و هي التي كانت تزرع و تبيح بيع تلك المخدرات بالبلاد.

II. استهلاك "التكروري" بالبلاد التونسية زمن الاستعمار

طرح موضوع استهلاك المنبهات و المخدرات الخفيفة " الكيف و المكيفات" في إطار دراسة التحولات الثقافية و أنماط الاستهلاك بتونس في العصر الحديث، فهناك من ربط بين تكاثر الإقبال على القهوة و الدخان و المسكرات و الكيف وبين التحولات الاجتماعية و الثقافية الجديدة المتمثلة بالخصوص في الانفتاح على الوافد من المشرق و أوروبا سواء كان فكرة أو سلعة [47] و هناك من عرّج على الموضوع في إطار معرفة تاريخ ظهور الدخان و من قبله المسكرات الخمرية ومحاولة ربطها بالمحيط الثقافي و التبادلي للبلاد [48] أما في البلاد المشرقية فقد تم تناول موضوع الكيف و المخدرات بكثير من التفصيل و التعمق نظرا لأهمية الظاهرة تاريخيا و راهنية انتشارها خصوصا ببلاد مصر [49] و قد اهتم القلم التاريخي بموضوع المخدرات عامة [50]و ذلك بعد أن أصبحت من آفات النصف الثاني من القرن العشرين فتمّ تناولها من وجهة نظر تاريخية و انتروبولوجية في محاولة للكشف عن جذورها و تقاليد استهلاكه قديما و حديثا.

و تشكل هذه القراءة لتاريخ استهلاك المخدرات الخفيفة بتونس محاولة للإلمام لافقط بتطورات نمط الاستهلاك بل أيضا لفهم الثقافة الشعبية فبين الإدمان على التكروري و الهامشية الاجتماعية و بين الحديث عن ظاهرة مرضية أخرى عرضية عرفها المجتمع التونسي لبرهة بفعل المستعمر بون شاسع ،و هو ما نسعى إلى الاقتراب من توضيحه.

1. حول تاريخ دخول حشيش "التكروري" للبلاد التونسية و جذور انتشاره

التكروري في تعريف مبسط و أوّلي هو حشيش مخدر من الصنف الخفيف ويسمى في البلاد التونسية الحديثة التكروري و الدخان الأخضر كذلك الكيف وهو الاستعمال الرائج في الجارة الجزائر [51] و هي نفس التسميات المستعملة باللغة الفرنسية في التشريعات أو الكتابات الاستعلامية و الادارية و تضاف إليها تسمية القنّب الهندي Le chanvre Indien و قد أخذ تسميات ثلاث (تكروري، كيف،حشيش) في أمر 3-10-1884 المنظم لعملية بيعه و زراعته ومستهلكه ينعت في الاستعمال العامي التونسي "بالتكارري و التكارلي و الحشايشي". و يقودنا هذا التعريف الموجز إلى تعريف أكثر دقة و علمية ، فتصنف هذه المادة طبيا كمخدر مدخّن بواسطة الفم و الانف [52] و هي مستخرجة من أزهار القنّب الهندي و هي نبتة مزهرة سنوية الإثمار معدل طولها مترين لها استعمال أول باتجاه استخراج المخدرات و ثان باتجاه استخراج ألياف نسيجية شبيهة بالكتان و اسمها اللاتيني العلمي [53] هو Sativa Indica و يصنف هذا الحشيش من ضمن المخدر "الهلاسي" أو " المهلّسي الباعث على الهذيان" فهو من عائلة المخدرات غير الحاثة (les Hallucinogènes) [54] التي تدخل على متعاطيها نوعا من الغفوة وتبحره في عالم استيهامي خيالي مدة استهلاكه و يستغرق مدمنه في نوم عميق يستفيق منه بانتهاء مفعول المخدر.

و عن جذور تواجده بالبلاد التونسية ترشدنا المصادر إلى ظهوره منذ مطلع القرن السابع عشر على الأقل [55] و قد تم استهلاكه مثل القهوة و الدخان في إطار عمومي و تصوفي أيضا بل ربما ساهم المتصوفة في مزيد انتشاره و ربما أدّى توسع الانتشار إلى ظهور الجدل حول التحريم و التحليل في مطلع القرن الثامن عشر [56]و الثابت انه في مطلع القرن التاسع عشر كان مخدر التكروري محل تجارة مربحة و موسعة لبعض أعيان التجار و المخزن و هو ما أدّى بعثمان باي سنة 1814 إلى حرق و إتلاف كميات كبيرة في عملية هي أشبه بالمسرحية إذ تم اتهام هذا الباي باستهلاك حشيش التكروري "بلغه أن أناسا اتهموه باستعمال الدخان الأخضر وهو المعروف في بلادنا بالتكروري ، فأمر بإحراق جميع ما في الحاضرة منه بشاطئ البحيرة.. وضاعت به أموال على أربابها " [57] فالواضح ان الاستهلاك والمتاجرة في هذا الصنف كانت رائجة في صفوف جميع الشرائح بما فيها الفئة التركية الحاكمة كما ان هذا الحشيش كان يزرع بالبلاد و كان ضمن المكروهات أكثر منه ضمن المحرمات فيذكرا لوزير يوسف صاحب الطابع الذي لام الباي على صنيعه ان " حرق التكروري ليس كإبطال الخمر الذي فعله والدك في آخر أمره لأنها أم الخبائث باتفاق المسلمين… و كان الأولى أن تنهى الناس عن زرع هذه الحشيشة بأرض المملكة من زرعها بعد النهي فقد تعدّى فاحرق بضاعته حينئذ…. و ابعث من تثق به إلى الحاضرة تجد مخازن مملوءة منه" [58] لم تكن مسرحية حرق كميات التكروري من قبل عثمان باي سنة 1814 قادرة عن إنهاء عادة استهلاكية منتشرة و تجارة مربحة و زراعة معلومة و قد تواصلت الظاهرة خصوصا بعد استعمار الجزائر من قبل فرنسا فكانت مادة الكيف إحدى أبرز المواد المهربة من الحدود الغربية الجزائرية [59] طيلة القرن التاسع عشر. و نتساءل عن مجريات تجارة و استهلاك و زراعة التكروري في البلاد التونسية في ظل الواقع الجديد أي زمن الهيمنة الرأسمالية الاستعمارية الفرنسية و كذلك زمن تغير و تحول المجتمع التونسي في ثقافاته و ذهنياته.

2. انتشار الاستهلاك زمن الحماية الفرنسية

يعود استهلاك التكروري في تزايد بالبلاد التونسية للقرن السابع عشر و يمكن القول انه خلال القرن التاسع عشر اصبح هذا المخدّر يشكل ظاهرة ملفتة للانتباه أدت إلى بروز تشريعات تمنع بيعه (1814) و ثانية تقاوم تهريبه خاصة من الجزائر بين 1830 و 1881 و ثالثة تمنع زراعته (أمر 31-1-1875).

كان حدث استعمار الجزائر عاملا مباشرا في تزايد استهلاك مخدر التكروري خصوصا ان المعمرين الفرنسيين أقبلوا على زراعته و تذكر تقارير القياد ان الرعايا الجزائريين خصوصا من وادي صوف هم الذين ساهموا في مزيد نشره بالبلاد التونسية و تدعمت الظاهرة بعد انتصاب الحماية الفرنسية بالبلاد و تراجع أهمية الحاجز الحدودي الغربي فانتشر استهلاك التكروري في أواخر القرن التاسع عشر و في بدايات القرن العشرين و خاصة في فترة ما بين الحربين أين أصبح ظاهرة محيّرة و مثيرة للجدل.

ان انتشار زراعة القنّب الهندي الذي يستخرج منه حشيش التكروري كانت في علاقة مع تطور التجارة الماركنتيلية الكبرى و تزايدت هذه الظاهرة باقتراب البلاد التونسية من دائرة العلاقات التجارية الرأسمالية و ليس من باب الصدفة أن يظهر أول تشريع لمنع زراعة القنّب عشية الحماية (1875) في فترة بدأت فيها حركة الاستعمار الفلاحي الخاص في الشمال تتوسع كما تزايدت المبادلات مع الجزائر خصوصا بعد إنشاء الخط الحديدي تونس عنابة قالمة.

لقد أشارت أغلب تقارير القياد في الثلاثينات إلى " ان استهلاك ..مادة التكروري ليست حديثة بل من قديم..و كان أكثر شيوعا قبل انتشار استهلاك الشاي" و هناك من يدقق على غرار قايد سليمان "هذا الدور يرجع إلى عشرين حولا قبل الاحتلال حيث كانت الحالات قليلة جدا " لكنها تكاثرت بعد استعمار البلاد و خضوعها لواقع جديد.

لقد جاء أول تشريع يخص حشيش التكروري زمن الحماية في 3-10-1884وهو تشريع [60]يقاوم تجارة تهريبه التي تكاثرت عبر الحدود الغربية كدلالة على تزايد الاستهلاك في صفوف التونسيين ثم تتالت التشريعات التي تهم الجوانب الجبائية و التنظيمية لبيع زراعة التكروري و عرفت أوجها في فترة الحربين لهذا يمكن القول بشيء من الاختزال ان الانتشار الواسع لاستهلاك التكروري كان بعد احتلال البلاد التونسية سنة 1881 حيث لم يكن يوجد أي نص قانوني لمنع الاستهلاك كما ان هذه المادة كانت مستهلكة من قبل التونسيين فقط و ان كانت مادة الشاي انتشرت بمساهمة فعّالة من الوافدين من الجارة طرابلس فان مادة التكروري – التي لم تكن مجهولة عند أهالي تونس- انتشرت بمساهمة فعالة من المعمرين والتجار و المهربين من الجارة الغربية الجزائر و كانت بالنسبة للسلط الاستعمارية زراعة و تجارة و اختصاصا مربحا لم يقع منعه نهائيا إلا في شهر أكتوبر 1955 عندما غربت أيام الاستعمار الفرنسي بتونس. [61]

ان التكروري مثله مثل الشاي كان ‘محصلةً استعمارية و لم تمنع سلط الحماية ظاهرة استهلاكه عكس " الشيرة" أو "الخشخاش" التي كانت أيضا من صنف المخدرات الخفيفة لكنها لا تدر على المعمرين و التجار الفرنسيين أرباحا لذلك منع استهلاكها و بيعها بتونس. كان التكروري ينشط موارد الميزانية ومحاصيل المعمرين و علاوة على ذلك فهو يأسر التونسيين في عالم من الوهمية والعجز و السكون و الكسل و يغمض أعينهم عن الجوع و الفقر.

و قد انتشر الاستهلاك اجتماعيا و مجاليا خصوصا في فترة ما بين الحربين وبالذات في الثلاثينات التي تعتبر مرحلة هامة و مفصليّة في تاريخ المجتمع التونسي، فالقياد [62] الذين كاتبوا الوزارة الكبرى في هذا الشأن و الذين قسّموا المجتمع التونسي إلى ثلاث طبقات أجمعوا على كثرة انتشاره في صفوف السفلى والتي يعنون بها طبقة الفقراء و العمال و الفلاحين و المهمشين و محدودي الدخل فالفريسة الأولى حسب مختلف التقارير لأفيون التكروري هي العملة الفلاحيين ثم المنجميين فيؤكد المراقب المدني بتوزر ان الخمسة عشر ألف عامل بشركة فسفاط قفصة اغلبهم يتعاطون التكروري إلى درجة الادمان [63] و قد صورت بعض الأعمال الأدبية للبشير خريف و محمد صالح الجابري و غيرهم أهمية هذه الظاهرة في المجتمع العمالي المنجمي بالجنوب الغربي. و كانت بعض التقارير أشارت إلى إدمان فئة سواق العربات أو المعبر عنهم ب"الكرارطية "و هي شريحة هامة عدديا في المدن و الأرياف إلى حد الحرب العالمية الثانية بحكم قلة عدد الشاحنات و السيارات و كذلك التجار المتجولين بين الأسواق و البلدان و نفس الملاحظة تسري على "أهل الحرب" أي المجنّدين و المتطوعين التونسيين في الجيش الفرنسي و هي شريحة تستحق مزيد الاهتمام و الدرس ذلك ان غالبية العناصر الريفية و القبلية التي تحولت إلى جبهات الحرب بأوروبا سنوات 14-18 أو سوريا أو المغرب سنوات 25-26 أو التي انتقلت فقط إلى الثكنات العسكرية بالمدن الكبرى اضطرها واقعها الجديد إلى الإقبال على مظاهر جديدة كالكحولية [64]و تناول مخدّر التكروري و شرب الشاي و تعلّم لهجات و مصطلحات جديدة كانت مزيجا بين العربية الدارجة و الفرنسية المهجّنة، لقد كانت شريحة العساكر قناة من قنوات الاتصال بين عالم الأرياف الداخلية المغلقة و بين عالم المدن و التمدّن أين المستهلكات و المتغيرات و الثقافات " الجديدة" و الذي يعنينا أكثر في هذا التحليل ان هذه الشريحة انتشر في صلبها استهلاك التكروري بل وساهمت بصفة فعّالة في نشره عبر المداشر و الأرياف. وأضافت بعض التقارير ان الجزائريين أصيلي منطقة وادي صوف أو" الصوافة" ساهموا في نشر عادة استهلاك التكروري بين التونسيين فيذكر عامل الأعراض ان الحاج قاسم الصوفي من الجزائر هو " الذي أتى به لهاته الجهة و مات أخيرا بمرض الصدر"[65] علاوة على انهم كانوا من أكبر الفئات المدمنة و ساهموا أيضا في نشر استهلاك مادة "النفة" أو "النفة الصوفي" و التي انتشرت حتى في صفوف العنصر النسائي (المسنّات و العجائز في الأرياف) و كانت أحيانا تخلط بمسحوق من شجـر العرعار [66] لتعويض التكروري ان قلّ في الأسواق أو ارتفعت أثمانه.

و يؤكد بعض القياد على ان الاستهلاك منتشر في الطبقة الوسطى في جهات الوطن القبلي و الساحل و قد ذكر أحد المدرسين التونسيين أصيلي بلدة اكودة من الساحل في مذكراته[67] ان جيله من المثقفين و متوسطي الحال كان يستهلك التكروري و هو ما أكدته المقالات الصحفية المتعددة في النصف الأول من الثلاثينات و هي سنوات اتساع انتشار استهلاك التكروري مجاليا و اجتماعيا وكمّيا، بل ان بعض الشرائح من الطبقات العليا-دائما حسب تقسيم القياد- انقادت إلى هذا الأفيون.

أما الجهات التي كانت عرضة أكثر من غيرها إلى استهلاك التكروري فهي جهات الوطن القبلي حيث انتشر الاستهلاك بالقرى و المداشر الفلاحية مثل بلّي و نيانو و تاكلسة و سليمان و تازركة و بني خلاد و منزل بوزلفة كما انتشر الاستهلاك بالساحل المكتظ بالقرى و المداشر الفلاحية و الذي عرف أزمة اقتصادية واجتماعية كبرى في الثلاثينات ربما كان التكروري َمهربًا و ملجأ لنسيان اثارها [68] و انتشر أيضا في الجريد" حيث عم كل الأوساط من الملاك إلى الخماس" [69] و بالمثل في التجمعات المنجمية كالمتلوي و الرديف و أم العرايس وانتشر بقرى جهة قابس كالمطوية و الحامة و شنني ووذرف..و كان منتشرا بأرياف القيروان و ربوع أولاد عون و أولاد عيار و غيرها من المناطق الريفية بوسط البلاد.

و كانت الشرائح العمرية المختلفة تقبل على الاستهلاك الذي يتزايد في أشهر رجب و شعبان و رمضان و هي فترة يقل ثم ينعدم فيها استهلاك الخمر عند الأهالي فيعوضونه بالتكروري لاعتقادهم انهم غير محرم و اقل إثم "و يكثر استهلاكه.. في أحوال و ظروف منها شهر رمضان و الشهرين قبله فان شاربيه يتناولونه عوض الكحول" [70] وتشير تقارير العمال إلى ان التكروري كان ينافس الخمر عند الأهالي على الأقل في الأشهر الحرم لكن بالمقابل فانتشار الشاي قلّل نسبيا من استهلاك التكروري وهو رأي قايد نابل "و السبب في هذا النقص انتشار الشاي "في حين ان هناك من يرى ان استهلاك التكروري كان مقترنا باستهلاك الشاي و يتم في نفس الحلقات وهو رأي قايد أولاد عون "تناول حشيشة التكروري.. مع شرب الشاي أيضا لأن متناولي شرب الحشيشة لا يروق لهم شربه إلا بتناول الشاي" و يبدو حسب بعض المسنين الذين سألناهم عن الأمر ان المسألة تتعلق بشرب الشاي الأخضر الذي كان محبذا عند حشّاشي التكروري أكثر من الأحمر. و يتكاثر تعاطي التكروري في المناسبات " كالأعراس و الختان" كما لاحظنا تكاثر الاستهلاك زمن الحرب العالمية الثانية و خاصة سـنـتي 1942 و1943 أي عندما كانت البلاد مسرحا للعمليات الحربية و في زمن انتشر فيه الهلع و الخوف عند الأهالي فكان التكروري مسكّنا و ملهيا عن الهواجس والمخاوف.

و تلتئم حلقات الحشاشين في الدكاكين و المقاهي أو في زوايا المقابر و الخرائب المنزوية حيث يقضي الحشاشون كامل النهار و أكثر من ثلثي الليل مجتمعين حول مبسم واحد" سبسي" يسبحون في عالمهم الهلامي و الخيالي مكثرين من الضحك و القهقهة معرضين عن الطعام غير مكترثين بما حولهم و قد أجاد عثمان الحشايشي وصف الحشاشين البلاد التونسية و عاداتهم و العالم الخيالي الذي يسبحون فيه "و في الحقيقة إنها مضرة بالأخلاق لانشغال الناس فيها بما لا يعني… ان رجلا دخل قهوة فوجد بركن منها جماعة من الحشاشة يشربون ويبكون بصراخ… (لأن موت البقر في تزايد و الكرة الأرضية محمولة على قرن ثور فيخشون على البشر من الهلاك و الفناء) فتسقط الأرض بنا إلى اسفل السافلين ونصير ترابا في الحين فبكاؤنا لهذا الأمر العظيم فتعجب الرجل من سخافة هاته العقول.." [71].

كانت مظاهر الانتشار و الإدمان في تزايد خصوصا في العشرينات لذلك سارعت سلط الحماية باستصدار أول تشريع في 11-4-1927 في" تحجير بيع وشراء و تحضير حشيشة التكـروري بـتـراب الايـالة الا على طريق إدارة القمرق"[72].

و كان من نتائج تزايد الاستهلاك في فترة الحربين أن تفتحت أعين سلط الحماية على ما يدره هذا القطاع من أرباح مالية و لهذا أصبح احتكارا خاصا بـ"الدولة" و هو ما يحيلنا إلى التعريج على الأبعاد الاقتصادية و المصالح الاستعمارية الكامنة و راء تتجير و إباحة استهلاك التكروري في البلاد التونسية طيلة العهد الاستعماري.

3. أرباح التكروري ووزنه الاقتصادي

كان حشيش التكروري في تونس يدر على الاقتصاد الاستعماري أرباحا طائلة فهو زراعة غنم منها المعمرون و احتكارا من اختصاصات " الدولة" و هو أيضا تجارة مربحة فشبه هذا القطاع بالحنفية التي تدر أموالا.

أ. التكروري : زراعة استعمارية

عرفت زراعة القنّب الهندي انتشارها العالمي بفضل التجارة الاستعمارية الكبرى في القرن التاسع عشر و قد قامت فرنسا - على غرار إنجلترا- بالتشجيع على إقامة هذه الزراعات في بلدان ما وراء البحار و كانت مستعمرة الجزائر من بين الأقطار التي انتشرت بها هذه الزراعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و لم تكن الأغراض الصحية - الصيدلية و لا الأغراض الصناعية - النسيجية هي الهدف من وراء رعاية هذه الزراعة بل كانت أرباح " الأفيون" هي الغاية.

و في تونس سلكت الإدارة الاستعمارية نفس المنهج الذي سلكته في الجزائر إذ تم تشجيع المعمرين على زراعة القنب الهندي رغم أن الباي محمد الصادق أصدر مرسوما سنة 1875 يمنع زراعته بتراب الايالة. ففي البداية غضت سلط الحماية الطرف على أصحاب مزارع التكروري من المعمرين ثم و انطلاقا من العشرينات أسندتهم رخص زراعة تحت إشراف وكالة التبغ و كانت هذه الرخص تحدد المساحة و تراقبها [73] و فق مرسوم5-4-1922 وقد أصبحت العملية بعد هذا التاريخ منظمة إذ تقوم الحكومة سنويا –خاصة في شهر أوت أو سبتمبر أي قبل الموسم الزراعي-بتحديد المساحة المزروعة و تضبط قائمة في أصحاب رخص الزراعة وكلهم بدون استثناء كانوا من المعمرين الفرنسيين بجهة طبرقة و عين دراهم ونفزة و ماطر و الوطن القبلي و هي مناطق مطيرة وذات تربة خصبة تساعد على زراعة القنّب الهندي فمن سنة 1922 إلى 1931 كانت التراخيص تشمل عددا من المعمرين بقيادات عين دراهم و ماطر و نابل و انطلاقا من سنة 1932 حذفت قيادة نابل و انحصرت الزراعة بجهة عين دراهم و ماطر ثم و انطلاقا من سنة 1946 تم إضافة قيادة باجة [74] إلى جانب عين دراهم و ماطر و هي مناطق ملائمة مناخيا لزراعة القنّب.

و قد كان المعمرون الفرنسيون كما سبق الذكر يختصون بهذا الامتياز الذي يدر أرباحا طائلة فكم من مرة وجه معمرو جهة طبرقة شكايا تطالب بتمكينهم من مساحات إضافية لزراعة التكروري فسنة 1928 وجهت جمعية المعمرين بطبرقة شكاية [75] تطالب فيها الحكومة بالترخيص لهم في زرع مساحات أكبر إذ كانوا يطالبون بمساحة 80 هكتار عوضا عن الــ 45 التي ضبطها لهم المرسوم.

كما قدم أحد لهم طالب الدكتور بولار (Boulaire) [76] و هو "طبيب" و معمر بطبرقة احتجاجا لانه لم يتحصل إلا على ترخيص بـ 6 هكتارات في حين ان حاجياته أكبر من ذلك. ان هذا التكالب على المطالبة بالزيادة في المساحات المزروعة لا يبرره إلا الربح الوفير و المضمون لزراعة أصبحت بداية من سنة 1927 ترعاها و تشرف عليها الحكومة بوصفها من الاحتكارات و كانت سياسة الأسعار مشجعة للمعمرين الذين يتم تمكينهم في غالب الأحيان من ملاحق مالية نظرا لوفرة أرباح هذا القطاع كما ان هذه الزراعة كانت ذات رواج خارجي فسنة 1946 و 1947 تم تصدير كميات من القنّب المزروع بتونس إلى المغرب [77].

لقد كانت زراعة التكروري في البلاد التونسية في تزايد مستمر منذ مطلع العشرينات و عرفت تطورا استثنائيا بين 1928و 1932 لكن و منذ هذا التاريخ و تزامنا مع الأزمة الاقتصادية من ناحية و ضغط الحركة الوطنية من ناحية أخرى تراجعت المساحات المزروعة بين 1932و 1938 وخاصة بين 36 و 38 زمن صعود الجبهة الشعبية للحكم .

السنة

1928

1929

1930

1931

1932

1933

1934

1936

1937

1938

المساحة بالهكتار

120

85

70

70

65

55

55

23

48

90

جدول : مساحات التكروري المزروعة بالبلاد التونسية في فترة بين الحربين [78] و عادت المساحات المزروعة للارتفاع من جديد منذ سنة 1938 وبلغت ذروتها في سنوات الحرب العالمية الثانية ربما بفعل تزايد الاستهلاك زمن الحرب و كذلك لتراجع المراقبة خصوصا ان السلطات الاستعمارية الفرنسية بتونس عرفت نوعا من الضعف و التشتت بفعل الأزمة السياسية و العسكرية بالمتروبول.

السنة

1940

1941

1942

1943

1944

1945

1947

1951

1951

1952

المساحة بالهكتار

55

70

120

180

200

100

140

60

60

60

و قد عرف الإنتاج فائضا عن الحاجة أدى إلى تصديره سنوات 46 و47 ثم وانطلاقا من سنة 1948 تراجعت المساحات المزروعة إلى ان تم اتخاذ إجراء إبطال الزراعة سنة 1953 بعد ضغط شديد من الحركة الوطنية و في إطار ظرفية جديدة تغيرت فيها موازين القوى .

ب. التكروري "اختصاص حكومي" :

كان ذلك في علاقة مع تزايد الطلب الداخلي على استهلاكه انطلاقا من العشرينات و كذلك في علاقة مع ازدهار "تجارة تهريبه" عبر الحدود الجزائرية فقامت الحكومة بإصدار أمر 11-4-1927 بموجبه [79] أصبحت الدولة تحتكر Monopole- عملية الشراء و البيع و إسناد رخص الزراعة و الإشراف على عملية النقل من المزارع إلى وكالة التبغ بتونس أين يتم تحويله و بيعه وقد تم اتخاّذ هذا الإجراء لأسباب مالية و جمركية فمنذ سنة 1884 كانت عملية التوريد "القانوني" للتكروري موجودة (تشريع جمركي بتاريخ 3-10-1884) و مع تطور الزراعة والتجارة داخل الايالة عملت سلط الحماية على إزاحة الخواص من تتجير مادة التكروري و هو ما لم تنجح فيه في تجارة الشاي، كان قرار تحويل التكروري إلى اختصاص حكومي مثله مثل الملح و البارود و لعب الورق و الو قيد يطبخ على نار هادئة منذ سنة 1925 فالاستهلاك في تزايد و مطالب المجلس الكبير كانت ترتفع للمناداة بمقاومة آفة التكروري عبر "تضعيف أو تثليث الأسعار" و قد انقضت سلط الحماية على الفرصة لتحول التكروري إلى اختصاص بحجة مقاومة التهريب و الحد من الاستهلاك و كان التبرير الرسمي للحكومة ان منع التكروري غير ممكن و الحل يكمن فقط في ترفيع الأثمان و مقاومة التهريب من الجزائر مثلما صرح بذلك المقيم العام مانصرون [80] سنة 1932.

ج. أرباح التكروري :

كانت فرنسا من الدول المصادقة على بروتوكول جينيف (11-2-1925) الذي يقاوم المخدرات و يحضر بيع أي نوع من أنواع الأفيون المركب و هذه التشريعات لم تكن صالحة للتصدير في المستعمرات ففي أقطار شمال إفريقيا الثلاث كانت تجارة اغلب أنواع المخدرات مباحة بل "قانونية" فلا بأس أن تذهب الأرباح للمعمرين و المضار للأهالي.

كانت تجارة التكروري بتونس تدر أرباحا طائلة على الحكومة الاستعمارية فالأثمان كانت في ارتفاع متزايد بحكم وفرة الطلب والتذرع بمقاومة الآفة فسنة 1925 و قبل ان يصبح التكروري من محتكرات الدولة كان ثمن " الحقة"-و هي علبة حديدية تحتوي على 5غرامات- 1.45 فرنك ثم ارتفع بداية من أفريل 1925 ليصبح 2.20 فرنك أي بزيادة حوالي 70 في المائة [81] و في سنة 1932 كان ثمن تكلفة الحقة الواحدة لا يتعدى 0.38 فرنك في حين ان ثمن بيعها كان بـ2.35 فكانت الأرباح تقدر بــ 8 أضعاف التكلفة. [82]

كان الطلب في تزايد و كذلك الأسعار و الأرباح و كانت الدوائر المالية والجمركية تكرر بصوت عال ان في منع البيع "خسارة كبرى للميزانية"، لقد قدرت الكميات المستهلكة [83] في الحقبة 1923-1932 كالآتي :

السنة

معدل البيع الشهري

1923

71000 حقة

1930

153000 حقة

1931

152000 حقة

1932

125000 حقة

وتحاول سلط الحماية عبر هذه الأرقام مداراة الحقائق بمهارة فائقة فهي تقدم حجم الاستهلاك الشهري فقط و كان من الأنسب مضاعفة الأرقام اثني عشر مرة فاستهلاك سنة 1923 هو 852000 حقة كذلك تحاول سلط الحماية إخفاء أرقام السنوات الممتدة من 1924 حتى 1929 و هي سنوات تزايدت فيها المبيعات وتبرز فقط الانخفاض الطفيف و الوقتي لما بعد سنة 1931 ذلك ان الحملة الوطنية التونسية ضد استهلاك و تتجير التكروري كانت في اوجها و كانت السلطات الاستعمارية تبحث عن ردود و أرقام مناسبة لردها على تلك الحملة.

لقد قدرت السلطات الاستعمارية الكميات المستهلكة من التكروري سنويا في النصف الأول من الثلاثينات بما يناهز 6000 كلغ و كانت تدر على " المنوبول" أرباحا تقدر سنويا بمليونين ونصف من الفرنكات. ففي قيادة سليمان بلغ معدل العلب المستهلكة شهريا سنة 1932 حوالي 5000 حقة كان عدد الدكاكين والأكشاك المختصة في البيع 35، أما في قيادة الأعراض فقد بلغ معدل المبيعات شهريا سنة 1932 حوالي 1700حقة و في قيادة نابل بلغ المعدل الشهري في نفس الفترة حوالي 4500 حقة و في جهة الجريد أقر القايد بأن 8 في المائة من السكان الذكور يستهلكون التكروري بانتظام كانت إذا تجارة التكروري مربحة و في تزايد مستمر.

وكانت علب التكروري تباع في الأكشاك و الدكاكين و تحمل علامة مميزة –بايليك-و هذه العلامة كانت محل تندّر فالكلمة لها وجهان سلبيان الأول مفاده ان جهاز دولة الباي هو الذي يتاجر بالتكروري و بالتالي يساعد على نشر استهلاكه و الإدمان عليه و الثاني مفاده ان استهلاك التكروري خسارة لاطائل من وراءها و الأموال المخصصة لشرائه هي بايليك أي عبارة عن أموال ضائعة - وهذا دائما حسب الاستعمال الشعبي التونسي لكلمة بايليك.

ظلت إذن زراعة و تجارة و أرباح التكروري في تزايد مستمر إلى حد سنة 1953 ففي هذه السنة قدرت الكميات المخزونة من التكروري بوكالة التبغ بــ95880000 فرنك [84] و الرقم وحده يغني عن التعليق.

صدر تشريع 23-4-1953 الذي أقر بمنع الزراعة و الاستهلاك و المتاجرة ووفر إسعافا بسنتين للتخلص من كميات التكروري الباقية و عندما اتخذ قرار المنع النهائي في أكتوبر 1955 كانت البلاد حققت استقلالها الداخلي و تتهيأ للاستقلال الكامل و لم يعد ممكنا مواصلة المتاجرة و الزراعة في مادة اعتبرها المثقفون الوطنيون "أفيونا للشعب".

4. آفة التكروري بتونس : المخاطر و المقاومة

اعترفت سلط الحماية عديد المرات بمخاطر حشيشة التكروري كان هناك إجماع في تقارير المراقبين المدنيين و أعوان الداخلية و مكاتبات العمال على وجود أخطار مالية و صحية و اجتماعية لتعاطي هذا المخدر فهو "خبيث المفعول" و"مفسد للأخلاق و العمل"و يِؤدى إلى "كثرة الهذيان" و "اصفرار الوجوه وانتهاك القوى مع الكسل عن تعاطي وسائل التكسب".

و لا نجد أحسن من التشخيص الذي قدمه الدكتور محمود الماطري و هو الطبيب الذي مارس المر في عمله بالمستشفيات و هو كذلك ابن البلد الذي عايش وعاين الضرار عن قرب و هو كذلك رمز من رموز الحركة الوطنية إذ كان أحد أقطاب الحركة الدستورية في مطلع الثلاثينات. يقسم الماطري أخطار التكروري ومضاره إلى ثلاثة أنواع فالنوع الأول نوع صحي-بدني إذ أن متعاطي التكروري عرضة للأمراض الصدرية المعدية كالسل و السعال خصوصا أن أماكن الاستهلاك غير نظيفة و الجميع يدخن من مبسم واحد كذلك يؤدى التكروري إلى قلة الشهية و العزوف عن الأكل و شحوب الوجه و اصفراره و إلى النحول و ينقص الحيوية والفحولة و يخلق البرود الجنسي كما يسبب أمراض الصداع في الرأس و الأذنين و قد ظهرت بالبلاد حالات وفاة ناتجة عن الإدمان في تعاطي التكروري.

النوع الثاني من المضار هو نفسي – معنوي فالمدمن على هذا الحشيش يفقد الهيبة و الكرامة إذ تتكاثر ساعات غيابه عن الوعي و يكثر من الضحك و يكون شديد التخوف من كل شيء فهو يخلق نفسية ضعيفة و مستكينة يقتل روح المبادرة و يشجع على الكسل لكن الأخطر من هذا أنه يؤدي إلى حالات هوس واختبال فقد أشار الماطري [85] إلى وجود ثلاث حالات اختبال بالمنستير أصبح أصحابها يجوبون الشوارع. أمّا النوع الثالث من الأخطار فهو مادي –اجتماعي إذ أن المدمن يتخلى عن الاعتناء بعائلته و تربية الأبناء كما انه أحيانا يؤدي إلى الشذوذ و الصعلكة و الإفلاس، فالضحايا ليسوا دوما فقط من الفقراء و محدودي الدخل الذين يساهم الحشيش في مزيد تداينهم و إقعادهم عن العمل بل هم أحيانا من أوساط اجتماعية وسطى أو عليا فقد أشار قايد أولاد عون إلى ما حل بإحدى العائلات الثرية بالمنطقة بعد إدمان أبنائها بآفة التكروري" أبناء المرحوم (…فلان) بن عطية الذين كانوا من اشهر العائلات المثرية بالعمل و يملكون من الأراضي ما ينيف عن 2000هكتار ..فخلدوا للراحة و عدم التفكير في مصالحهم مع الإدمان في حشيشة التكروري .. و صاروا على وشك الإفلاس".

أدى انتشار الاستهلاك في الثلاثينات إلى خلق ظاهرة اجتماعية و أدت هذه الظاهرة التي تزامنت مع حدة الأزمة الاقتصادية و اشتداد عود الحركة الوطنية إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بمقاومة الآفة و منع بيع و زرع التكروري فانطلقت الحملة في مطلع سنة 1932 عندما قام فرع تونس للرابطة العالمية للنساء العاملات من أجل السلام بإثارة الموضوع ثم تبناه الماطري و تشكيلة لاكسيون من شباب الحزب الدستوري الذين درسوا بفرنسا و عادوا للبلاد و قد ارتكزت الحملة طيلة سنوات 1933 و 1934 على المطالبة بمنع الزراعة والتجارة و ركز الماطري على المفارقات الآتية : ففرنسا تمنع التكروري بالمتروبول و تبيحه بالمستعمرات كذلك فالفرنسيين لا يستهلكونه بل يزرعونه و يتاجرون فيه فقط وبالتالي فان أهالي البلاد هم ضحيته الوحيدة و تكمن المفارقة الثالثة في أن الدولة هي التي تروج هذا الأفيون الذي تحمل علبته شعار دولة الباي -بايليك-.

كانت الحملة التي شنتها الأقلام الوطنية و تزعمها الدكتور الماطري تشهر بخلفيات ترويج و تتجير التكروري و تعتبر ذلك سعيا استعماريا لتخدير الشعب و الهاء التونسيين عن مشاكلهم الحقيقية و محاولة زرع الوهن و قتل روح الإرادة و الفعل عندهم و هذا يتناقض مع الشعارات الرسمية لفرنسا التي تعتبر وجودها بتونس و غيرها من المستعمرات مجرد رسالة حضارية للتمدين و التطوير.

لقد اضطرت سلط الحماية بعد هذه الحملة إلى بعض الإجراءات الوقائية كالتقليص في المساحات المزروعة بصفة استثنائية وهناك من اقترح من العمال الغرامات المالية و الخطية بالسجن غير ان سلط الحماية وجدت الحل السحري و المتمثل في إقامة محاضرات توعية كانت عديمة الجدوى و هي شبيهة بمحاضرات الوقاية من الكحولية التي لا يحضرها إلا شاربو الماء إذ لا نتصور ان المدمنين و المتعاطين للتكروري بإمكانهم الإنصات للمحاضرات التي تقع في الصالونات الراقية كانت عبارة عن حلول تسكينية و مبتورة.

و قد تجرأ البعض من الاستعماريين على غرار مدير المالية سنة 1933 و أنكر وجود الأضرار الناجمة عن استهلاك التكروري إلا في حالات استثنائية جدا [86] وأشار غيره على المقيم العام بإقحام قضية الشاي إلى جانب التكروري للرد على اتهامات الماطري و لتبيان ان العلّة ليست في الإدارة الاستعمارية التي لا يمكنها ان تحرم شعبا يريد" ان يرفه على نفسه".

كان التكروري في حالات عديدة مسلكا نحو دروب التهميش الاجتماعي و قد أدى إلى وجود حالات اختبال وكانت "تكية و منوبة (أي مأوى العجز ومستشفى الأمراض العقلية) ملأى بضحاياه" على حد تعبير الماطري و بالتالي يعتبر أغلب "التكاررية" من ضمن المهمشين و الضحايا بالبلاد التونسية في الفترة الاستعمارية و من هذا المنطلق هبت الحركة الوطنية للضغط من جديد في الخمسينات لمنع تداول التكروري فتزامن تقريبا زوال هذا المنتوج الاستعماري مع زوال الاستعمار المباشر نفسه.

الخاتمـــــة :

كان لانتشار مادتي الشاي و التكروري بالبلاد التونسية خصوصا في فترة ما بين الحربين دلالات اقتصادية و اجتماعية و ثقافية كثيرة، فارتبطت الدلالة الأولى بقدرة النسق الرأسمالي الاستعماري على تنميط الأذواق و فرض انفتاحا وتعصيرا مهجّنا على المجتمع أدى إلى الاستهلاك السلبي و تغير العادات والأذواق و غنم الاستعمار من هذه المواد الجديدة بطريقة مضاعفة فالمضار تذهب للأهالي و المنافع المالية (التكروري احتكار حكومي من 1927 إلى 1953 و الشاي من 1945 إلى 1954) تذهب للخزينة و المستوطنين الفرنسيين من معمرين وتجار.

أمّا الدلالة الثانية فتكمن في مدى قدرة المجتمعات المحلية و أنساقها الاستهلاكية على الصمود و المنافسة وهي ظاهرة صعبة التقويم و برز فقط تعبيرها النخبي و الوطني الذي قاوم بشدة و خاصة في حالة التكروري ولم يتعامل مع هذه الظواهر كسلع و بضائع بل اعتبرها آفة و أفيونا و سموما مخدرة تعوق المجتمع في تطوره الثقافي و الاجتماعي و تأسره في الهامشية و التخلف.

و تبقى نظرة المؤرخ للمسألة فهو مطالب بتجاوز المنظار الأخلاقي أو الاقتصادي للظاهرة و معالجتها معالجة تاريخية انتروبولوجية لمزيد اكتشاف خبايا الحياة اليومية و هى وجهة من أوجه دراسة التاريخ الاجتماعي لبلداننا العربية، فالثابت ان هذه المستهلكات كانت ستنتشر بفعل الاستعمار المباشر أو بدونه غير ان وقعها كان يمكن أن يكون مغايرا و يبدو حسب المعطيات الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد التونسية و حجمها السكاني و موقعها الجغرافي أنها لم تكن قادرة على الوقوف في وجه انفتاح مفروض و تبعية و تنميط متزايد حتى في ميدان الأذواق و المستهلكات.

ملحق : مقتطفات من "ملزومة "الشاي للشاعر عبد الرحمان الكافي

يا سامعني كون معتبر* باريك لا تغتر * التاي شربو مهلك و مضر

التاي شربو مضر يا صاغين * و حق النبي الأمين * مدمنو ما هو ذكي وفطين

قلبو كاسح ما يزوزو لين * جلمود من صخر * التاي داه مثل طعمو مر

التاي ظهرت فيه كم من نبّه * داه ما يتخبّه بضرورتوا حكموا جميع الطبّه

سم قاتل في الحشا يتربّا * يكثر السهر * يخلى بنادم في قلق و ضجر

شريب التاي دايما عليل * و لا ينام طول الليل * يصبح مرخى بالعمل هزيل

التاي بالتجريب و التحليل * ينقص النظر * يقطع الصحة يرخف الوتر

يقطع الجهد يرخف الأعصاب * و يفرغ الأجياب * يهلك النسل صحيح بالتجراب

لا يليق بالشبان لا النسيان * ما فيه شي يسر * يرد الفحل في الناس خنثى ذكر

التاي ما يوافقش حتى حد * لا عبد و لا حر * التاي حشيشة مخربة للبر

كم من مثري للفلس اداه * خلاه فقري تر * لا صوردي لا فرنك لا ما يصر

التاي فعلو كيف فعل السل * في بلادنا تنشر * مثل الكوليرة في سنين الشر

تبلاوا بيه الناس و النسوان * عجايز و صبيان * اموال كثير مشات في الطغيان

في محنة البراد و الكيسان * الموت و الفقر * التاي شربو على النفوس خطر

التاي شربةو يعمل اوسواس * و يفسد الاحساس * لا يليق بالفلاح لا الخماس

جل المة بمحنتو فلاس * عروشها و دشر * الحالة رثة و الوجوه صفر

التاي راه لليبدن اذية * بلاه بان ظهر * و الله كان خرب برشه دشر

يا قوم عيفوا التاي أحسن ليكم * ربن يهديكم * أنا راني لله ننصح فيكم

بجاه النبي من محنتو يزيكم * التاي أذاه كثر * ما ينكرو كان جاهل و مغتر

نظم الشاعر عبد الرحمان الكافي - تونس 1926.


*


الهوامش

* قسم التاريخ - كلية الآداب و العلوم الإنسانية بصفاقس - الجمهورية التونسية.

[1] - أثار المؤرخون و الأنتروبولوجيون موضوع المستهلكات ودلالتها الاجتماعية و النفسية بداية من الستينات و قد خاض فرنان برودال و تلامذته في الموضوع كثيرا بل طهر مختصون في الموضوع انظر :

- Flandrin, J. L. et Montanari, M. : Histoire de L'alimentation.- Paris, Fayard, 1996.

- Hemardinguer, J. : Histoire de la consommation.- Annales, ESC, Mars-juin1975.- p.p. 402-243.

[2] - خاض الباحثون المؤرخون التونسيون في موضوع المستهلكات وأثرها الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي وذلك أم في إطار بحوث عامة أو متخصصة أنظر على سبيل الذكر :

-عبد السلام، أحمد : المؤرخون التونسيون العصور الحديثة.- تونس، بيت الحكمة، 1994، كتاب معرب.

-بن طاهر، جمال : خبز الأغنياء و خبز الفقراء بالبلاد التونسية خلال العصر الحديث، في المغيبون في تاريخ تونس الاجتماعي.- قرطاج، منشورات بيت الحكمة، 1999.- ص.ص. 183-223.

[3] - وقع الاهتمام بتاريخ المادتين المذكورتين في تاريخ تونس الحديث انظر:

- بوجرة، حسين : في تاريخ دخول الدخان للبلاد التونسية و مصدره، في كراسات تونس، عدد 161، نوفمبر 1992.- ص.ص.17-36.

- بوجرة، حسين : الظاهرة الخمرية بالـبــلاد التونسية في العهد التركي، في كراسات تونس، عدد41- 42، ص.ص. 26-117.

[4] - هناك بحوث اهتمت- كما أسلفن- بالبحث في الظاهرة الخمرية و التبغ لذلك تجنبنا التكرار و ظهرت مؤخرا دراسة حول استهلاك القهوة للباحثة دلندة لرقش (Le commerce du café avant l’ère des plantations coloniales) تجارة القهوة قبل عهد الزراعات الاستعمارية مقال بالفرنسية تحت الطبع"

[5] - Heutz, A. : Boissons coloniales et essor du sucre.- Histoire de l'alimentation.- Op. cité.- p.p. 629-641.

[6] - الموسوعة العربية العالمية، جزء 14، طبعة الرياض، 1996.- ص.ص. 28-30.

[7] - Guiga, A et Magnin, J : Le THE la plante maudite.- In IBLA, n°33, 1er T, 1946.- p. 91.

[8] - الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة E، صندوق 67، ملف 8، وثيقة عدد 58 بتاريخ 6 جوان 1933.

[9] - Sergent, E. : Nocivité de la décoction de thé noir et innocuité de l'infusion de thé vert et usage dans l’Afrique du nord.- In Archives de l'institut Pasteur d'Algérie, XIX, n°4, déc 1941.- p. 406.

[10] - أهزوجة بالعامية التونسية منتشرة في أرياف البلاد مفادها أن الشاي عبارة عن نبات و حشيش مر المذاق بل أن نكهته في مرارته و في تعديل كميات الماء المطهات بها تلك الحشائش وان هذه المادة انتقلت من بلدها و انتشرت ببر تونس و أصبحت موجودة في كل الأنحاء.

[11] - أبو القاسم، إبراهيم أحمد : المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسية (1911-1957)، تونس، 1992

[12] - أبو القاسم، إبراهيم : المهاجرون….- نفس المرجع.- ص.ص. 41-45.

[13] - المرجع نفسه.- ص.148.

[14] - و يقول آنذاك في شأنه الأديب الليبي الطاهر عبد الرزاق "لم يدر ما لذة الدنيا و بهجتها من لم يكن من كؤوس الشاي قد شربا" مذكو في المرجع السابق ص.148 و كذلك في كتاب الطاهر الزاوي أعلام ليبيا.

[15] - لنا عودة تفصيلية لـ عبد الرحمان الكافي و ملزومته أما البشير الدنقزلي فهو أخ للوزير مصطفى الدنقزلي و هو علاوة على انه أول طبيب تونسي فقد كان من الأوائل الذين تزوجوا بفرنسيات و أثار ذلك جدلا كبيرا في أوساط مدينة تونس و بالنسبة لمقاله المذكور أنظر :

- Dinguizli, B. : Le théisme, un nouveau fléau social en tunisie.- In Bulletin de l'Académie de Médecine, 97 mars 1927.

[16] - الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة E، صندوق 67، م8، وثيقة عدد 66 بتاريخ مارس 1933 صادرة عن دائرة الشؤون الأهلية كذلك وثيقة عدد 75 بتاريخ ماي 1933 صادرة عن شارل سوماني من الإقامة العامة وفي كلا الوثيقتين هناك محاولات لأخذ رأي العمال حول ظاهرة استهلاك الشاي و السبل الكفيلة للحد منها.

[17] - Uzan, M : théisme.- In Sciences, Avril 1938.

[18] - ذكر الثلاثة الأوائل في إحالات سابقة بالنسبة للبقية انظر:

- Gobert, E : Comment les Tunisiens prennent le thé.- Arch. Ins. Pasteur, Tunis xxix, 1940.

- Bouquet, J : le théisme.- Conférences aux journées Pharmaceutiques, 1948

[19] - بيت من ملزومة الشاعر الشعبي عبد الرحمان الكافي حول الشاي سنة 1926.

[20] - الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة E ، صندوق 67، م8، و عدد47 بتاريخ 10 ماي 1933.

[21] - الأرشيف الوطني …، السلسلة E ، صندوق 67، م8، و 51 بتاريخ 1 جوان 1933.

[22] - لعبة فكرية تقليدية تأخذ شكل صراع بين طرفين على المربعات التي تسمى ديار و عددها 32 أحد الطرفين يلعب بالأحجار.

23- Sebag, P : Un faubourg de Tunis.- Saida Manoubia, Puf, 1960.- p.74.

[24] - Guiga, A et Magnin, J : Le THE la plante maudite… .- Op. cité.

[25] - نفس المصدر (قيقة و مانيان).- ص.ص.95-97.

[26] - Gobert, E : Comment les Tunisiens prennent le thé.- Tunis, Arch. Ins. Pasteur, xxix, 1940.

[27] - التيمومي، الهادي : تاريخ تونس الاجتماعي 1881-1956، دار محمد على الحامي ،1997. انظر كل ما يخص الذهنيات و المرجعيات الثقافية لمختلف الشرائح الاجتماعية.

[28] - لنا عودة لهذه الملزومة الموجودة بملحق البحث حول مصدرها انظر:

المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة ،بكرة R304 ،الورقة697 بتاريخ 1926.

[29] - الأرشيف الوطني…، السلسلة E ، صندوق 67، م8، و41 بتاريخ 14 ماي 1933.

- الأرشيف الوطني ، السلسلة E ، ص 67، م8، و عدد51 بالنسبة لنابل و 47 بالنسبة لسليمان.

[30] - الأرشيف الوطني…، السلسلة E ، صندوق 16، ملف 22، وثيقة عدد18 بتاريخ 1-6-1933.

[31] - الأرشيف الوطني…، س E، ص67، م8 ،و47.

[32] - Sergent, E : Nocivité de la décoction de thé noir … .- Op. cité.- p. 406.

[33] - Sebag, P : Un faubourg de Tunis.- Op. cité… - p. 98.

[34] - Heutz, A : Boissons coloniales et essor du sucre.- Histoire de l'alimentation, op. cité.-p. 639.

[35] - هي ظاهرة تعود للفترة الحديثة لمزيد التفاصيل انظر:

- Larguech, D. : Territoire Sans Frontières, La Contrebande et ses Réseaux dans la Régence de Tunis au XIX °s, CPU, 2001.

[36] - الأرشيف الوطني …، السلسلة E ، صندوق 16، ملف22.

[37] - المصدر نفسه، ملف 22 وثيقة عدد4.

[38] - الأرشيف الوطني …، السلسلة E ، صندوق 16، ملف22. و27

[39] - الأرشيف الوطني …، السلسلةE ، صندوق 16، ملف22. و 14 عريضة من تجار سوق الغرانة بتاريخ جوان 1932 كذلك و 16عريضة بــ 133 إمضاء من تجار الشاي بصفاقس بتاريخ 4-7-1933.

[40] - عبد الرحمان الكافي العبيدي هو شاعر و أديب مثقف أصيل بوسالم ( الشمال الغربي التونسي) كان زيتوني التعليم يحسن القراءة و الكتابة والده كان قاضيا تطوع في الجندية الفرنسية في مطلع القرن و عمل نساجا تنعته التقارير الأمنية الفرنسية بالوطني الثوري إذ تعاطف مع الحزب الدستوري ثم مع الفرع الشيوعي بتونس وانتهى به الأمر إلى نوع من خيبة الأمل تجاه السياسة و السياسيين فدخل طورا من التهميش أو اليأس وقد اشتهر بقول الملزومة و هي جنس من الشعر الشعبي وقد كان لاذع النقد ضامر المعنى و أوقف وسجن عدة مرات بسبب أشعاره السياسية و الوطنية.

[41] - انظر تفاصيلها بملحق البحث.

[42] - Burnet, E. : Enquête sur l'alimentation en Tunisie.- In. Arch Inst Pasteur de Tunis, 28-12-1939.- p. 493.

[43] - Gobert, E : Comment les Tunisiens prennent le thé.- Op. cité.- p. 323.

[44] - انظر : -Sergent, E : Nocivité de la décoction de thé noir … .- Op. cité.- p.p. 406-407

-Uzan, M : Théisme et pathologie digestive en Tunisie.- Alger, 4° cong Ass Med, Mars 1937.

[45] - Burnet, E. : Enquête sur l'alimentation en Tunisie.- Op. cité.- p. 407.

[46] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة، بكرة R304، لورقة 697 بتاريخ 1926.

[47] - عبد السلام، أحمد : المؤرخون … نفس المرجع .

[48] -بوجرة، حسين : في تاريخ دخول الدخان للبلاد التونسية و مصدره.- في كراسات تونس، عدد 161، 1992.- ص.ص.17-36.

- بوجرة، حسين : الظاهرة الخمرية بالبلاد التونسية في العهد التركي.- في كراسات تونس، عـدد41-42.- ص.ص. 26-117.

[49] - Sami, A. : Le Haschich en Egypte.- Paris, Payot, 1971.- p.313.

[50] - Nahas, G : La Peste Blanche Du XX° siecle, La guerre de cocaine.- Paris, Ed Buchet / chastel, 1992

[51] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة ،بكرة R303 ،ورقة 789.

[52] -Nahas, G : Hachich, Cannabis et marjuan : Le Chanvre Trompeur.- Paris, Puf, 1976.

[53] - Le Grand Larousse Universal.- Paris, Ed, 1982, T3.- p. 2017.

[54] - Encyclopedia Universalis,Vol 6.- p.406.

[55] -  خوجة، حسين : ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان.- تونس، 1986.

[56] -  المكتبة الوطنية محطوطة عدد3280 رسالة الشيخ على النوري في تحريم الدخان.

[57] - ابن أبي الضياف، أحمد :الإتحاف.- الجزء3، ط 1979.- ص.121.

[58] - ابن ابي الضياف : الاتحاف…نفس المصدر، ج3.- ص.122

[59] - Larguech, D : La Contrebande et ses Réseaux … Op. cité.- p.p. 95-101.

[60] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة 789.

[61] - صدر أمر على في أفريل 1953 يمنع استهلاك و زراعة القنب الهندي ثم أردف بأمر على في أكتوبر 1955 لنفس الغرض و تم تطبيقه في نوفمبر بدون أي مراعاة للأحكام الانتقالية التي رافقت أمر 1953 والتي تركت باب الاستثناءات و تفيد المشافهات انه إبان الاستقلال زالت الظاهرة و لو ان بعض التونسيين واصلوا زراعته خلسة و في مطامير و اجباب تحت مستوى الأرض لكن مع سنة 1958 زال استعمال التكروري نهائيا بالبلاد.

[62] – هي تقريبا نفس مراسلات قياد نابل و الأعراض و سليمان و أولاد عون و الجريد و قفصة الخاصة باستهلاك الشاي حول هذا الموضوع انظر : الأرشيف الوطني، السلسلةE ، ص 67، م8 الخاص باحتكار بيع التكروري 1927-1955 وبه 188 وثيقة .

[63] - الأرشيف الوطني، السلسلة E، ص 67، م8، و94 بتاريخ 20-2-1934 مراسلة من المراقب المدني توزر إلى بيروطون.

[64] - Dr Guegan, F. : Alcoolisme Arabe.- in LA REVUE TUNISIENNE, n°113, 1906.- p.p.104-108.

[65] - الأرشيف الوطني، السلسلة E، ص 67، م8، و63 بتاريخ 22-6-1933 مراسلة عامل الأعراض محمد العزيز الجلولي.

[66] - نفس المصدر، و38 بتاريخ 14-4-1934 .

[67] - العريف، نور الدين : حصاد ذكريات.- دار سراس للنشر،200.-ص.ص. 157-158.

[68] - أثار الدكتور محمود الماطري قضية التكروري على أعمدة صحيفة لاكسيون في شهر فيفري 1933 ثم نشرت نفس الصحيفة في 29-3-1933 مقالا بعنوان 3 التكروري في الساحل 3 كان له وقعا كبيرا على الرأي العام الوطني و الاستعماري في آن واحد

[69] - الأرشيف الوطني، السلسلة E، ص 67، م8، و94 بتاريخ 20-2-1934 مراسلة من المراقب المدني توزر إلى بيروطون.

[70] -الأرشيف الوطني، السلسلة E ، ص 67، م8، و47 و هو تقرير من قايد سليمان.

[71] - الحشايشي، محمد بن عثمان : العادات و التقاليد التونسية.- تونس، دار سراس، 1994.- ص.163.

[72] - صدر هذا الأمر بالرائد الرسمي التونسي بتاريخ 18-5-1927.

[73] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة 792.

[74] - يصدر بداية من سنة 1927 إلى 1953 مرسوم إجرائي في أواخر فصل الصيف لتحديد مساحات الزراعة و القيادات المعنية .

[75] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية : أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة 792 و ما بعدها.

[76] - نفس المصدر و هو يحتوي على تقرير شامل حول زراعة التكروري بتونس.

[77] - الأرشيف الوطني، السلسلة E ، ص.67، م8، و164.

[78] - المصدر نفسه، تم أخذ الأرقام من المراسيم السنوية المنظمة لعلية زراعة القنب الهندي الذي يستخرج منه التكروري.

[79] - الأرشيف الوطني، السلسلةE ، ص.67، م8، الوثيقة عدد1 "أمر على في تحجير بيع و شراء وتحضير حشيشة التكروري بتراب الايالةالا على طريق إدارة القمرق".

[80] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة 797.

[81] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة،بكرة R303، ورقة 789.

[82] - نفس المصدر، ورقة 801.

[83] - المصدر نفسه.

[84] - الأرشيف الوطني، السلسلة E ، ص. 67، م8، و170.

[85] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية : أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة797 و قد انطلقت حملة الماطري على أعمدة صحيفة لاكسيون سنوات 1932و 1933.

[86] - المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية: أرشيف الإقامة العامة، بكرة R303، ورقة789.

معارف عسكرية و حداثة عمرانية كولونيالية. دور المهندسين العسكريين في تغيير المدن الجزائرية، مدينة وهران نموذجا (1831 - 1870)

حرب الغزو الاستعماري و التطورات التقنية العسكرية

يعد الاستعمار الفرنسي للجزائر العام 1830 بعثة عسكرية في قمة العنف، دشنّت مرحلة جديدة في أساليب الحروب الاستعمارية. و هكذا، سواء تعلق الأمر بفترة إعادة العرش (ماي 1814 - جويلية 1830) أو ملكية جويلية (جويلية 1830 - فيفري 1848) فكلاهما منحتا المبعوثين الفرنسيين كل الصلاحيات للقيام في الجزائر بعمليات غزو عسكري، و في الوقت ذاته، التكفل بمسألة التسيير السياسي العسكري للأقاليم التي كانوا يحتلونها.

و لم يكن الأمر يتعلق مطلقا، في البداية، بمشروع بعثة علمية أو أثرية، كتلك التي تمت في مصر (1798-1801) بإشراف نابليون أو في موريا (1829) بإشراف الملك شارل العاشر، و إنما مع تقدم احتلال المدن الساحلية، بلغت مفاجأة قادة البعثات بالتراث الأثري الذي يمتلكه هذا البلد أوجها، حيث كان هذا التراث غاية في الأهمية. و هو ما شجع فكرة مواصلة التغلغل العسكري من خلال عملية الاستكشاف العلمي التي تم تفويض مهامها بشكل كبير إلى ضباط من السلك التقني للجيش، و بالخصوص "السلاح العالم" بامتياز و المتمثل في الهندسة العسكرية.

"سلاح عالم" : الهندسة العسكرية

حتى و إن كان الحدث العسكري هو السائد قبل كل الاعتبارات الأخرى في الحملة العسكرية المرسلة إلى الجزائر، فإن فكرة الاستكشاف العلمي كانت قد جاءت فقط عندما جاب الجيش ربوع البلاد و استشعر ضخامة الثروة الأثرية. و هو الأمر الذي دفع ضباط الهندسة العسكرية الأوائل إلى الاهتمام عن قرب بجرد المعالم الأثرية، و خاصة المساهمة في تقنيات الاستطلاع الميداني. فقبل وصول الحملات العسكرية، تقوم الفرق الطوبوغرافية بمعاينتها، قصد التعرف على الأماكن القديمة للاستيطان الروماني... مع هذا، و بالموازاة مع هذه العمليات الطوبوغرافية، كان ضباط من الهندسة العسكرية و مهندسون جغرافيون يسجلون المواقع الأثرية، و الآثار المغليثِّية و يقومون بجرد النقوش و مسارات الطرق العسكرية الرومانية التي كانوا يصادفونها في طريقهم:" من ثمة، يمكن تفهم الإسهامات العديدة التي أضافها العسكريون لعلم الآثار، و أنه بشكل معكوس يكون بربريجر (Berbugger)، ماك كارتي (Mac Carthy) و أمثالهم، على دراية عالية بالحقائق المحلية"[1] .

المهندسون العسكريون يخترعون صورة جديدة للمدينة: بناء صورة المدينة « Imago Urbi »

لقد طورت القوى الأوروبية جنبا إلى جنب ( فرنسا، إسبانيا، بريطانيا العظمى) مند القرن السابع عشر، سواء على مستوى أقاليمها الوطنية أو ممتلكاتها الاستعمارية، فن رسم الخرائط و فن التحصينات[2] . فالتقنيات المتمثلة في الاستقصاء مثلا، و المسح الطوبوغرافي و رسم الخرائط تحسنت بشكل كبير و ساهمت كثيرا، ليس فقط في مجال العلوم العسكرية، بل لعبت أيضا دوراً مصيرياً في تطور التمثَّلات المرئية للمدينة.

و بالإشارة إلى هذا الجانب ، ترى مارتا. بولاك (Martha . D. Pollak) أن " المخططات التي قام بإنجازها و إعدادها المهندسون المعماريون العسكريون قد لعبت دوراً حاسماً في فهم المدينة بوصفها هيئة. و عموما، فإن هذا التجريد الوفي أصبح بمثابة أداة قوية تستخدم في التحكم و في تغيير الشكل الحضري من طرف المهندس أو المهندس المعماري"[3] .

فغداة نزول قوات الحملة الفرنسية بالجزائر، كلفت مصلحة الهندسة العسكرية بإنجاز أولى المخططات الخاصة بالمدن المحتلة. و فعلا، حظيت عملية رسم مخططات المدن باهتمام بالغ من طرف البعثات الفرنسية، كونها أداة عمل لا غنى عنها في معرفة استراتيجية المواقع الحضرية سواء من الناحية الدفاعية أو من ناحية السيطرة العسكرية. و هكذا تم على سبيل المثال سنة 1830 رسم مخطط لمدينة الجزائر من طرف النقيب مورين (Morin) ، يليه مخطط بولي (Pelet) سنة 1832 بمقياس 25000 /1 ، أما بوهران، فكانت مديرية الهندسة العسكرية تحت قيادة سافار (Savard) تجمع مختلف الأسلاك التقنية لجيش الهندسة: المهندسون الجغرافيون، الطوبوغرافيون و المختصون في مسح الأراضي (géodésie) ، ومهندسون مختصون في التحصين ... إلخ. و قد كان أول مخطط للمدينة استخدم من طرف قيادة الهيئة البعثية هو المخطط الذي قام بإنشائه بصورة مقتضبة بوهران في جانفي 1831، و باستخدام الوسائل المتوفرة، النقيب لوفيت (Levet) بالتعاون مع مساعده شافو(Chavot) . و في السنة نفسها، قام بيرار (A. Bérard) بإنجاز مخطط الإرساء لخليج وهران[4] متبوعا في السنة الموالية أي في سنة 1832، بمخطـط المهندس المدنـي بيزيرات (Pézerat) الذي كان أول مدير لمصلحة الجسور و الطرقات بوهران[5].

أما فيما يخص مخطط بيزيرات، يشير ليسباس (R. Lespèse) إلى مقارنة مع مخطط للمدينة الإسبانية القديمة لوهران و التي يفوق عمرها القرن من الزمن، موضحاً أنه" داخل حدود الحصن و من ثمة على الضفة اليسرى من الوادي، لم تحدث أية تغيرات في رسم حدود الطرقات التي بقيت خطوطها هي ذاتها إلى غاية أيامنا هذه" [6] .

و في سنة 1834 تم نشر خريطة ضواحي وهران و مرسى الكبير بمقياس 1/ 12500، و منذ ذلك الحين تلتها مخططات أخرى للمدينة و خرائط للضواحي كتلك الصادرة سنة 1840، إضافة إلى مخطط ضواحي وهران بمقياس 1/25000.

تطبيق التقنيات العسكرية في التهيئة العمرانية

و هكذا سرعان ما أصبحت مخططات المدن، بوصفها أدوات معاينة للمعطيات الطوبوغرافية للمواقع العمرانية، أداة ثمينة في عمليات التهيئة العمرانية بغية تحقيق أغراض عسكرية (الرصف، التسوية، التوسيع... إلخ).

فأول قائد في الهندسة العسكرية كلف في وهران بإنجاز أول مخطط تهيئة معمارية ذو طابع عسكري هو النقيب لوفريت (Levret) و نذكر أنه كان قد ساهم، بالتعاون مع المهندس المدني بيزيرات، في إنجاز مخططات الرصف و التسوية. و قد كان خلف سافار (Savard) على رأس مديرية الهندسة العسكرية قائد الكتيبة فوبان (Vauban)، و أقل ما يمكن قوله عنه هو أنه كان اسمًا لامعًا سواء في مجال عمليات التمتّين أو في مجال أشغال التهيئة العمرانية.

هذا، في حين استمرت المصالح المدنية، و مصلحة الجسور و الطرقات، و مصلحة البناءات المدنية و الطرقات في إنتاج رصيد وثائقي خرائطي ثري و متنوع حول المعطيات المادية للمواقع العمرانية، و ذلك في إطار المهام الموكلة إليها[7].

في هذا السياق، وضع أوسكار ماك كارثي (Oscar Mac Carthy)، المهندس جغرافي في جهاز الهندسة العسكرية، كل خبرته بوصفه رساما و مختصا في رسم الخرائط ، انطلاقا من سنوات 1860، في تعميم مخططات المدن الجزائرية الكبرى ، مثل مدينة الجزائر (مخطط بمقياس 1/5000 سنة 1862، و 1/15000 في سنة 1866)، قسنطينة (مخطط بمقياس 1/10000 سنة 1866) و مدينة وهران (مخطط 1/10000بمقياس سنة 1866) لينجز بذلك دليلاً للرحلات داخل الجزائر في القرن التاسع عشر[8].

و لكن الشخص الذي ساهم من خلال أعماله الجغرافية في تجسيد تمثيل لمدينة وهران وضواحيها، هو دون أدنى شك الضابط ديريان (Derrien)، الذي أنجز سنة 1874 خريطة جدّ هامة لمدينة وهران و ضواحيها بالألوان. خريطة يعود إليها الفضل في إظهار التصور المجالي للمدينة و ضواحيها قبل التغيرات العمرانية الكبرى التي طرأت عليها في القرن العشرين[9].

إعادة قراءة الماضي الاسباني العسكري للمدينة

شكلت مدينة وهران و ميناءها بفعل ماضيهما المتمثل في كونهما مركز قوة أستُعمر لأكثر من ثلاثة قرون من طرف قوة غربية تمثلت في اسبانيا (1505-1708، ثم 1732-1792)، موضوع عدة دراسات وصفية قام بها مراقبون أوربيون : رحالة، و عسكريون، و أسرى، و علماء الطبيعة، و رجال دين، و قناصل... إلخ : ليون الإفريقي (Léon l’African) (1550)، لويس مارمول-كارافاجال (Louis Marmol-Caravajal) (1573) دييقو سواراز كورفين (Diego Suarez Corvin) (1664)، الماركيز دي لاقاناز (Marquis de Léganés) (1665)، دون بيدرو دي كويبا (Don Pedro (de la Cueba (1732) ، دون أنطونيو كلايانا (Don Antonio Clariana) (1733)، دون ألونسو كاماشو (Don Alonso Camacho) (1774)، جون بييسونال (Jean Peysonnel) (1759-1694)، روني لويس ديسفونتان(René-Louis Desfontaines) (1750-1833)، توماس شو (Thomas Shaw) (1691 ( ?)-1794) ، دون لويز دويال (Don Luis Roèl) (1789). و لم يغفل أي منهم الإشارة، في رحلاته، إلى الأهمية الاستراتيجية لهذين الموقعين.

و عليه، فإن هذين الموقعين لفتا انتباه ضباط الهندسة العسكرية الفرنسية، الذين كانوا يرون في المنشآت المحصّنة التي أنجزها الإسبان الذين سبقوهم، دليلا على ارتقاء العلوم العسكرية الفرنسية، بما أن كل الإنجازات الدفاعية تلك، أعيدت من جديد خلال القرن الثامن عشر حسب المبدأ الذي وضعه المنظِّر الفرنسي فوبان (Vauban).

كل شيء في المدينة كان يذكر بالوجود الاسباني في الماضي القريب الذي لم تتمكن من محوه الحقبة الثانية (1792-1831) و هي الحقبة التي استرجع خلالها الجزائريون المدينة.

البحث عن وثائق أرشيفية حول المدينة

لابد من الاشارة أنه مع وصول الجنرال بيليسي (Pélissier) إلى قيادة المقاطعة العسكرية بوهران عرفت المبادرات الفردية و الجماعية للبحث عن تاريخ تحصينات وهران و ماضيها العسكري اهتماما بَالِغّا. و قد كان من البديهي، أنه في غياب جمعية عالمة أو مؤسسات أكاديمية، في تلك الفترة، أن تكون قيادة الهندسة العسكرية هي الهيئة الوحيدة التي بإمكانها التكفل بجمع الوثائق الأرشيفية و الخرائطية.

وفعلا، منذ بداية سنوات 1850، وضعت القيادة الهندسية حصيلة أعمال التحصين الموروثة عن الحقبة الاسبانية، و حررت "تقرير حول كل الأعمال المنجزة حول ساحات وهران و مرسى الكبير"[10]. و في المضمار نفسه، قام الكولونيل تربيي (Tripier) و هو مدير التحصينات بوهران، من خلال استخدام أرشيف الـقيادة، بتحرير "مذكرته العسكرية حول ساحة وهران" و هو عمل ضخم يتألف من 405 صفحة. و الدليل على هذا الاهتمام هو القصة الفريدة لهذه الوثيقة الأرشيفية الاسبانية المرتبطة بالتاريخ العسكري لوهران و التي، في غصون سنوات 1850، أرسلت من مدريد من طرف النقيب هارموا ( Harmois ) الملحق بالسفارة الفرنسية، إلى الجنرال بيليسي (Pélissier)، قائد المقاطعة العسكرية لناحية وهران الذي أوكل ترجمة هذه الوثيقة إلى اثنين من أقرب مساعديه و اللذان كانا كليهما ضابطين في الهندسة العسكرية: مساعده في المعسكر النقيب كاسان (Cassaigne)، و النقيب لاشو دي لوكيسي (Lachaud de Loqueyssie).

تم الفراغ من ترجمة المذكرة في شهر أوت من سنة 1851، مع إعطاءها عنوانا فرنسيا تمثل في:

« Exposé général de l’établissement complet de l’importance et de l’état actuel de défense des places d’Oran et de Mers-el-Kebir ».

و في الواقع، كان الأمر يتعلق بنسخة أنجزت انطلاقا من مخطوط باللغة الاسبانية كان محتفظا به في أرشيف وزارة الحربية بمدريد، مؤرخ في 31 ديسمبر 1772.

كان يرى هنري-ليون فاي (Henri Léon Fey)، الموظف المدني بـقيادة الهندسة لمقاطعـة وهران، و الذي كان على علم بالأمر خلال سنة 1851، أنه "من الواضح أن من قام بتحريرها هو جنرال إسباني من جيش الهندسة أثناء عملية تفتيش ساحة وهران"[11]. و قد كان في الواقع أول من تفطن للأهمية التي كانت تمثلها هذه الوثيقة الحصرية للأركيولوجيا العسكرية و التاريخ المَعْلَمي للمدينة أثناء الفترة الاسبانية، و نظرا أيضا لكمِّ المعلومات التاريخية التي كانت تحتويها.

لقد أوحت هذه المذكرة لـ هـ.ل.فاي (H.L.Fey) بفكرة كتابة مؤلف حول تاريخ مدينة وهران.

و بالإضافة إلى المصادر الوثائقية و الأرشيفية، أدرج فاي (Fey) شهادات أشخاص كانوا لا يزالون على قيد الحياة سنة 1850، من أمثال بيار مولان (Pierre Moulant)، و شوفالي دي تورسي (Chevalier de Torcy)، الذي كان قد خدم في حكم الاسبانيين بوهران، و خوان توريغروسا (Juan Torregrossa)، الذي كان يبلغ من العمر خمسة عشر سنة العام 1790 و الإمام السابق للباي محمد الكبير. و قد نشر كتابه سنة 1858 و المعنون "تاريخ وهران، قبل، أثناء و بعد الهيمنة الاسبانية".

و يقول بشأن الدافع الذي جعله يكتب هذه الصفحة من تاريخ وهران:" لمساعدة الباحثين في المستقبل قمنا، بشكل ديني و بعناء شديد بجمع و تصنيف المواد المبعثرة و الضرورية لاستكشاف الأزمنة الأولى لهذه المدنية المميّزة"[12].

و لكن هذه الوثيقة كانت قد بقيت، قرابة سبعين سنة، لا تحمل إسما لأي مؤلف. و هكذا، كان لابد من انتظار سنوات 1920، حتى يتمكن جون كزيناف (Jean Cazenave) من الكشف عن إسم صاحبها الحقيقي و ذلك إثر أبحاث قام بها في المكتبة الوطنية بباريس. يتعلق الأمر بالكولونيل الإسباني قائد سلك ضابط الهندسة العسكرية، "دون ارنلدو هونتابا" (Don Arnaldo Hantabat) صاحب المذكرة الموسومة ب:

 « Relación general de la Consistencia de las Palazas de Oran y Mazarquivir (el 31 de deciembre 1772) »[13].

و مع هذا، و بضربة حظ أو خطة سياسة مدروسة، كانت وزارة الحربية قد كلفت في الفترة نفسها أحد موظفيها المدنيين، مالشيور تيران (Melchior Tiran) بجمع الكتابات التي تحيل إلى هيمنة العرب بإسبانيا و خاصة تلك المتعلقة باحتلال الاسبانيين للسواحل الإفريقية، كما أنه كلف أيضا بالاهتمام بالأحداث المختلفة التي وقعت في تاريخ حروب القرنين السابع عشر و الثامن عشر، حيث تم تحويل جزء كبير من هذه الوثائق الأرشيفية الاسبانية التي جمعها مالشيور تيران فيما بعد للحكومة العامة في الجزائر. و من المحتمل أن تكون وزارة الجزائر و المستعمرات هي الجهة التي أشرفت على هذه العملية.و حتى يفيد من هذا المخزون المعرفي بما في ذلك الوثائق الخاصة بالاحتلال الاسباني لوهران، قام مالشيور تيران بكتابة (من بين ما كتب) سنة 1847 " وثيقة حول وهران خلال فترة الاحتلال الإسباني"[14] .

جمع رصيد خرائطي من الخرائط القديمة لمدينة وهران

مع هذا، و بالرغم من الزخم الوثائقي الخرائطي الذي تراكم لدى الإسبانيين خلال فترتي احتلالهم للمدينة من 1509 إلى 1792، مع فترة انقطاع دامت من 1708 إلى 1732، كمخططات المدينة و ضواحيها، خرائط للمنطقة الوهرانية و المنجزة بتقنيات مختلفة و مثيرة من حيث المقياس و نوعية الرسم[15]، إلا أن الإسبانيين لم يكونوا هم لوحدهم من أنجز وثائق خرائطية حول مدينة وهران. فالكثير من الدول الأوروبية، و من ضمنها القوى البحرية التي سـادت في تلك الفترة، و التي كانت تهتم بحوض البحر الأبيض المتوسط، كانت تمتلك رصيدا خرائطيا ساحليا " بربريسكيا" خاصا بها، و بالخصوص فرنسا، إذا ما أخدنا بـعين الاعـتبار المخططات العديدة و الخرائـط الفرنسية و من بينـها رصيـد وزارة البحرية، وزارة الشـؤون الخـارجية، و المـكتبات و مستودعات أرشيف مختلف الموانئ التي كانت لها علاقة بوهران[16] .

بالموازاة مع جمع الوثائق الإسبانية، تمت عدة أبحاث على مستوى الأرشيف بغية تشكيل رصيد من الخرائط القديمة الخاصة بمدينة وهران، و بالأخص الخرائط الإسبانية[17] . و هكذا قام المولعون بالكتب النادرة و الكُتّاب المهتمون بتاريخ الجزائر بجمع الخرائط و المخططات، و من بينهم لويس بيس( Louis Piesse)، موظف بوزارة الحربية و مراسل " المجلة الإفريقية و " الذي ندين له من قبل بالعديد من المخططات القديمة غير المنشورة لمدن الجزائر [18] ، فقد اهـتم هـذا الأخيـر بجمع، على مستوى المكتبة الإمبراطورية المتواجد بشارع ريشليو ( Richelieu)، المخططات و المناظر المميزة للجزائر. و هذه الوثائق هي وثائق حصرية بالنسبة للأغلبية. فقد حصل من م. دفيريا ( M.Davein) محافظ المطبوعات بتصريح لاستنساخ هذه الوثائق"[19] . و بالإضافة إلى ذلك، نحن مدينون لبييس (Piesse) بإنجاز تصميم بالريشة لمنظر من مناظر وهران لوهران، مؤرخ بسبتمبر 1732، و لوحة بالريشة تمثل وهران و تموضع الكتائب التركية أثناء حصار وهران سنة 1708.

و في تبريره لأبحاث لويس بييس، يشير أدريان بربريجر أن " مؤرخي الفترة التركية يفتقدون غالباً للدقة، نظرا لنقص المخططات و الخرائط المعاصرة عندما يصفون الغارات البحرية التي شنتها في فترات مختلفة أمم أوربية. البحوث التي قام بها م.بييس و التي تمت متابعتها لحسن الحظ، و سدّت فجوة عميقة في هذا المجال[20] و بتأليفه لدليل الجزائر المشهور، أكد لويس بيس أنه اطلع "بالنسبة لتاريخ التوسيعات المتلاحقة لمدينـة وهـران، على مخططات قديمـة، هي في حوزته مثل رحلات شو (Shaw) و كتاب م. فاي (M. Fey) "[21] .

الرؤية الأثرية و المعلمية لتاريخ المدينة

لم تكن وهران تظهر بمظهر المدينة التي يغلب عليها الطابع العربي الإسلامي الذي كان يميز غيرها من المدن التقليدية الجزائرية كمدينة تلمسان و معسكر أو مازونة على سبيل المثال. و باستثناء بعض البنايات الموروثة عن الأزمة الجّد قصيرة لإعادة احتلال المدينة من قبل الجزائريين- عثمانيين في الفترة الممتدة ما بين سنوات 1708-1732 وسنوات 1792- 1831، فإن الجزء الأهم من ميراثها الأثري و المعماري تدين به تحديداً إلى فترة التواجد الطويلة للإسبانيين، و التي جعلت منها سواء على المستوى الدفاعي أو المستوى الحضري مدينة تهيمن عليها صبغة التصميم الغربي.

مع ذلك يبدو جليّا أن طريقة التعامل هذه مع الموروث التاريخي للمدينة لم يساعد على الوعي المبكر بضرورة الحفاظ عليه و تثمينه، بل بالعكس، فقد ساهم هذا في تدمير العديد من الآثار و بالتالي اختفائها بسبب أشغال رفع الأنقاض التي كانت لا تزال موجودة في بعض المناطق من المدينة منذ زلزال سنة 1790، أو بسبب عمليات فتح الطرقات و الحفر في النسيج الحضري القديم.

و في سنة 1839 قامت لجنة الاستطلاع العلمي للجزائر، التي كانت تحت سلطة وزارة الحربية، و المتكونة من عشرين عضواً أكاديمياً و ضابطا في جيش إفريقيا و التي شرعت في مهامها سنة 1840، بإعطاء صبغة البعثة العسكرية- العلمية للتدخل الاستعماري، على شاكلة بعثة مصر التي تم فيها تجنيد عسكريين و علماء. و لكن بالرغم من الأعمال التاريخية و الأثرية الهامة التي تمت في إطار هذه النشاطات، لم يستفد الموروث الأثري لمدينة وهران كثيرا من انجازات العلماء من أمثال المهندس المعماري إيمابل رافوازي (Aimable Ravoisie) أو قائد المدفعية أدولف هـ . دلامار ( Adolphe H. Delamare) ، اللذين قاما بجرد و تحديد مواقع و معالم أثرية في العديد من المدن الجزائرية[22]. و لفترة طويلة قبل إنشاء الجمعية العالمة للمدينة سنة 1878 و ذلك بمبادرة من أحد ضباط البحرية، تحملت جمعية الجغرافيا و علم الآثار لناحية وهران، على عاتقها مهمة الدراسة التاريخية و الدفاع عن المورث الأثري لمدينة وهران و ضواحيها [23].

و مند خمسينيات القرن التاسع عشر (1850)، أدرك المهيؤون العمرانيون خصوصية و أهمية الآثار الإسبانية للمدينة. و لم يكن هذا الاهتمام ذاته غريبا عن قرار إنشاء لجنة الإرشادات العامة للمعالم التاريخية و المتاحف الأثرية في الجزائر[24] و الذي اتخده الماريشال روندون (Maréchal Randon) سنة 1854 و لم تتوقف مبادرة الماريشال روندون عند هذا الحدّ، " لمنح الدراسات التاريخية المحلية القوة و الفعالية التي تنتج عن اتحاد جهود كل الرجالات الأكفاء، بل دفع نحو تأسيس جمعية خاصة على مستوى عاصمة الجزائر"[25] .

إنها "الجمعية التاريخية الجزائرية" التي أسسها أدريان بربريجر (Adrien Berbrugger) و الذي كان أيضا أول رئيس لها، حيث قام من خلال إحدى توصياته في مجال المحافظة على المعالم التاريخية و الأثرية، "تكليف الهندسة العسكرية على وجه الخصوص بجمع المعالم القديمة الموجودة في كل الأماكن و الحفاظ عليها. إنها المصلحة التي كانت تمتلك من المستخدمين و الأجهزة ما يمثل أقوى وسائل العمل للوصول إلى الهدف المنشود"[26]. كما كانت الجمعية تتطلع أيضا إلى إنشاء لجنة أثرية دائمة، يتم انتقاء أفرادها من كل منطقة "من المستخدمين في الهندسة، و في مجال الجسور و الطرقات،

و البناء المدني...إلخ. و يحرصون على تجميع الأشياء القيمة و ترتيبها و الحفاظ عليها. و لم يكن هناك أحد ممن طلبنا منه ذلك إلا و قبِّل بكل سرور هذه المهمة النبيلة"[27]. و انطلاقا من قوة هذا الموقف الجديد للسلطة المركزية حيال الموروث التاريخي و الأثري للجزائر، فإن السلطة المحلية بوهران، سواء المدنية أو العسكرية، قد سارت على الوتيرة نفسها. هكذا، وجدت موجة حقيقية لجمع المواد الأثرية القادمة من كل الضاحية الوهرانية. و لانعدام مكان مناسب للمحافظة عليها، تم وضعها في البداية في ساحة مدخل شاطو نوف(Château Neuf) ثم بعد ذلك في منتزه ليتان ( Promenade de L’étang). 

عكف أ.بربريجر أثناء زيارته لمدينة وهران سنة 1862 على دراسة الكتابات اللاتينية، العربية و الإسبانية التي وجدت هناك [28]. و بخصوص هذا الأمر، يتحدث، من باب الدعابة، عن حدث كان شاهدا عليه في منتزه ليتان حيث لم تكن إحدى " الغرائب" الأثرية الموضوعة إلى جنب جدار مقهى لا تظهر للعيان إلا "عندما كان يحلو لصاحب المقهى أن لا يخفيها خلف برميله"[29] و كان يأسف، في الأخير أن لا يكون لمدينة بمكانة مدينة وهران" مقام خاص لاستقبال و الاحتفاظ بالآثار القديمة التي تكتشف في الضاحية" [30].إن حركة الاهتمام بالمعالم التاريخية و جمع المواد الأثرية ( الكتابات و الأجسام الثمينة)، الشاهدة على ماضي المدينة، قوّت من عزيمة الكثيرين في الجمعية، فلم يعد الاهتمام منحصرا عند ضباط الهندسة فحسب، إنما تجاوزهم إلى المدنيين الذين بدأوا هم أيضا المساهمة فيه بشكل فعال: مقاولون في الأشـغال العمومية، موظفون في مختلف المصالح المدينة (الجسور، و الطرقات، البناء المدني و الطرق، أملاك الدولة....إلخ[31] ).

فهنري- ليون فاي الذي ظهر في موقع مميز بين هؤلاء، كان يقوم بالموازاة مع التنقيبات الأثرية في مختلف المواقع بالضاحية الوهرانية، بجمع الكتابات التي كانت لا تزال موجودة في مختلف البنايات و المعالم المشيدة في الفترة الإسبانية و العثمانية. كانت هذه الكتابات التي جمعها بمثابة المواد الأساسية لكتابة مؤلفه حول تاريخ وهران.

لم تبق إسبانيا على هامش هذه الحركة، ففي سنة 1844، أرسلت على عجل ضابط سام و هو الجنرال دون كريبسا كسيمنياس دي ساندوفال Don Crispin Ximenez de Sandoval رسميا في مهمة إلى وهران للقيام بجمع الكتابات كاستيه (قشتالية) inscriptions castillanes) ) و قد اعتمد أيضاً على مخطوط مؤرخ وهران تابالوسس ( Tabalosos ) و على كتاب هنري .ليون. فاي [32].و هذا إن دل على شيء، إنما يدل على المكانة التي كانت لا تزال تشغلها مدينة وهران في الذاكرة التاريخية الإسبانية. بالإضافة إلى القطع الأثرية المودعة بشاطو نوف( Château Neuf ) و منتزه ليتان، وضعت العديد من الألواح التي تحمل كتابات من طرف مهندسين عسكريين و مدنيين و مقاولين في ساحة مصلحة الجسور و الطرقات، أما بالنسبة لترجمة الكتابات العربية فغالبا ما كان الموظفون المحليون هم الذين يتكفلون بهذه المهمة مثل، بيكس ( (Bexو ش. كوسون ( ((Ch.Cusson، و يتم ذلك أحيانا بحضور بعض المعربين الكبار من أمثال بروسني[33] ( Bresnier ).

صراع الصلاحيات بين ضباط الهندسة العسكرية و المهندسين المدنيين

لم يكن يظهر منذ بداية الغزو، أن رجلا بمرتبة جنرال يأبه كثيرا بالمصالح المدنية. لقد قام هذا الأخير باستبعادها-بالأخص مصلحة الجسور و الطرقات- من كل عمليات فتح الطرقات الجديدة، وقام في الأقاليم العسكرية باستبدال المهندسين المدنيين بضباط من الهندسة العسكرية. وعليه فإن مهمة تسيير الأشغال المدنية و العسكرية كانت توكل إلى هذا السلك الأخير. و في هذا الإتجاه تم أخد القرارات الوزارية المؤرخة في 25 مارس و 5 أوت 1843، التي أوكلت الأشغال العمومية إلى الهندسة العسكرية، و التي كان عليها ، بالإضافة إلى ذلك، القيام بوظائفها بمعية المستخدمين المدنيين و إذا ما عدنا إلى القرارات الوزارية المؤرخة في 25 مارس و 5 أوت 1843، فإننا سنلاحظ أنها لم تكن إلا ترسيما لواقع فعلي يتمثل في وضع المصالح المدنية للاشغال العمومية تحت وصاية الهندسة العسكرية. و هو الأمر الذي لم يفتأ أن أخرج للوجود مجددا النزاع الذي سبق أن شبّ في فرنسا في القرن السابع عشر بين مهندسي الهندسة العسكرية و الهندسين المدنيين [34]، و لكنّ المهندسين المدنيين تحت ضغط السلطة العسكرية في الجزائر كانوا مضطرين لقبول تلك الوصاية المفروضة عليهم.

و تجدر الإشارة إلى أن الغياب شبه التام للمصالح المدنية القادرة على التكفل بالأشغال العمومية لم يترك للمهندسين المدنيين الكثير من الخيارات حيال الاستغناء كلية عن مساهمة المهندسين العسكريـين، و الذين كانوا، كما يشير إليه كزافيي مالفاتي ( Xavier Malverti) في الوقت ذاته مهندسين (مختصين في تقنية المسح) ، مسيرين و إداريين لمدن تمّ إنشاؤها في الجزائر في الفترة الممتدة بين سنة 1840 و 1860، و هم يضفون على أعمالهم نزعة براغماتية .هذه الميزة مكنتهم من خلق أدوات حضرية يمكن تطبيقها على مناطق مختلفة جدا. و يمكن لمس هذه الميزة في عنصرين أساسيين من عملهم: القدرة على التطلع إلى المستقبل و تصور تطور هذه المخططات عـلى مرّ الزمـن و ذلك منذ بداية وضع المشروع "[35]. من جهة أخرى، كان لا بد من انتظار الأمر الملكي الصادر بتاريخ 15 أفريل 1845 حتى يتم الحاق الأشغال العمومية بالسلطة المدنية، أي بمديرية الداخـلية. و هي السنة ذاتها التي عيِّن فيها مارسيي لاكونب (Mercier Lacombe) نائـب مدير الداخلية و الأشغال العمومية بوهران .

و في ظل السياق نفسه، لا بد من الاعتقاد أن إعادة تنظيم مديرية البناء المدنية و الطرقات سنة 1847، التي تم تأسيسها بمدينة وهران و مدينة الجزائر في الوقت ذاته (1843)، كانت مبادرة من الجنرال لامورسيار الذي كان متواجدا بمدينة وهران. و فعلا قسمت هذه المديرية إلى ثلاثة مصالح: مصلحة المناجم التي كان يديرها المهندس "فيل" (Ville) و هو جيولوجي معروف، مصلحة البناء المدني التي أُوكِلت إلى المهندس ديبول (Dupoul) و أخيراً مصلحة الجسور و الطرقات و هي المصلحة الأكثر أهمية من بين المصالح المدنية، (و كان أول مسؤول عنها هو المهندس بيزيرات) أوكلت إلى أوغست أوكور (Auguste Aucour) مهندس الجسور و الطرقات الذي تبين سريعا أنه مساعد ثمين، إذ استطاع الفوز بإعجاب المهندسين العسكريين، و قد كانت الآمال معلقة كثيرا على مصلحة الجسور و الطرقات التي من خلال تنظيمها و تقليدها الطويل كانت هي المصلحة التي توفر أجود الضمانات لدراسة و إنجاز المشاريع.

النصوص الأولى لتحديد الصلاحيات: قانون الطرقات نموذجاً

يعد مرسوم 8 أكتوبر 1832 من بين أولى النصوص الصادرة في الجزائر في مجال التخطيط الحضري و يخص التنظيم العام للطرقات، ثم جاء بعده مرسوم 8 ماي 1833 الـذي وقــعه فوارول (Voirol)

و الذي ينص على إنشاء مجالس للطرقات في الجزائر و وهران و عنابة. و قد استوحت مصالح الهندسة العسكرية هذا القانون الخاص بالطرقات عن القانون الفرنسي الذي يعود إلى القرن الثامن عشر و الذي كان يعتبر مجرد " مسحج بسيط" للنسيج الحضري القديم حين" يشرح جاستون باردي (Gaston Bardet) أن المسحج سينتهي بانتزاع ما تبقى للمدينة من طبع بوهيمي و قروي، من أجل توحيد كل الأحياء، الضواحي و القرى التي كانت متفردة من قبل في شكل مصنف كبير يحمل لاصقات بشكل جيّد" [36].

و عليه، و في سنة 1842، طلب مدير الداخلية من وزارة الحربية إنشاء سلك المهندسين ضمن إدارته. و قد عارض الجنرال بيجو ( Bugeaud) ذلك بشدة ، علماً أنه كان الحاكم العام في تلك الفترة و أنه كان يفضل أن تتكفل الهندسة العسكرية بالأشغال العمومية. هذا في حين أنه بعد مرور سنة، عدلت وزارة الحربية عن قرارها، و منحت الإدارة المدنية مصلحة جديدة من خلال قرارين صادرين في 25 مارس و في 30 أوت 1843: و هي مصلحة البناء المدني و الطرقات [37].

و في سنة 1845، وفي أعقاب التحولات العميقة التي تعرض لها النسيج الحضري لمدينة الجزائر جاء قرار الحاكم العام المؤرخ في 4 أوت 1845 لتقنين تسمية الطرقات، و الساحات و المنتزهات، و لكن النص الأساسي الذي حلّ صراع الصلاحيات بين مختلف المصالح حول مسألة الطرقات، العمران و الأشغال العمومية هو بدون منازع، مرسوم وزارة الحربية المؤرخ في 27 جانفي 1846 الذي ينص على " تقسيم الأشغال العمومية بين مختلف المصالح"[38]. يشرح هذا المرسوم بشكل واضح، خاصة في مادته السابعة أن " انجاز مخططات المدن و مراكز تواجد السكان سواء القديمة، أو التي سيتم إنشاءها، والتقليص من مخططات الرصف هي من صلاحيات مصلحة البناء المدني على مستوى الأقاليم المدنية و من صلاحـيات مصلـحة الهندسة العسكرية على مستوى الأقالـيم العسكرية و العربية[39].

الخاتمة

لقد تمكن ضباط البعثة الفرنسية، و بخاصة أولئك الذين ينتمون إلى سلاح الهندسة العسكرية القادمين من مختلف الهيئات العسكرية، بتحقيق شهرة واسعة سواء في الجزائر أو في بلدان البحر الأبيض المتوسط الأخرى التي عرفت احتلال الجيش الفرنسي، خاصة مصر (سنوات 1798-1801)

و الموريا ( سنة 1828) لاهتمامهم العلمي بكل ما يمس ماضي هذه البلدان و حقبها القديمة[40]. و مع ذلك، فإنه غني عن البيان أنه " بفضل تكوينهم الأصلي و انتماءهم إلى جيش عالم اهتم ضباط الهندسة العسكرية بتاريخ و جغرافيا الأقاليم المفترض غزوها. لقد تعلموا اللغة، و درسوا عادات السكان و الفضاءات التي كانوا يعيشون فيها. فهذه المعرفة الدقيقة بالأماكن التي كانوا يحتلونها كان لها أثر في طبيعة المشاريع التي أنجزوها "[41]. مع هذا، فإنهم كانوا في الجزائر، أكثر من أي بلد آخر، بمثابه أداة لانتقال الحداثة الاستعمارية[42].



ترجمة :

الهوامش

*مقال سبق نشره باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات العدد 23-24، جانفي - جوان 2004 بعنوان :

« Savoirs militaires et modernité urbaine coloniale. Le rôle des ingénieurs du génie dans la transformation des villes algériennes. Le cas d’Oran (1831-1870) ».

و هو مداخلة تم تقديمها بالملتقى الدولي الذي نظم بالتعاون مع اليونسكو و اللجنة الدولية للعلوم التاريخية، معهد اللغات جامعة محمد الخامس، الرباط أيام 11-13 ديسمبر 2003.

** مختص في التاريخ و علم الاجتماع، باحث في مركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، وهران، 31000، الجزائر.

[1] Frémeaux, J. (1984), « Souvenirs de Rome et présence française au Maghreb : essai d'investigation », in CRESM. Connaissance du Maghreb, Sciences sociales et colonisation, s/d. de J.-C. Vatin. Paris, Éditions du CNRS, p. 29-46, p. 37.

[2] Voir le numéro spécial de la revue URBI consacré à l'architecture militaire. URBI, XI, Liège, Pierre Mardaga Éditeur, été 1989.

Boutier, J. et Teiysseyre-Sallmann, L. (1984), Du plan cavalier au plan géométrique. Les mutations de la cartographie urbaine en Europe occidentale du XVIe au XVIIIe siècle, Paris, Colloque du groupe de travail international d'histoire urbaine, multigr, 30 p.

[3] Pollak, M-D. (1989), Introduction, URBI, XI, Architecture militaire, Liège, Pierre Mardaga-Éditeur, p. V.

[4] "مخطط مرفأ مرسى الكبير (خليج وهران). تم قياسه سنة 1832 من طرف م.أ. بيرارد (M.A. Bérard)، القائد بريك (commandant le Brik) ،. "لواريه") Le Loiret ( في مستودع البحرية سنة 1832". إطلع عليه ر. تانوان(R.Tinthoin) في الأرشيف البلدي لمرسى الكبير.

Tinthoin, R. (1956), Mers-el-Kébir, le grand port, Etude de géohistoire locale bimillénaire, Oran, Heintz frères.

[5] يشير ر .ليسباس أن المخطط الموسوم " مخطط مدينة وهران 1832، و الذي أنجزه بيزيرات، حصل عليه بفضل م.فونتنو(M.Fonteneau) ، نائب مدير الأشغال البلدية." يضيف ليسباس أنه ليست هناك إشارة لمقياس الرسم، " لكن من المهم جدا الاطلاع عليه (....) حيث من السهل جدا التعرف على الطرقات الموجودة فيه و مقارنتها بتلك الموجودة في المخطط الإسباني"

Lespès R. (1938), Oran, étude de géographie et d’histoire urbaines, Paris, Alcan, Alger, Carbonel, p. 142 note 2.

هناك صورة فوتوغرافية لمخطط 1832 تم الاحتفاظ بها في مديرية الأرشيف لولاية وهران.

[6] ليسباس رونيه، المرجع نفسه ص 142.

[7] لقد أشار ب. تساكوبولوس ( P.Tsakoponlos) إلى ثراء سلسلة مخططات التهيئة التي قام بها المهندسون العسكريون، و المحتفظ بها في أرشيف الهندسة العسكرية بقصر فانسان ( Château de Vincennes) و التي تشهد، حسب قوله على سيرورة التحول المعماري في المدن الجزائرية مند بداية الاستعمار، أي أنها شواهد على التغيرات المفاجئة للبنية القديمة و الهندسة المعمارية لهذه المدن. هذه المشاريع و الكشوف الدقيقة للبناء التركي-المورسكي تمثل أيضاً مجموعة من الوثائق الثمينة حول الهندسة المعمارية الجزائرية ماقبل الكولونيالية، مع الإشارة أنه ليس ثمة وثائق مشابهة بالنسبة لمدن الموريا . (La Morée)

Tsakoponlos, P. (1996), « Techniques d’intervention et appropriation de l’espace traditionnel. Lurbanisme militaire des expéditions françaises en Méditerranée », Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, n.73-74, p. 226, note 46.

[8] نذكر من بينها :

Bérard, V. (1867), Indicateur général de l'Algérie, Alger, Bastide.

حول الفائدة الموجودة في هذه المخططات الخاصة بالمدن الصادرة في دلائل السفر، ينظر:

Buisseret, D. (1989), Les plans de ville, sources pour l'histoire de l'urbanisation en France, URBI, n°XI, Liège, Pierre Mardaga-Éditeur.

[9] كرسّ إزيدور ديريان (Isidore Derrien) تقريبا كل مسيرته المهنية في سبيل رسم خرائط للجزائر، فلسطين، و إفريقيا. كما كان رئيسا لجمعية الجغرافيا و علم الآثار لضاحية وهران ( 1896-1904) و أسس سنة 1896 مرصد الأحوال الجوية الذي كان مقره سانتا كروز ( Santa Cruz) و يظل كتابه المعنون " الفرنسيون في وهران " و الصادر سنة 1886 ب "إيكس" ( Aix) حتى أيامنا هذه مرجعاً لا غنى عنه حول تاريخ المدينة.

[10] Fey, H-L. (1858), Histoire d'Oran, avant pendant et après la domination espagnole, Oran, Ad. Perrier, p. 141.

[11] المرجع نفسه، ص،3

[12] المرجع نفسه.

[13]"Relacion general de la consistencia de las Plazas de Oran y Mazarquivir, por el Coronel commandante de Yngenieros Don Harnaldo Hontabat... (El 31 de Deciembre 1772)." Traduction des capitaines Cassaigne et de Loqueyssie 1851. Préface de M. le Commandant Pellecat G. (1924), Bulletin de la Société de Géographie et d'Archéologie d'Oran, (Tiré à part 88 p.).

[14] Tiran, M. (1847), Notice sur Oran pendant l'occupation espagnole, Paris, Archives du ministère de la Guerre.

[15] Epalza, M-D. et Vilar, J-B (1988), “Planos y mapas hispanicos de Argelia. Siglos XVI-XVIII“. Plans et cartes hispaniques XVIe-XVIIIe siècles. (Edition bilingue). Madrid, Instituto Hispano-Arabe de Cultura.

[16] أشار جون كازيناف ( Jean Cazenave) سنة 1933 إلى بعض الوثائق الأرشيفية الفرنسية التي كانت تتضمن خرائط و تصميمات لمدينة وهران، قبل الفترة الكولونيالية .

Cazenave, J. (1933), Les sources de l'histoire d'Oran. Essai bibliographique, Oran, Bulletin de la Société de Géographie et d'Archéologie d'Oran, sept.-déc, p. 303-379.

[17] هكذا كان بالإمكان الحصول على التصميمات التالية:

تصميم ساحة المرسى الكبير و المرسى (1751).

صميم ساحة وهران و مرسى الكبير (1757).

تصميمات وهران و مرسى الكبير من 1775 إلى 1790، حسب أرشيف مستودع الحرب، بمدريد.

[18]ملاحظات أدريان بربريجر، المجلة الإفريقية، عدد 1، 1856-1857،ص. 506.

[19] المرجع نفسه ص. 66

[20] المرجع نفسه ص. 231.

[21] Piesse, L. (1862), Itinéraire historique et descriptif de l'Algérie, comprenant le Tell et le Sahara, Paris, Hachette, coll. "Guides Joanne", p. 207.

[22] Gran-Aymerich, È. (1998), Naissance de l'archéologie moderne 1789-1945, Paris, CNRS -Edition, p. 154.

[23]Benkada, S. (1999), «La Société savante, rupture et continuité d'une tradition associative : le cas de la Société de Géographie et d'Archéologie d'Oran », Oran, Revue Insaniyat, CRASC, n° 8, p. 119-128. 

2000, « Un patrimoine culturel : Les publications de la Société de Géographie et d'Archéologie d'Oran (1878-1988) », Revue Insaniyat, CRASC, Oran, n° 12, p. 115-128.

[24] Berbrugger, A., « Introduction », Revue Africaine, n°1, 1856-1857, p. 8.

[25] المرجع نفسه، ص. 8.

[26] المجلة الإفريقية، العدد 1، 1857، ص. 153.

[27] المرجع نفسه.

[28] Berbrugger, A., « Chronique», Revue Africaine, n° 6/1862, p. 394.

[29] Berbrugger, A., « Ruines du Vieil-Arzeu », Revue Africaine, n° 2, 1857-1858, p. 182.

[30] Berbrugger, A., « Province d'Oran, Aïn Témouchent», Revue Africaine, n° 1,1856-1857, p. 50.

[31] للحصول على فكرة عن هذا الاندفاع، لا بد من العودة إلى سجل الجرد للمتحف الوطني أحمد زبانة، قسم " وهران القديمة، و دليل المتحف نفسه الذي أنجزه ديمايت لويز ( (Demëght Louis.

[32] Sandoval, Don C-X de. (1867), Las inscripciones de Oran y Mazalquivir. Noticias sobre ambas plazas desde la conquista hasta su abandono en 1792, Madrid, R. Vicente, traduit par le Dr Monnereau. « Les inscriptions d'Oran et de Mers-el-Kébir », Revue Africaine, 1871- 1872.

ترجمة الدكتور مونرو (Dr. Monnereau) " كتابات وهران و المرسى الكبير". المجلة الإفريقية، 1871- 1872.

[33] Fey, H-L., op.cit., p. 271.

[34] يشرح أونتوان بيكون(Antoine Picon) هذا التنافس الموجود بين المهندسين العسكريين ومهندسي الجسور و الطرقات، في فرنسا من خلال " امتلاك الفريق الأول ميزة الأسبقية و التكوين العلمي العالي.

Picon, A. (1989), Naissance du territoire moderne : génie civil et militaire à la fin du XVIIIème siècle, URBI, ni.XI, été, p. CIV.

[35] Malverti, X. (1996), « Les officiers du génie et le dessin des villes en Algérie (1830-1870) », in Bruant, C., Leprun, S. et Volait, M., (dir.), De « Figures de l'orientalisme en architecture », Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, n° 73/74, p. 242.

[36] Bardet, G. (1954), Naissance et Méconnaissance de l'urbanisme, Paris.

[37] Burth-Levetto, S. (1996), « Le Service des bâtiments civils en Algérie (1843-1872). Entre discours et réalité », in Bruant, C., Leprun, S., et Volait, M. (dir.), de « Figures de l'orientalisme en architecture », Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, n° 73/74, p. 137-152.

[38] مع بداية الاستعمار، تم تكليف الهندسيين العسكريين بالأشغال العمومية و الذين، انطلاقا من سنة 1843 ( القراريين الوزاريين المؤرخين في 25 مارس و 5 أوت 1843)، شرعوا في أداء مهامهم بمعية مستخدمين مدنيين. فحسب الأمر الملكي المؤرخ في 15 أفريل 1845، تعد الأشغال العمومية من صلاحيات مدير الداخلية.

يحدد المرسوم الوزاري المؤرخ في 27 جانفي 1846 بشكل واضح صلاحيات الهندسة العسكرية و المصالح المدنية. ففي الإقليم المدني لم تعد الهندسة العسكرية مكلفة سوى بالأشغال الخاصة بوزارة الحربية. أما في الإقليم العسكري، فهي مسؤولة عن كل شيء.

مركز الأرشيف ب أوترمار ب إيكس .بروفونس، أرشيف الحكومة العامة للجزائر مجموعة ن، ( série N) للأشغال العمومية.

Direction générale des Archives nationales, (1998),. Colloque international sur les archives concernant l'histoire de l'Algérie et conservées à l'étranger (16-19 février 1998), Publications des Archives nationales d'Algérie, n°8, p. 84.

[39] توضح المادة 8 من مرسوم 27 جانفي 1847 أن: " القواعد التي لا بد أن تنجز حسبها عمليات التسوية و الرصف في كل المناطق هي قواعد تحددها مسبقاً اللجان المختصة المشكلة في مقر المقاطعات من ":

- نائب مدير الداخلية و الأشغال العمومية، رئيسا.

- رئيس بلدية المدينة.

- قائد الهندسة العسكرية.

- مهندس الجسور و الطرقات.

- رئيس مصلحة أملاك الدولة.

- ثلاثة نبلاء من السكان يمتلكون عمارات حضرية.

[40] Benkada, S. (2002), Archéologie et entreprise coloniale : l'armée et les premiers travaux de topographie historique en Algérie (1830-1880). Premier Congrès mondial des études sur le Moyen-Orient et l'Afrique du Nord (First World Congress for Middle Eastern Studies (WOCMES). Université de Mayence, (Allemagne).

[41] Picard, A. (1996), « Architecture et urbanisme en Algérie. D'une rive à l'autre (1830-1962) », in Figures de l'orientalisme en architecture sous la responsabilité de Catherine Bruant, Sylviane Leprun et Mercedes Volait, Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, n° 73-74, p. 122.

[42] Benkada, S. (2002), Les politiques d'aménagement et de repeuplement urbains à Oran (1831-1891) : un modèle de modernité urbaine coloniale., Thèse de Magister, Sociologie politique, Université d'Oran, annexes, tableaux et figures.

الدين، السياسة و الثقافات. أية إشكالية للأمة ؟

"يقول شبّاح المكي الأوراسي : بسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة على سيدنا محمد...". هكذا يبدأ و هو يملي في بداية الثمانينات حياته على عبد الحميد بن زين، هذا المناضل الشيوعي، عضو نجم شمال إفريقيا في بداية نشاطه، و كذلك جمعية العلماء. ولد بن زين سنة 1894 و توفي سنة 1988، و هو شخصية نهلت من مشارب متعدّدة، كاتب مسرحي عصامي، صديق رضا حوحو، حفظ القرآن في كتاتيب الأوراس وعلى ما يبدو فإن كاتب السيرة لم يرغب في ذكر هذه الكلمات التي وردت في هذه المقدمة.

أودّ في هذه المساهمة أن أعرض بعض الانطباعات و الفرضيات والنتائج التي توصلت إليها فيما يتعلق بمكانة الدين، و بشكل خاص الإسلام، في المجتمع الجزائري غير الحضري، كما كان يقال قبل 1954، و ذلك من خلال العمل الميداني الذي قمت به بين سنتي 1973 و 1995 و ما توصّلت إليه من نتائج ما يزال قائما، في قورارة ثم في الأوراس، بل و حتى في شنوا. و مؤدَى كلامي في الأساس يتعلّق باللّقاء الذي جمع بين سنوات 1930 و 1950 "هذا" الدّين الذي لا يرتبط "بالمدن"، أي أنه لا يرتبط بالدعوة الإصلاحية التي نادى بها ابن باديس ، و التي كان منبعها من المدن، حتى و إن كان روّادها من تقليد محلّي. و سأتعرض فيما بعد إلى ما نتج عن هذا اللّقاء، من آثار ما زالت باقية حتى سنوات ما بعد الاستقلال، بل و إلى غاية اليوم، حتى و إن بدا الأمر يحوي تناقضا.

و قد يبدو كلامي هنا غير مطابق تماما لمحور العنوان المقترح: الدين، السياسة و الثقافة، و السبب في ذلك بسيط، و هو أن إشكالية الأمة خلال ربع القرن هذا، حتّى و إن كانت حاضرة لدى بعض الفاعلين الاستثنائيين مثل شبَاح المكي، فإنها ما تزال في طور التشكَل في المناطق غير الحضرية. فعلا، لقد أسرع الإصلاحيون في عملهم هنا و هناك، و صحيح أنّه كانت هناك خلايا للحزب الشيوعي الجزائري، و أعضاء من فدرالية المنتخبين و الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، في كثير من الضواحي الصغيرة المحاذية للمناطق الجبلية ومناطق الهضاب. و أخيرا، لا أحد يمكنه أن يتجاهل حضور "أجانب" في بعض القرى، والذين كانوا ببساطة مناضلين في حزب الشعب الجزائري، مجبرين على الإقامة بعيدا عن مقرّ سكناهم. و إضافة إلى ذلك، هناك اليد العاملة الفلاحية و المناجم ، إضافة إلى بداية الهجرة إلى أوروبا. و تكمن أطروحتي في أنّ هذا التعدد يفسر في حدّ ذاته الحضور الدائم للإطار الإصلاحي، ويمكن الحديث هنا عن الدين من أجل التفكير في العالم. والسؤال يطرح أيضاً بشأن ما إذا كان الأمر ما يزال على حاله اليوم. خلال سنوات عملي الميداني، قال لي والي ولاية باتنة: "الشيء الجيّد هنا هو أن كلَ شيء يبدأ باسم اللّه".

و وجب القول أيضا أن هدفي في سنوات السّبعينات لم يكن إشكالية الأمة، ولكنَه الاجتثاث (déracinement) الذي أحدث ضجّات كبيرة لدى الأنتلجينسيا في فترة ما بعد الاستقلال، إضافة إلى بيروقراطية الدولة، سواء أكان ذلك على المستوى المركزي أو المحلي، وهو ما أثَر حتى في المواثيق الوطنية من 1964 إلى 1977.و من وجهات نظر متعدّدة، تدفعنا هذه الرؤية إلى أن نحاول فهم تلك الوسائل التي من خلالها تعامل الناس مع ما حدث، وليس فقط كيف تمَ انتزاع ملكيتهم

1. الدين و المجتمع

نعرض هنا بعض المعالم من أجل وصف مختصر لجهة في داخل البلاد.

وفي كل حال، بدت مناطق واسعة مهمة من التراب الوطني، في الشرق خاصة، خلال ربع قرن (1930-1954) على النحو التالي:

  • ماضي غير بعيد يتميّز بالانتفاضات، مع كل ما تحمله من عواقب وخيمة، اضافة إلى مصادرة مئات الهكتارات من الأراضي الجماعية.
  • قانون الأهالي) الأنديجانا (التمييزي.
  • تنظيم إداري يقوم على "الدّوار" بهدف القضاء على القبائل، ولكن من دون بلوغ ذلك.
  • نظام البلديات المختلط.
  • الحضور المحلي للكتابة، الكتاتيب و الطرق الصوفية المتواجدة بشكل مكثَف نسبيا.
  • في المقابل، كان هناك حضور ضعيف للتمدرس في المدارس الجمهورية الفرنسية.
  • محاولات للتبشير المسيحي، لم تكلّل بالنجاح إلاَ في منطقة القبائل.
  • توطين أوروبي ضعيف، 3% في الشرق، مختلط جدّا، يرتكز في القرى وعلى جانب الطرقات التي يمكن العبور منها، إضافة إلى مدينة أو اثنتين للحماية العسكرية هنا و هناك.
  • نتج عن ذلك اتصالات "فردية" محلّية قليلة مع "الغيرية الثقافية"، و من ثمّ فإن النماذج التي يقدّمها الإطار الإداري الذي تمّ وضعه مع كل ما تمّ فقده (مئات من الأرواح، الكرامة) لم يكن إلاّ أن يقابل بالرفض. و لكن ماذا بشأن التجنيد؟ فهذا أمر لم يطرح إلاّ في فترة الحرب، ومن ثمّ فهو من باب التضحية و ماذا بشأن الهجرة العمّالية إلى أوروبا والتي كانت نادرة في هذه الفترة؟ مع ذلك، فهناك فردانيات قوية ستنبثق عن ذلك، و هي استثناءات ستعطي نتائج ما. و كل هذه العوامل كان لها أثر مباشر على التديّن وعلى التأطير الديني نفسه. ويمكن تلخيص تلك الآثار بالقول أنه وابتداء من 1880، تحوّلت ردّة الفعل الديني و اللغوي إلى استراتيجية مسيطرة[1]، مثَلت فيها الأرض، وكذلك الدين، قوّة هذه المقاومة[2]، وكان مفتاح النظام هنا هو الكُّتاب، و هو يمثَل ظاهرة لم تلق الاهتمام الذي تستحق. و فيما يتعلق ببلاد الأوراس، يمكن أن نضيف أنَ رقابة العلماء- و الذين كانوا أنفسهم موضع رقابة الاستعمار- ما كانت لتُرى، و مع ذلك فقد كانت مسيطرة بشكل كلي، بحيث أنها، وحسب شهادات الآباء البيض كانت تحبط كل محاولة لاعتناق المسيحية[3]. سمحت معرفة اللغة العربية و العلاقات مع الزوايا، في الصحراء و جنوب تونس، بالحركة نحو الشرق أي طريق الحجّ، و كانت أيضا بداية العلاقات مع الشمال، و خاصة مدينة قسنطينة.

2. مشهد و تأريخ التغير الديني

إذا كان الكُتّاب، من حيث كونه "إعادة للإنتاج المبسّط"، يمثل هيكل البناء فيما يتعلق بالشأن الديني، فإن الأبواب و النوافذ، إذا ما استعرنا المجاز الذي استخدمه غيلنر، ترتكز، كما هو التقليد في الإسلام، على أسس أخرى. و إذا أخذنا الانتفاضة الدينية الأخيرة في الأوراس (تلك التي حدثت سنة 1879)، يمكننا أن نلاحظ على الأقل أربع صيغ (متزامنة أو متعاقبة) لإنتاج المتعلمين و كذا الشرعية الدينية:

  • الرّحلة التي تمتد لفترة بعيدة تصل إلى 20 سنة. و هي تمتد على مناطق واسعة جدّا تضمّ مكّة و القاهرة و أحيانا إسطنبول، و هي تقنية مستمرة أبد الدّهر.
  • الطقوس الكبرى ذات الطابع الجهوي: كانت تتميز بالنشاط في سنوات الثلاثينات، ثم انقطعت في الخمسينات، لتتحول إلى السرية في السبعينات[4]. و نجد نماذج لذلك مثلا، حسب الشهادات الشفوية، في منطقة مستغانم وفي منطقة رغراقة بالمغرب أيضا. و ثمّة عدّة وظائف وجب أداؤها مثل صيانة الأماكن التي تشترك فيها القبائل، وحدة الدين كما هو، العمق التاريخي للثقافة المحلية، التي تضمّ أيضا فترة ما قبل الإسلام، و ذلك بمراعاة الروابط التي تتّصل بالهوية البربرية، و لكن من دون تفاخر خاص، وأخيرا البعد المهرجاني والحسي للدين، و هو ما يفسّر أن الناس يطلقون على أنفسهم تسمية أبناء الأوراس.
  • هنا يحدث الاتصال و تُختصر الهوية، و مهما يقال بهذا الشأن فإن ذلك كلّه إسلامي بجدارة، ديني وغير سحري، ويقال هذا باللغة العربية، اللغة الحقيقية للثقافة.
  • انفتحت كوكبة مركزية للمسارات التربوية نحو الشمال والمدن ذات الطابع الأوربي، بل نحو أوروبا نفسها. في بداية القرن العشرين أنتج زملاء ابن باديس و التلامذة الأوائل الذي تخرَجوا من "المدرسة" و أشخاص من أمثال عمّار نزّال[5] و الشيخ زردوني و مالك بن نبي. أنتجت هذه الكوكبة حداثة مهمّة، و لكنها في نفس الوقت باهتة، توفيقية و دفاعية.

و بشكل سريع برز رد معاكس في اتجاه المركز، نحو الداخل، وهو من النوع التبشيري، يمثلَه تلامذة و أتباع ابن باديس في سنوات 1930-1940. هنا حدث التّحوَل، إذ لم يكن رفض الثقافة المحلَية الذي عبّروا عنه أحيانا بشكل صارم، كما هو الحال في الأوراس أمرا محتوما. و يمكن أن نلاحظ ذلك بإجراء مقارنة مع المغرب، فمثلا كان مختار السويسي[6] و سي عمّور دردور، معاصره في الأوراس، و كلاهما عالمين "أرستقراطيين"، متعلّمين في مجتمع ينطق بالبربرية، الأول تطغى عليه ثقافة بربرية عالية وشعبية، والثاني إصلاحي، بل رقيب، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على ثقافته الأم.

و إذا ما تأمّلنا بشكل دقيق المسارات الفردية للأشخاص الحاضرين في الميدان[7] و الذين يحق تسميتهم بـ » الأشخاص « بدلا من مصطلح » فاعلين« الذي يفتقد للإنسانية، فسيتبيّن لنا مثلا اختلاف وتعقّد مجالات التفكير وأنساقه والتي يمكن أن تتواجد مجتمعة في فضاء ضيّق ومعزول نسبيّا: استمرار أبدي للنظام الطرقي، وبالخصوص في اختلافاته المتكاملة فيما بينها، بقاء الطقوس القبلية،بقاء المتعلمين السلفيين الذي يراعون المعتقد الشعبي على الهامش، تلامذة المدرسة العقلانيون، و لكنهم أيضا شغوفين باللغة والثقافة المحليتين[8]. و تعد مدينة بسكرة مركزا ثقافيا حيّا، ارتبط مباشرة بالشرق. و فيها ظهر علماء متميّزون مثل الشيخ العقبي، رضا حوحو، أو الشيخ زردوني. كان هؤلاء المدرسيَون أبعد ما يكونوا عن التوافق مع ما كان يريده النظام منهم آنذاك، مثل عمّار نزال المُخبر النّبيه لباسي (Basset) والمتميَز عن معاصريه.

و بغض النّظر عـن كلَ ذلك، و بعيدا عن دائرة الدين، بل و خارج دائرة المدرسة الجمهورية، حتـى و إن كانت هذه المدرسة لا تتدخل إلا قليلا (و لكنها مع ذلك تتدخّل) برز ابتداء من 1934 نضال شيوعي لـ "مؤمنين" هم في اتصال ليس فقط مع العمل المأجور والهجرة، و لكن مع حضور معلّمين، بل و أطباء أوروبيين شيوعيين أيضا.

يعطي اينودي[9](Einaudi) في كتابه حول موريس لابان مختصرا قيّما حول بسكرة و المنطقة بشأن هذا الموضوع. و بالاستناد إلا شهادات موريس لابان، شباح مكي وعمّار أوزقان، فإنه يصف المناضلين المحليين للحزب الشيوعي الجزائري، بأنهم مرتادون للمساجد و مصلّون. و هو يتحدث أيضا عن مجموعة من الشيوعيين بالقرب من تغرت، يقودها إمام، و عن خلايا تبدأ اجتماعاتها بالصلاة، و بالصلاة أيضا تنهيها. وأعتقد أن مثل ذلك وجد أيضا فيما بعد في حزب الشعب الجزائري، بدءا من 1937-1947 حيث نسجل انبثاق الخلايا الأولى لحزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج، و خاصة من لدن المناضلين و المهاجرين. و أخيرا، و من المخبرين على اختلاف مشاربهم، نعلم أن بن بولعيد الذي كان هو نفسه من حزب الشعب، كان يخطب كثيرا في المسجد. و لكن و في المقابل، و هذا مالم يمنع حصول ذلك، فإنه من المؤكد أنه طلب مرّتين من موريس لا بان (Maurice Laban) و هو شيوعي و قائد سابق للفرق الدولية للحرب في إسبانيا، أن يكون الرجل الثاني بعده في حرب التحرير، وهذا ما يكون الحزب الشيوعي الجزائري قد رفضه. توفّي لابان في الميدان إلى جانب مايو (Maillot) في الونشريس سنة 1956 ، بعيدا عن الأوراس مسقط رأسه.

و خلاصة القول، أن المناخ السياسي كان معقّدا للغاية، وأحيانا تنافسيا، ولكن مع ذلك كان مبنيا على الحوار في أغلب الأحيان.

3. عودة تحليلية للقاء بين "ممارستين للدين". الخلفية الإيديولوجية - الدينية و المعرفية

و مع ذلك، فإن النموذج الباديسي هو الذي انتصر في الشأن الديني، في منطقة الأوراس كما في غير ذلك من المناطق. و يشهد على ذلك مقال رائع جدَا حول الاستراتيجية الثقافية و الدينية للباديسيين[10] الذي يشرح بوضوح الاستراتيجية الخاصة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين كتشكيل، بل كجمعية سياسية في الواقع. و لتبسيط الأمور للغاية، يمكن القول أن الباديسيين اختاروا الميدان الثقافي و الديني كـ"مجال تدخَل" ، بشكل غير منفصل ومن خلال إدماج الأول في الثاني، فقد كانوا يعتبرون أن الاهتـمام بالشأن الثقـافي لا يمكن فصله عن الشأنين الاجتماعي و السياسي"، و من ثمّ قرّروا أن "يصنعوا الجديد انطلاقا من القديم" و هذا هو مبدأ السلفية. لقد أدرجوا كثيرا من "التعديلات" في الجهاز التّقليدي : ترقية النوادي من خلال جعلها "فضاء تكون اللغة العربية فيه غير أجنبية"، و أيضا من خلال نشر مواضيع دينية تكرس الروابط بين الاثنين، "إخضاع المسجد للمدرسة" بحيث يصبح عاملا رئيسا من خلال إدخال برامج وطنية ومتدرجة ")على النموذج التعليمي الجمهوري) وذلك بتحويل، متى كان ذلك ممكنا، "العائلات والجمعيات الدينية ذات التوجه الطّرقي من خلال إنتاج صحافة خاصة" تتفق مع توجّهاتها كان هدف الباديسيين هو تكييف المشهد الثقافي كليّة من خلال التأثير في كل أجهزة العمل وكل التشكيلات السياسية. يتعلّق الأمر إذن بالإبداع وبعمل كبير جدّا ومنتشر بطريقة مستمرة في نفس الوقت.

و ليس هذا كلّه بالأمر الجديد، بحيث أنّنا نعيشه مع تغيير ما يجب تغييره بشكل ما. يكمن إسهام محمد القورصو في توضيحه للطريقة التي تمّ بها ذلك فعلا من خلال استراتيجية مدروسة أظهرت نجاحها.

4. بروز شرعية جديدة

في هذه النقطة من مقالنا، ينبغي العودة الآن إلى مثال الأوراس، و الذي يعدّ في الواقع قابلا للانتقال، لأن ظهور شرعية دينية محليّة، و من ثمّ سياسية، على المستوى المحلي هي ظاهرة جسّدها التيار الإصلاحي. و حتى نختصر القول، فقد حدث بطرق عديدة و مختلفة. و الواقع أن تضخيم المحلّي سمح بتوضيح الإمكانات التي لم تتم، و كذلك التعقيد الموضّح أعلاه، إضافة إلى ثمن التغيير، بمعنى أن ما تمّ تحطيمه تمّ بشكل مؤقت.

لقد حصلت إذن في الأوراس مقاومات للتغيير الذي قدّمه الإصلاحيون، و لكنها تبقى فردية : مقاومة الشيخ زردومي، و أخرى لأحد أفراد عائلة دردور الذي أنجز زاوية في لامبيز، و الذي كان صديقا وحاميا لبعض الأوروبيين[11]. و من المهم هنا التساؤل بشأن هذه الرّاديكالية .

لقد كان مجيء الإصلاحية في سنتي 1936-1937 بشكل انفجاري و نشط من خلال أعمال مثيرة للدهشة، كتجنيد فرق للتوعية الأخلاقية للشباب المسلّحين، بدءًا من الوادي الأكثر غنى و هو وادي عبدي.

و كان القادة في ذلك هم أبناء ينتسبون للمرابطين الذي تلقوا تعليمهم على يد ابن باديس نفسه في قسنطينة، كما وضّحنا ذلك أعلاه. لقد بدأوا في الظهور على الملأ في الساحة، إذ لم يكن الأمر يتعلّق بعمل سرّي، كما كان الشأن بالنسبة لحزب الشعب الجزائري لاحقا. و هكذا فإنّهم كانوا من خلال عملهم الذي قام على الجديد انطلاقا من القديم، حسب التعاليم، يستندون إلى "وسائل الاتصال" أي "النوادي، المدارس و عائلات المرابطين" على المستوى المحلي. و هناك أيضا و على الخصوص تقليد جهوي يقوم على ممارسة لا تناقش للمراقبة التي يمارسها العلماء على المستويين الديني و السياسي[12]. و قد انتهى الأمر ليصبح الإصلاح مجالا متغيّرا للرقابة التقليدية للعلماء، والواقع أن الأمر أكثر من ذلك، ذلك أنه يتعلّق بإبداع مثير للدهشة يتمثل في:

  • ردع الممارسات الدينية والعائلية بشأن طقوس الدفن والزّواج ومواسم زيارة الأولياء والموسيقى أيضا، وكلّ ما يميز الحياة اليومية والتدين المحليّين، أي كل ما كان مسموحا به من طرف هيئة العلماء التقليدية، التي كانت مرتبطة بتلك الممارسات أشد الارتباط[13]. وفي عملهم ذلك، فقد أقرّوا، كما يقول القورصو حتى "من يكون مسلما و من لا يكون، من ينتمي للإسلام و من لا ينتمي إليه"، وهي العبارة التي تشير حسبهم إلى الثقافة المحلية، وكان ذلك كلّه يتّم تحت غطاء "مكافحة الجهل". و يمثّل ذلك استراتيجية مجازفة إزاء ثقافة متحمسة بشكل واسع، حيث تتمتّع النساء بحرية أكبر مقارنة بمناطق أخرى، حيث كانت مكانة "الخليلات"، مثلا ،معترفا بها.
  • استراتيجية تجعل جوانب كبيرة من الهوية البربرية المحلية موقع اتهام، وخاصة "اللّغة". وبشكل فضولي، يمكن القول لشخص أتى من الخارج مثلي أن يقول بعد سنوات عديدة من ذلك، أن الهوية المحلية لم يتم التعرضّ إليها، و كذلك الأمر بالنسبة لممارسة و حيوية اللّغة الدارجة. لم يكن ثمّة مشكل مع الجانب المسيطر للغة العربية، كما كان الحال بالنسبة لمنطقة القبائل لأنّه و لأكثر من قرن من الزمن، فإن العربية أصبحت لغة الثقافة و الكتابة و الاتصال الخارجي للمنطقة، تقريبا على شاكلة اللغة الفرنسية في منطقة القبائل منذ أكثر من قرن من الزمن الآن. ليس الأمر كذلك، "إذ أن العلاقة مع المعيار هي التي تغيّرت. نبقى على ما نحن عليه، بشكل عنيد أو مثير للجدل، و لكن بشكل مخجل خاصة، مع العلم أن ذلك ليس أمرا مشروعاً كليّة". يجسد الإصلاح منذ ذاك هذا المعيار، و بشكل خاص "مركزيتّه"، و لكن ذلك لم يتم إلا بعد أن دفعت المنطقة ثمنا باهضا.
  • الواقع، أن أحد الآثار غير المنتظرة للروابط التي تمّت من خلال الكتابات الدينية أثناء فترة حرب التحرير مع رجال الثورة، تمت في إقرار "دين الدولة" و "علماء الدولة" في الوسط، كما في المناطق الأخرى. أي رفض التقليد القرآني و الفصل المطالب به بين الدين و السلطة، و من ثمّ فقدان الوضع الخارجي الاجتماعي المستحق للعلماء، من التيه و الحاجة اللذان يسمحان بقول الخير والشرّ في هذا العالم و في العالم الآخر، تاركين بذلك فراغا وجدت فيه الإسلاموية مكانا للانبعاث.
  • و من ناحية أخرى، أنتج هذا التاريخ الثقافي الجهوي المتميّز مناخا ثقافيا ذا طبع خاص لا شبيه له، وهو مستمر إلى اليوم. ومع ذلك فإن هذه المنطقة لها كل ما يلزم من أجل إنتاج أحسن المتخصّصين الذي يتحدثّون لغتين أو ثلاثة في الجزائر. والواقع أن الأعمال التي أنجزت فيها باللغات المحلية قليلة، و الطبعات الجهوية قليلة جدّا أيضا، والتعريف بكبار الشخصيات يقتصر على الأنترنت، و التاريخ الديني المحلي يكاد لا يجد أثرا (كما أتيح لي أن ألاحظ ذلك في ملتقى الفكر الإسلامي في باتنة سنة 1980). كما أنّه ليس ثمّة أي بحث معروف حول شعر يمكن أن يكون صدر لكتّاب سواء أكان هذا الشعر قديما أو حديثا، باللغة العربية أو البربرية، ولا أثر أيضا لأي شيء ازدهر في منطقة القبائل منذ قرن من الزمن. كل الإبداع الموجود يظهر في أوروبا أو على هامش الجامعة: لا يوجد في جامعة باتنة أو في غيرها أقسام للغات أو الثقافات البربرية، رغم الإعلانات التي تتكرّر كل عام، أو بمعنى آخر على هامش الهوية الوطنية أوهوية الدولة. من أجل إخراج هذه الظاهرة من العزلة، التي لا تخصّ الأوراس فقط، بل تخص أكبر عدد من المناطق الأقل تعميرا في البلاد، ينبغي توفر إرادة قوية وشفافة للدولة. أما ما يوجد الآن فهو أمر يقتصر على الأمة التي تسمح بها الدولة، مع الرّغبة في أن تكون الأمور على الشكل الذي تريده الدولة.
  • صحيح أنه يمكن أن نتوفر على بٌعد أو عدّة أبعاد وعلى ألفاظ جديدة و على معنى جديد لكلمات مثل "الوطن، الجنسية، القومية"، وهي كلمات يبدو أنها دخيلة، وقد تجسّدت في صياغتها العربية، من خلال حلم تحقق، هو الاستقلال ونهاية الخضوع الذي لم يحصل إلا بعد دفع ثمن باهض هنا. ولكن هل كان ذلك كلّه ليكفي حتى تصبح فكرة الأمّة "مثيرة للحساسية"؟ احتمالا، ذلك ما كان يعتقده غيلنر، و لكن ما هو موضوع هذا الكيان وما حدوده ؟

5. من 1962 إلى اليوم، من أجل الخروج من الفكر الأحادي

يمكننا بالطبع أن نعطي بعداً متباعدا و إيجابيا لهذا التاريخ الخاص بالدين، كما فعل ذلك غيلنر في كتابة "الأمم و النزعة القومية"[14]، عندما بيّن أن الإسلام في الجزائر (البلد الذي زاره في عدّة مناسبات و الذي اهتم به بشكل مباشر)، قد سمح بشكل تدريجي بفكرة الأمّة كهدف لكل الذين انتزعت ملكيتهم و الذي ينتمون إلى نفس العقيدة، ثمّ من أجل التأكيد على الدور الذي يساعد على تمييز مفهوم هذه الأمّة: "التحوّل كليّة ". عرفت الأماكن المقدّسة القبائل و حدودها، أما الكتابة الدينية فيمكنها أن تعرف الأمّة، و قد فعلت ذلك فعلا ".و لكن "هذا كلّه يجعلنا في وسط الجسر" (ذلك أن من ينصح ليس هو من يدفع الثمن). ما الذي حدث بعد ذلك؟ كل الكتابات الدينية لا تتشابه (وهنا يتوجه فكر غيلنر إلى البروستانتية الأوروبية التي تُعدّ بالنسبة إليه أحد الأمم الأوروبية، و هو هنا متأثر بماكس فيبر بشكل كبير، و إن كان دوركايميا بتبنيه لفكرة الانقسامية(. والواقع، أنّ المذهب الإصلاحي الجزائري المتميّز و الأصولي قد اقترن بالتيّار المناهض للثقافوية الشعبوية التي ميّزت التقليد البروليتاري لنجم شمال إفريقيا وحزب الشعب الجزائري/جبهة التحرير الوطني.

و من دون الوقوف كثيرا عند "الهاجس الثيولوجي للوحدة" في البناء الثقافي للمنظَرين الجزائريين[15]، حيث كانت العلامة المميزة حينذاك هي إبعاد الفقه[16] (ليس فيما يتعلّق بالحكم على كل ما يمكنه أن يثير "الاختلاف و التقسيم"، أي مختلف المدارس في الفكر الديني)، فإنه يجب التأكيد خصوصا على "تهميش الخاص و المحلي" الذي أرجع، و لمدّة طويلة، الثقافة و الجامعة ما بعد الاستقلال عقيمتين، حيث رهن بذلك و بشكل خطير و دائم (على الأقل إلى غاية 1981) تطوّر العلوم الاجتماعية. لم يكن هناك فقط تاريخ رسمي و لكن أيضا علوم اجتماعية مرخّص بها.

يمكننا إذن القول أن هناك صلة وثيقة بين هاجس الوحدة هذا، المتصل في الواقع بالانتظام، واستحالة وجود مثقّف نافذ في المجتمع الجزائري لفترة ما بعد الاستقلال. ويعود سبب ذلك أوّلا إلى نكران الاختلاف الديني ثمّ الثقافي والاجتماعي والجغرافي والأنثروبولوجي للبلاد الذي يرجع إلى اعتبار أن الأنثروبولوجيا خارجة عن القانون. يكمن المشكل أنه عندما رفع الحظر عن هذا الممنوع، تبيّن أنّ الطلبة غير قادرين على التفكير في الاختلاف. كان التهذيب شاقا واستمر لفترة من الزّمن.

وكان من المهم جدّا، حسب ما يبدو لي، أن نجعل من تنمية نزعة الإجماع والفكر الأحادي تاريخانية، بحيث تبدو أنها غير حتمية: وذلك بالنظر إلى التعقيد الاجتماعي و السياسي لسنوات الثلاثينات، و أبعد من ذلك إلى القرن التاسع عشر. و هو ما يعدّ أيضا طريقة للإشارة إلى المسالك الضيّقة لما لم يتم تحقيقه، واقتراح أن تكون الأسماء (و ذلك على عكس ما تقوله به الوضعية بشأن المقاربة الماكرو اجتماعية) موضوعة على سبل غير مسلوكة، وفي ذلك إشارة إلى أهمية "الفاعلين"، و خاصة في فترة الحرب حيث ينبغي التفكير بسرعة.

و هل وجب هنا ألاّ نتحدث عمّا كان ينبغي أن يحدث و عما حدث أحيانا؟ أي أن لا نقول مثلا أن النسّق الاجتماعي الديني – المحلّي لم يكن قادرا على أن يبقى وأن يجنّد في الوقت نفسه الناس ضدّ المحتل، مع قبول الاختلاف الديني، الذي يتعلّق بالمتحمسين دينيا و الذين يعتبرون منقسمين أيضا، الأمر الذي يجعلهم في تعارض مع السّلفيين؟ ألم يكن بمقدور هذا أن يجعل الناس قادرين على قبول الاختلاف الانساني في مظهره الخارجي، و لم لا على الإرادة الحسنة من خلال فتح الباب لغير المسلمين للانتماء إلى أمّتهم، مادام أن ذلك قد سبق و أن حصل من قبل؟

يدفعني ذلك إلى أن أجد نفسي أمام تساؤل خاص و محيّر، من أجل رفع لبس تاريخي و أن أتقاسم فكرة غيلنر، والتي مؤدّاها أن القومية ليست هي مصير الجنس الإنساني "مصير سياسي طبيعي" و شرط ازدهاره، بل هي أمر يرتبط بفترة تاريخية معيّنة من نضج الإنسانية: "ما هو موجود، حسب غيلنر، هو ثقافات، غالبا ما تكون مُجمّعة بطريقة متميزة، تندمج الواحدة في الأخرى، تتشابك و تختلط، و يوجد غالبا، و ليس دائما، وحدات سياسية من كلّ الأحجام و الأشكال"[17].

البيبليوغرافيا المستخدمة حسب ترتيب ورودها في نص المقال

Chebah, M. (1982), Mudakirat monadil Awrassi, Mtba’at al-Katib, Alger.

Nouschi, A. (1962), La naissance du nationalisme algérien, 1914-1954, Paris, Minuit.

Colonna, F. (1995), Les versets de l’invincibilité, Paris, Presses de Sciences Po.

Colonna, F. (1992), « Invisibles défenses » in Pratiques et résistance culturelles au Maghreb sd de N. Sraieb, Paris/ Marseille, Editions du CNRS, p. 29-53.

Colonna, F. (2010), Le meunier, les moines et le bandit, Arles, Actes Sud- Sindbad.

Basset, A. (1961), Textes berbères de l’Aurès, Paris, Adrien Maisonneuve.

Boukous, A. (1998), « Mohammed Mokhtar Soussi, Figure emblématique de la différence », in Naqd, Revue d’études et de critique sociale (intellectuels et pouvoirs au Maghreb. Itinéraires pluriels), N° 11, Printemps.

Lacheraf, M. (1999), Des noms et des lieux, Alger, Éditions Casbah, 1998 ; Einaudi Jean-Luc, Un Algérien, Maurice Laban, Paris, Le Cherche- Midi.

El Korso, M. (1988), « Structures islahistes et dynamique culturelle dans le mouvement national algérien, 1931-1954 » in Lettrés, intellectuels et militants, Carlier, Colonna, Djeghloul et El Korso, (Sous la direction de) Oran, URASC.

Gellner, E. (1981), Muslim society, Cambridge, Cambridge University Press.

Gellner, E. (1989), Nations et nationalisme, Paris, Payot.

Benkheira, M-H. (1988), « La pensée divise : à propos de Bachir Ibrahimi et de la censure dans l’islam » in Revue maghrébine d’études politiques et religieuses, Alger, 22-59.

Merad, A. (1967), Le Réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940, Paris, La Haye, Mouton.



ترجمة :

الهوامش

*صدر هذا المقال باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات، العدد 47-48، جانفي-جوان 2010 ، [و هو خلاصة مداخلة قدّمت في ملتقى جريدة الوطن يوم الخميس 28 ماي 2009، الذي شارك فيه أيضا المؤرخ البريطاني جيمس ماك دوغال.]، بعنوان :

« Religion, politique et culture (s), quelle problématique de la Nation ».

**مديرة بحث، بالمركز الوطني للبحث العلمي، باريس، فرنسا.

[1] Nouschi, A. (1962), La naissance du nationalisme algérien, 1914-1954, Paris, Minuit.

[2] Colonna, F. (1995), Les versets de l’invincibilité, Paris, Presses de Sciences Po.

[3] Colonna, F. (2010), Le meunier, les moines et le bandit, Arles, Actes Sud- Sindbad.

[4] Colonna, F., Les versets de l’invincibilité, op.cit.

[5] Basset, A. (1961), Textes berbères de l’Aurès, Paris, Adrien Maisonneuve.

[6] Boukous, A. (1998), « Mohammed Mokhtar Soussi, Figure emblématique de la différence », in Naqd, Revue d’études et de critique sociale (intellectuels et pouvoirs au Maghreb. Itinéraires pluriels), N° 11.

[7] Colonna, F., Les versets de l’invincibilité, op.cit.

[8] Lacheraf, M. (1998), Des noms et des lieux, Alger, Éditions Casbah.

[9] Einaudi J-L. (1999), Un Algérien, Maurice Laban, Paris, Le Cherche- Midi.

[10] El Korso, M. (1988), « Structures islahistes et dynamique culturelle dans le mouvement national algérien, 1931-1954 » in Lettrés, intellectuels et militants, Carlier, Colonna, Djeghloul et El Korso, (Sous la direction de) Oran, URASC.

[11] Colonna, F., Le meunier, les moines et le bandit, op.cit.

[12] Ibid.

[13] Gellner, E. (1981), Muslim society, Cambridge, Cambridge University Press.

[14] Gellner, E. (1989), Nations et nationalisme, Paris, Payot, p.100-199.

[15] Benkheira, M-H. (1988), « La pensée divise : à propos de Bachir Ibrahimi et de la censure dans l’islam », Revue maghrébine d’études politiques et religieuses, Alger, p. 22-59.

[16] Merad, A. (1967), Le Réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940, Paris, La Haye, Mouton.

[17] Gellner, Ernest., Nations et nationalisme, op.cit.

الدين بوصفه شبكة دلالية : مقاربة كليفورد غيرتز

قراءة في كتاب "الإسلام ملاحظا" بعد مضي أربعين سنة، أية علاقة ملائمة ؟

يمكن قراءة الكتاب الذي ألفه ك. غيرتز (C. Geertz) الموسوم بـ "الاسلام ملاحظا"[1] حاليا ضمن اتجاهين : الاتجاه الأول ذو بعد منهجي، و هو البعد الذي توحي به المقدمة المتعلقة بمسألة كيفية الانتقال من الحالة المحلية إلى الحالة العامة، كما تتعلق هذه المسألة بطبيعة عمل عالم الأنثروبولوجيا غيرتز بصفته "رسام منمنمات". و بتعبير آخر، فإن عالم الانثروبولوجيا ليس ملاحظاً للحركات الكبرى على السطح فحسب، بل يشتغل من أجل بناء فهم مرتبط بالنبضات الحقيقية للمجتمع و باختلاجاته انطلاقاً من "سمك غليظ" للحقائق الامبريقية. فمن خلال الولوج إلى تشعبات تلك الحقائق يمكن أن يحظى الباحث، حسب غيرتز، باكتشاف التشابكات المعقدة و المتحركة التي تشكل إيقاعات مجتمع ما.

أما الإتجاه الثاني للقراءة فهو مرتبط بالمقاربة الاجتماعية، و هو اتجاه قلما يكون ثابتاً،أو حاملاً معه ليقينيات طالما كانت، مثلاً، النظريات الانقسامية الأكثر شيوعاً و شعبية، في السبعينيات، التي كانت تفسر لنا حقل المجتمعات المغاربية. و لهذا نجدها مقاربة أكثر مرونة باعتبارها لا تغلق الآفاق و لا تحول دون التعبير عن حساسيات الباحث.

وأرى من جانبي أن أعمال المؤلف غيرتز تتجلى بشكل أساسي من خلال هذا الكتاب. إن متابعاتي لأعماله، خصوصاً مقاربته للثقافة و رجوعي إلى مؤلفات ماكس فيبر الذي يعتبر غيرتز، أحد ورثته، في الكثير من الوجوه، قد ساعدني على تعميق معرفتي به.

أود أن أؤكد هنا أن اهتمامي بكتاب "الإسلام ملاحظا" يتعدى دراسة حالة من الحالات، إذ يمتد إلى التوجه المنهجي للمؤلف الذي أركز عليه، بصفة أساسية، اهتمامي. أقول التوجه بدل النموذج، ذلك أنني أعتقد أن غيرتز لا ينمذج مقاربته، ولا يقدم نماذج ثابتة، بل يقدم تفسيرات ممكنة التي يحتمل أن يكون، في لحظة من اللحظات وبناء على ملاحظة الوقائع، معها ممكناً استخلاص تفسيرات أكثر معقولية و أفضل دلالة من أية مقاربة أخرى.

لقد ظهرت الطبعة الإنجليزية (الأصلية) لكتاب غيرتز (الإسلام ملاحظا) سنة 1968، أي منذ أربعين سنة خلت. يشتمل هذا الكتاب على عدة مقالات، التي تعتبر خلاصة جهد من التأملات التي بدأها مبكراً بداية من بحثين أجراهما على التوالي في كل من اندونيسيا في الفترة الممتدة من 1957 إلى 1958، و في المغرب في السنوات التالية 1964-1966.

إن المقاربة الأنثروبولوجية للدين، و خصوصاً للإسلام، التي قام ببسطها غيرتز في جانبيها المنهجي والنظري، تعد في ذات الوقت قطيعة مع النزعة الوظيفية و بديلاً لها. إن ما يدافع عنه غيرتز في مقاربته للدين هي نفس المقاربة التي تبناها في تحليله للثقافة[2].

و يتعلق الأمر فعلاً بمقاربة تولي اهتمامها في المقام الأول لإنتاج المعنى الذي يقوم الأفراد بإضفائه على أفعالهم و الذي يقوم على توجيه مصيرهم الاجتماعي. هذا هو المعنى الكامل لتعبير "الوصف المكثف" التي يتمثل في الإجابة عن السؤالين التاليين: ماذا يقول هؤلاء الأفراد عن أفعالهم؟ و كيف ينتجون المعنى؟

يقوم هنا غيرتز بمراجعة نقدية للنظريات التفسيرية الكبرى التي أجابت، بشكل من الأشكال، عن تساؤلات المجتمعات الأصلية للانثروبولوجيين أكثر مما أجابت عن حال المجتمعات المحلية و من وجهة نظر أفراد هذه المجتمعات. و فضلاً عن ذلك، فهي كلها مقاربات تتسم بنزعة حتمية و سببية و قد سعى غيرتز إلى نقدها و تجاوزها.

يعتبر المعنى فعلاً من بين المسائل المفتاحية للأنثروبولوجيا البنائية لغيرتز، و قد اختتم المؤلف كتابه "الإسلام ملاحظا" حول هذه المسألة بالذات. و عليه يعتبر الفصل الرابع الموسوم "معركة من أجل حقيقة الواقع"، بمعنى من المعاني، اللحظة التي يكشف فيها المؤلف عن خلاصاته العامة حول مقاربة الدين و ليس فقط في الحالتين المدروستين في الكتاب. و فضلاً عن ذلك، فإن الكتاب المذكور يطرح على نفسه أسئلة هي من الأهمية بمكان، باعتبارها أسئلة تعبر عن أحداث لازالت تتميز براهنية دائمة و ملحة، مثل التغير في سياق دين منزل و ذي نزعة شمولية و كونية، أو في العلاقة مع الحداثة.

يرى المؤلف في مقدمة كتابه في طبعته الفرنسية سنة 1991، أن "الأمور قد تطورت على نحو أقل بكثير عما كان متوقعاً منها"، و هي حالة كل من المغرب و اندونيسيا. إنني لا أسعى، بعد مرور أربعين سنة، إلى مناقشة ذلك. فمن البديهي، أن التحولات التي جرت في الحقل الديني في المغرب، مثلاً خلال فترة التسعينيات، لم تكن مدروسة بالشكل الكافي مقارنة مع الجزائر، حيث عرف هذا البلد في سنة 1991 تمزقات و انكسارات أكثر حدة، و ظهر فيها تيار ديني جديد في المجتمع أكثر بروزاً يمكن قراءته سوسيولوجياً بيسر و سهولة. و قد امتلك هذا التيار انغراسا اجتماعيا واضحاً بشكل جيد، غير أن الإسهام الثمين الذي قدمه غيرتز، حتى و إن كان ذلك مفيداً في الحالة الجزائرية، لا يمكن أن يغنينا عن ابتداع أدوات جديدة لفهم الظاهرة الدينية. ذلك أن الحوادث الضاجة التي طالما أشبعت وصفاً لا يمكنها أن تحمل معها عناصر كفيلة لفهم، بصورة عميقة، التغيرات الدينية.

إن مجتمعات الإسلام ليست مُشكَّلة تشكيلاً متجانساً إلى الحد الذي نجد فيها أسلوباً دينياً شائعاَ بصورة متماثلة و شاملة، فحقائقها وتغيراتها أيضاً أكثر تعقيداً مما نتصور. وبصورة أعمق، فإن الأفراد لا يغيرون، بصورة آلية، من النمط الديني، بل يقومون بتبني استراتيجيات متكيفة وملائمة حسب حاجياتهم في لحظة محددة من لحظات أنتاج المعنى، و من أجل فهم، حسب تصورهم، التغيرات التي تحدث في المجتمع. و هذا ما أشار إليه غيرتز في تحليله "للفاصل الكتابي" (intermède scripturaliste)، عندما ينتقل الأفراد من تمسكهم بنوع من القداسة (أو أسلوب ديني) إلى أسلوب ديني آخر. فلا يعني ذلك أنهم يرفضون بصورة قطعية هذا الأسلوب، و إنما يعتبرونه "غير يقيني".

يعبر الدين عن نفسه أولاً بواسطة الرموز، و يحدث أن لا يعود لهذه الرموز تأثير يذكر على الواقع. فقدرة هذه الرموز على التفسير لم تعد عملية و إجرائية، إذ يحدث طلاق بين الواقع و الرموز الدينية التي لم تعد لها سلطة حتى و إن ظلت تتمتع بسمعة ما[3].

فبدون شك، و من خلال هذه المقاربة حول التغير الديني التي قمت بإنجازها، أحدد الإسهامات الكبيرة التي قدمها غيرتز سنة 1968. إن دعوته على الصعيد المنهجي، من خلال مجموع أعماله لاكتشاف موضوع البحث "في ثنايا الحقائق الامبريقية"، منظوراً إليها من قبل الفاعلين، مع البقاء "في أحجامها المصغرة"، و مفضلاً دراسات الحالة، تبدو لي أيضاً توجهات بحث تنطوي على مصداقية بديهية بالنسبة لأعمال عالم الاجتماع الانثروبولوجي اليوم. كما يبدو، بالفعل، أن مقاربة التغيرات الدينية، و الحركات الدينية، لا يمكن أن تكون مثمرة إن نحن اكتفينا من جهة بنوع من النظرة الإجمالية، ونسينا من جهة ثانية استراتيجية الفاعلين. و من أجل توضيح ذلك، سأكتفي بالمثال الجزائري. فقد ظهرت منذ سنة 1990 أدبيات غزيرة عملت على إثبات فكرة تحول كلي للمجتمع باتجاه النزعة الإسلامية، التي تم تقديمها بصورة متجانسة و شمولية. فكل ما تبقى من اختلافات داخل المجتمع أصبح جزءاً من الماضي الذي لم يعد له وجود. فقد تم اعتبار الانخراط الجماهيري الكثيف في هذا التيار على أنه بحث عن بديل سياسي لسلطة مرفوضة وكذلك نوع من الانجذاب القوي نحو عقيدة تتجلى في "صفائها و طهارتها". لقد ساهم العنف الذي ميز تسعينيات القرن الماضي، بطبيعة الحال، على تقليص تأثير هذا الانجذاب ليس إلا. و بمجرد مرور الموجة في شكلها الأولي، تبيَّنَ لنا أن الحقائق كانت أكثر تنوعاً و تعدداً. فقد تبيَّن أن النزعات الإسلامية لم تكن بالضرورة حركات و حدوية و متجانسة. و تراجع الأعمال العسكرية للحركات التمردية لم يكن يحمل معه تراجعاً و انحساراً في الممارسات الدينية التي كانت قائمة في بدايتها. لم تكن، مثل هذه الممارسات الدينية بالضرورة قائمة على الإكراه، بل كانت في معظم الأحيان مقبولة طوعياَ. و على أية حالة، فقد بنيت في محيط الأفكار الإسلامية، وبصورة تدريجية، أشكال من الامتثال الاجتماعي، أي منظومة من المعاني التي تعبّر عن نفسها في شكل سلوكيات وممارسات اجتماعية التي تجنّح في أن تصبح مثالاً ثابتاً مشتركاَ. وذلك لا يعني بالضرورة أن هناك انخراطاً كلياً في الاتجاه الراديكالي للاسلاموية. و فضلا عن ذلك، أن فهم الأسباب التي كانت وراء هذا الانخراط الطوعي بدل الإكراه المنظم من شأنه أن يسمح لنا بمعرفة نقطة الانطلاق التي تنفصل عن نوع من "عدم المسؤولية العامة" لأولئك الذين سيصبحون أتباعاً أو مناصرين. فاعتبار، على سبيل المثال، أن أعمال العنف هي نوع من "الجنون" يعني ذلك تبرئة الفاعلين من المسؤولية. غير أن حديث التائبين يبيّن بوضوح أن أعمالهم كانت مقرونة بتبرير لا يخلو من معنى. إن أفكار هذا التيار الذي حاول ترويجها ونمط تنشئته/وإعادة تنشئته الاجتماعية بواسطة المؤسسات الدينية أو التربوية تعمل اليوم بوصفها أداة لإضفاء الشرعية على الممارسات الاجتماعية في معانيها المتعددة. هناك، على سبيل المثال، الكثير من النساء المتحجبات خلال هذه السنوات الأخيرة، والكثير من الشباب الذين يؤمّون المساجد، و هم أكثر إمتثالية للتعاليم الإسلامية... و غالباً ما يكون هذا في الفضاءات التي لم تكن في يوم ما بالضرورة من المعاقل الإسلامية. فهناك رموز دينية جديدة تتجه نحو التكاثر و ليست لها صلة مباشرة بالطابع الراديكالي الديني. سيكون، على سبيل المثال، أمراً تعسفياً "تصنيف" كل النساء المتحجبات في طائفة "الإسلاميين". فالرمز اللباسي الذي يتخذ من النزعة الإسلامية مرجعية له لم يكن مربوطاً بالضرورة بالممارسات الاجتماعية، ويبدو أنه تم توجيه استعماله في مجالات اجتماعية أخرى. كيف لنا أن نفهم ذلك إذا لم نستعن بالمؤشرات "الموضوعية" أو الوقوف على علاقة السبب بالنتيجة، كأن نستنتج آلياً (امرأة متحجبة تساوي امرأة إسلامية راديكالية)؟ يجب الذهاب أبعد من هذا، لإدراك معنى وتفسيـرات الفاعلات لدى النساء. أعتقد، من جـهة أخـرى، أنني لم أسمع قدراً كبيراً من الحديث عن الزوايا، والجمعيات الدينية، و"الزيارات" والمواسم إلا منذ نهاية التسعينيات. فعدد مذكرات الباحثين الشباب حول هذه المسائل أصبح أكثر أهمية. وإلى ماذا يعود ذلك كله في الواقع؟ أي معنى يعطيه الأفراد لهذه الرموز الدينية القديمة التي تم "إحيائها وتأهيلها"؟

وأكثر من ذلك، لم يحصل في يوم ما الانتقال إلى دين آخر غير الإسلام مثلما حصل خلال هذه السنوات الأخيرة. إن أعمال المبشرين المسيحيين في بعض مناطق الجزائر (وليس فقط في منطقة القبائل) دفعت السلطات السياسية في البلاد إلى إصدار نص قانوني يلزم المعتنقين الجدد لأية ديانة على تنظيم أنفسهم في جمعيات معلنة ومعتمدة. و بصرف النظر عن حكمنا عن الوزن الحقيقي لهذه الظاهرة، فإننا نسجل انتقالها من مرحلة الظاهرة غير المفكر فيها إلى مرحلة الاعتراف بها، ذلك أن إصدار قانون، مهما كانت القيود التي ينطوي عليها، يعتبر بمثابة اعتراف بظاهرة يراد تنظيمها أو مراقبتها.

وجب التذكير أن هناك جماعة دينية مسيحية على اختلاف طوائفها يقدر عددها بـ 11.000 شخصاً موجودة في الجزائر[4]. تجدر الإشارة إلى أنه من النادر جداً أن وُجد نقاش كانت مؤسسات الدولة نفسها معنية به ويحظى بمثل هذه الدرجة من الأهمية والعلنية. إن الدفاع عن حرية المعتقد والعبادة أمور جرى طرحها من قبل بعض الفاعلين في المجتمع المدني أو من قبل الأحزاب السياسية، حتى وإن لم يكن لذلك امتداد له دلالة في المجتمع. إن ما تحول في ظاهره إلى نزاع بسبب تعدد الطوائف الدينية أصبح لأول مرة علنياً ومقبولاً ضمنياً.

كيف نفهم هذا القدر من الأشياء في تعددها وتعارضها، في حين أن الوقائع الحديثة تحثنا بالأحرى على الاعتقاد أن المجتمع قد انقلب بصورة نهائية؟ فالمسألة في جانبها الأنثروبولوجي ليست في تقدير حجم وأهمية الطائفة المسيحية (القديمة منها والجديدة)، لكن بالأحرى في فهم المعنى الذي يعطيه الأفراد المتمسكين بهذا الاعتقاد في السياق الجزائري؟ وبصورة أدق، ما هو منظور الأفراد إزاء التحول إلى دين آخر وكيف تم تفسيره؟ أنا لا أعتقد، كما يتصور غالباً الخطاب الرسمي أو الذي يدين هذه الظاهرة، أن الأفراد المعتنقين لدين آخر هم إما أشخاص "سذج" أو باحثون عن مكاسب مادية[5]. و تُبيَّن هذه الحالة في واقع الأمر ضرورة التخلي عن البحث عن تلك الأسباب الواهية وغير المجدية. فالبديل عن ذلك يكمن في البحث أولاً عن الحالات، والغوص في أعماق الوقائع الامبريقية، وتجنب الوقوف عند حدود الحوادث العرضية[6]، وثانياً طرح السؤال لمعرفة الكيفية التي يرى بها الأفراد هذا الرمز بالذات، بدل ذاك الذي ينطوي على معنى أكثر من غيره. ومن جانب آخر، يبدو لي مهماً، الإفادة من مقاربة غيرتز الذي كان أكثر انتباهاً لواقع الرموز الدينية المختلفة التي يمكن أن تؤثر بصورة متزامنة، حتى وإن كانت الرموز المسيطرة يمكنها أن تخفي رموزاً أكثر هامشية أو محدودة في نطاق ضيق. ما أريد أن أقوله، أن هناك منافسة بين عرض المعاني والرموز المرتبطة بالواقع الاجتماعي، والمسألة كلها تكمن، دون شك، في معرفة، وبصورة امبريقية، كيف تجري تلك المنافسة، وكيف يمكن إعادة بناء منطقها، وليس مجرد القول بوجود هذا المنطق ومحاولة فرضه باللجوء إلى الواقع بقوة.

اخترت هذه الأمثلة من أجل التدليل على أن قراءة غيرتز اليوم تعتبر نقطة انطلاق جيدة من أجل التفكير في الظاهرة الدينية، بصرف النظر عن الحالة التي درسها، ذلك أن مقاربته لم تكن منمذجة، محنطة في قوالب جامدة، فهي مقاربة مُحفّزة ومثمرة، حتى وإن كان يجب في بعض النقاط الإشارة إلى دقائق الأمور أو الفجوات الممكنة.

يتميز المؤلف من جانبه بالمثابرة والثبات، وهذا ما يؤكده سنة 1991 حول وجاهة تأملاته التي تعود إلى 1968، وقد تدعم هذا الموقف بصورة كبيرة في مقال له نشره سنة 2006 بعنوان "الدين، موضوع المستقبل"[7].

و الجدير بالملاحظة أن غيرتز لا يزال وفياً لتأملاته التي أسس لها سنة 1968 فيما يخص مقاربته للدين، والإسلام، فهو لم يقدم أي تنازل كما في سنة 1968، أمام الاضطرابات الكبرى التي عرفها نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. أود هنا أن اربط قراءتي ببعض جوانب ما جاء في كتاب "الإسلام ملاحظا" مع نص 2006 الذي يعتبر، من وجهة نظري، نصاً في غاية الأهمية.

الدين بوصفه شبكة دلالية

تنطلق هذه المقاربة المتعلقة بالدين على أساس التمييز بين الإلهي، والتعالي، والأنطولوجي والتصور الذي يحمله الأفراد حول الدين بمعنى الكلمة. إن الإلهي، هو ذلك الكائن الخالد الذي يُتمسَّك به ويُمجد، فهو مُدرَكٌ، إذن، في ديمومته.

يتصف الدين بحركة أكبر، فهو متأثر بالتغيرات، باعتباره نتاجاً تاريخياً. يشكل الدين، مثله مثل الثقافة، إطاراً للإدراك والتفسير. فهو يفترض وجود رموز، ومؤسسات: "سواء كان أم لم يكن مصدراً عميقاً للإيمان عند الإنسان أو جماعة بشرية، فهو، مدعوم دون شك، في هذا العامل بواسطة أشكال من الرموز والترتيبات الاجتماعية. إن ما يشكل ديناً معيناً- ومضمونه الخصوصي المتميز- يعبر عنه بالصور والاستعارات التي يستعملها الأتباع لتصوير وتمثيل الواقع[8]"، مضيفاً "أن وظيفة هذا الدين، وصيرورته التاريخية، ترتكز، بدورها، على المؤسسات التي تجعل هذه الصور وهذه الاستعارات في متناول أولئك الذين يلجأون إليها".

يتعلق الأمر إذن بمقاربة دلالية للدين. يلخص بوهمان (G. Bohmann) تعريف غيرتز انطلاقاً من عناصر مستخلصة من كتابه "الإسلام ملاحظا" على النحو التالي:"الدين (1) منظومة من الرموز تستهدف خلق (2) حالات ذهنية ودوافع كلية، قوية ومستدامة (3)، وذلك بصياغة رؤى ذات أبعاد أنطولوجية عامة (4) و بمنحها هالة من السهولة على النحو التي تظهر فيه الحالات (4) الذهنية والدوافع متطابقة مع الواقع[9]".

فالدين، إذن، إطارٌ يسمح للأفراد بفهم الحقائق الاجتماعية، ولكن أيضاً للتصرف انطلاقاً من المدركات التي يتيحها هذا الإطار. وهنا يُطرَح البعد التاريخي للدين بصورة جلية، و يقدم غيرتز هذه المسألة في شكل متخيل بداية من الصفحات الأولى من كتابه، حيث يقول :" يمكن أن يكون الدين حجراً مقذوفاً في العالم، لا ينبغي أن يكون ملموساً ولا أحد يقذفه[10]".

فضمن هذا المنطق يقوم غيرتز بتحليل عمليات التغير الديني في كل من المغرب واندونيسيا. و في هذا السياق يصبح الدين شبكة لتفسير الثقافات، غير أنه يكيّف نفسه إزاءها. فالأشكال الدينية التي نجدها عند كل من اليوسي (Al Yousi) وكاليجاغا (Kalijaga) تعود في أصلها إلى العمق الثقافي البربري، و جافانا و الهندوس مقروءة بشكل جديد ضمن إسهامات إسلامية. إن العمليات التاريخية لكل من هذين المجتمعين تتجلى أيضاً ضمن سيرة هذين الوجهين من القداسة و المضمون الديني. فالوجه الرمزي الذي يمثله كاليجاغا يعبر عن دين يتميز بطابع باطني، و بالصبر و الحساسية، و بنوع من الجمالية و النخبوية و التحلل في الفردانية. إنها حالة من الراحة النفسية، غير أنه سيكون في مساره التاريخي أشد توفيقاً. أما الوجه الثاني الذي يمثله اليوسي، فقد ارتبط بالغليان و الحركية و التقوى و نوع من التشدد الأخلاقي و النزعة الشعبوية و بحماسة كاريزمية فردية.

يبدو لي أن هذه الصفات المذكورة الذي يقدمها غيرتز لا يمكن أن تكون لها قيمة سوى تلك التي تدل على طرق استكشافية في البحث، باعتبار أن الشكل الرمزي لليوسي، ربما ليس هو الشكل الوحيد الموجود في حقل القداسة المحلية. إذ يمكن أن توجد إلى جانبه أشكال من الوجوه المطمئنة في الحالة المغربية[11]. و بصورة عامة، فإذا استندنا إلى حالة الجزائر، فإن مفهوم القداسة المحلية لم يكن فيها موحداً و متماثلاً. فهناك أصناف متعددة نجد من ضمنها الأولياء الباحثين عن الطمأنينة و السكينة، و الصابرين، و المتخندقين في خلواتهم و المتعايشين مع الأولياء الصالحين المحاربين. و مهما كان من أمر هذه الملاحظة، فإن أهمية تحليل غيرتز تكمن في إبرازه عبر هذين المثالين، لثقافتين قام الإسلام بعد مجيئه بتحويلهما و احتوائهما و امتلاكهما.

فالتغيرات التي حصلت بفعل الاتصال بعملية العلمنة و الحداثة الذي أدخلها الاستعمار، تعبّر عن نفسها في الكتابات باعتبارها شكلا جديدا من الأشكال الرمزية و شبكة من التفسير التي تعطي معنى، ملبية بذلك الحاجة إلى فهم وتفسير الحقائق الجديدة. "إن ما يحدث لشعب ما يحدث أيضاً للإيمان، كما يحدث للرموز التي تعطي شكلاً لهذا الإيمان و تدعمه"[12].

و في هذا الصدد، لم تعد الأشكال التقليدية على صلة مع الحداثة، إذ أصبحت غير قادرة على الالتصاق بالواقع، بما يجعلها إطاراً صالحاً لإضفاء معنى على تحولات المجتمع و صيرورته. إنه الطلاق بين الرموز و الواقع. تشير مرحلة التدوين إلى الكيفية التي تجعل رموز أخرى تنبعث لإعطاء تطمينات للمؤمنين.

إن هذه العملية (المصطلح من استعمال المؤلف) توضح، في جانب من جوانبها، التغيرات التي طرأت على الحقل الديني الجزائري مع مجيء الحركة الإصلاحية الدينية في الثلاثينيات من القرن العشرين، التي تعتبر نفسها و ريثة تيار النهضة الذي ظهر في المشرق في بداية القرن العشرين.

غير أنه يجب علينا هنا تقديم بعض التوضيحات. فإذا كانت هناك عروض جديدة قد بدأت تأخذ أبعادا هامة في رفع تحدي الحداثة، و حتى مناهضة السيطرة الكولونيالية، فليس أمراً محسوماً أن الرموز القديمة، ممثلة في أشكال القداسة المحلية و الجمعيات الدينية، قد اختفت، و أنها كفَّت كلياً في أن تكون ذات أهمية لدى أولئك الذين انخرطوا فيها.

أعتقد أن هذه التشويشات موجودة بين الأسلوب الديني من جهة، و من جهة أخرى، يمكن ملاحظة تحولات الأسلوب التقليدي و الحكم عليها ضمن الضغوطات الممارسة عليه من قبل التيار الإصلاحي، و يزداد أثر تلك التحولات في العديد من الحالات حتى داخل المؤسسة الدينية التقليدية نفسها. فحينما نتأمل عن كثب المنافسة الدينية في الفترة الواقعة ما بين 1930 و 1950 في الجزائر، ينذر أن لا نلمس نبرات إصلاحية في المسلك الديني لبعض المؤسسات، حتى و إن كانت تبدي معارضتها لإلحاقها بالتيار الديني الجديد[13]

لا تبدو لي الأمور على قدر كبير من الحسم في عمليات التغير الديني، التي هي في طبيعتها معقدة و متباينة. و نجد المثال النموذجي على هذه الحالة مجسداً في تأسيس للجمعية الدينية الجزائرية "العلوية" سنة 1925، أي في وقت كانت فيه الحركات الإصلاحية لاتزال في إرهاصاتها الأولى و فروعها في حالة تشكُّلها. و لا تشكّل مرحلة التدوين بالضرورة عائقاً في دورة تأسيس الجمعيات الدينية. إن حالة "العلوية" الجزائرية تبين أنه حتى في الأسلوب التقليدي تجري عمليات إصلاح منافسة، غير أنها تبقى وفية لجذورها الصوفية، الأمر يتعلق هنا بتكييفات و تهيئات الرموز.

و يلاحظ من ناحية أخرى أن الحركة الإصلاحية، و إن استطاعت أن تؤثر على مجمل الحقل الديني الجزائري و القوى السياسية الوطنية الكبرى، فإنها بقيت، مع ذلك، خاضعة لمنافسة شرسة مع الفاعلين الدينيين التقليديين الذين يحتفظون بسطوتهم على مناطق كاملة ويمكنهم أن يعقدوا تحالفات مع الفاعلين السياسييـن[14]. وهي حالة مصالي الحـاج، القائـد الكاريزماتـي الوطـنـي، الذي، بعد أن كان متبنياً للمبادئ المؤسسة للنزعة الإصلاحية في مقاربته للأمة، بقي وفياً لجذوره الدرقاوية وزاويتها[15].

يتعين علينا أن نشير من ناحية أخرى، أن التيار الإصلاحي لم ير مقولاته مفروضة في مجملها على الفاعلين الدينيين الآخرين إلا بعد أن أحكمت الدولة الجزائرية قبضتها مباشرة على المجال الديني، أي بعد أن أنشأت بيروقراطية دينية حقيقية قوية في نهجها السياسي وفي أنماط سيطرتها على المجتمع.

يقوم غيرتز في نصه الصادر سنة 2006، الذي انطلق من سياق "ترحيل الإسلام" بواسطة حركات الهجرة وأزمات الهوية التي نجمت عنها، بنقد صارم للنزعة التطورية للفكر الغربي الذي استخلص حكماً متسرعاً بأفول الدين. إن النزعات العقلانية والعلمانية و الوطنية. و بصورة مختصرة، فك السحر عن العالم، كان من نتائجها أن أدخلت على العلوم الاجتماعية نوعاً من الرفض في بقاء الدين بوصفه عنصرا مهيكلا لعملية البحث عن المعنى.

كانت السيطرة الكولونيالية في البلدان المسيطر عليها، (ومن بينها الجزائر)، بمثابة ستار، كما يوضح غيرتز، وحتى فيما يخص دور النخب المستغربة (نسبة للغرب) أيضاً، ذلك أن "الأنا" العميق، قد انبثق، من العمق منذ فترة الاستقلالات، وهنا برز الدين مجدداً على السطح. و في واقع الأمر، فإن في هذا النص الذي يقترح فيه غيرتز منهجاً لفهم النزاعات والتحولات الحالية المطبوعة بشدة بالدين، لا نميز فيه، بصورة واضحة، كل عمليات إعادة توصيف الدين بعد فترات من البناء الوطني والعلماني.

وإذا عدت إلى حديثي عن الجزائر، فإنه من الواضح أن الإسلام لم يتم استبعاده من قبل النخب الوطنية بما فيها النخب الأكثر ليبرالية و "غربنة" (نسبة إلى الغرب). و في هذا المقام يشكّل فرحات عباس، المثال النموذجي الذي كان يربط، بصورة صريحة، بين "الأنا" والدخول في الحداثة. و لم يكن الدين، في فترة ما بعد الاستقلال، مطموساً من قبل بيروقراطية جزائرية حاملة لعقلانية وحداثة ثقافية، لكنه كان مسخراً لأغراض معينة.

و قد قامت، في مقابل ذلك، هذه النخب بتقديم تنازلات عندما كان الفاعلون الدينيون يمارسون ضغطاً، أو حينما بدا ذلك مهماً من أجل إقامة مشروعهم. و من جانب آخر، فإن ما كان هدفاً مركزياً في منطق كل من مشروع الدولة و نخبها هو اختفاء التقاليد، و من ثم الممارسات و الرموز الدينية التي تعبّر عنها، ممثلة خصوصاً في الجانب المتعلق بالطقوس و الجمعـيات الدينية. و في هذا الإطار بالتحديد، يتم الإجماع مع البيروقراطية الدينية التي قامت برسكلة الكثير من الإصلاحيين.

إن الأشكال الدينية الجديدة التي تعتبر النزعة الإسلامية واحدة من عناصرها ستقوم بإدانة هذا التواطؤ مع البيروقراطية الدينية الخاضعة للسياسة. إن أزمة النموذج السياسي و الحداثي الديني هي التي ستساهم في تفجير التوازن و الإجماع بين البيروقراطية الدينية و السلطة السياسية لصالح نبوءة دينية، التي تعتبر فيها الرموز أكثر ضماناً في سياق أوضاع متأزمة و انهيار يقينيات الثمانينيات و التسعينيات من القرن الماضي، و لكن، كما أشرت إلى ذلك في مقدمة هذا النص، يمكننا إذن الـقول، و بصورة جادة، أن عملية الاكتساح قد تحققت، و قطاع الشعائر و الجمعيات الدينية قد اكتسب قوة و بروزاً. لماذا؟ و استعادة لسؤال غيرتز، ما هي طبيعة البحث عن المعنى في هذه الحالة تحديداً؟

تتمثل النقطة الثانية المثارة أعلاه في كثافة الرموز التي تم إعدادها من قبل دعاة النبوءة الجدد. إن هذه الرموز التي فرضت بالقوة أو الخوف من القصاص في لحظات الصعود القوي على الصعيد العسكري تتجه اليوم لتصير علامة مسجلة لامتثالية اجتماعية جديدة. لقد ذكرتُ سابقاً مثال الحجاب الذي لا يمكن أن يكون وجوده مفروضاً بالقوة فقط، و عليه، لا يمكن اعتباره بالتالي علامة انخراط في الحركة الإسلامية الراديكالية. و ذلك دليل على وجود انفصال بين الرمز الديني و الانخراط في التيار الإسلامي الراديكالي. و هذا ما يطرح تساؤلاً ليس من الممكن الإجابة عنه دون مسائلة الحقائق الامبريقية، و دون "النظر ما فوق أكتاف" الأفراد على حد تعبير غيرتز. و في هذا المنظور كان غيرتز محقاً في رفضه البحث عما هو كمي، والتوجه نحو تفسير العملية الذاتية. و هنا تحديدا، يجب التساؤل : هل الحجاب و التردد على المساجد يعتبر فعلاً علامة أكيدة على الانخراط في النزعة الإسلاموية. ألا توجد قراءات أخرى عند الأفراد، و من ثم بناءات انطلاقاً من مخططات نظرية وفكر ديني جديد؟

يوجد أيضاً في نص غيرتز الصادر سنة 2006- (و كما يؤكد عليه أيضاً في كتابه "الإسلام ملاحظا")- ما يستوجب الإلحاح على مسألة أنه "يجب الاهتمام بنوعية الفكر: إطار الإدراك، الأشكال الرمزية، و الآفاق الأخلاقية". و بتعبير آخر يجب البحث عن التفسير و الفهم بدل البحث الدائم عن الأسباب. منهجياً، تبدو لي المقابلة الامبريقية عند غيرتز وجيهة لتوضيح و كشف الحقائق المعقدة بدل المقاربة السطحية التي تتميز دوماً بنوع من الاختزالية، حتى و إن تمكن هذا الاتجاه الامبريقي من أن يؤدي إلى "الغموض"، و"الارتياب" و الشكوك، مع أن الأمر يتعلق " بفرصة ممتازة من أجل الارتباك اللصيق بالواقع الاجتماعي".

خلاصـة

لم أقم، عمداً، بإجراء جرد شامل لكل العناصر التي تم التطرق إليها في كتاب "الإسلام ملاحظا" و لا للنص الصادر سنة 2006 المعروض في هذا المقال. أردتُ فقط، عن طريق هذا الأخير، على الأقل، الاقتصار على الجوانب التي استرعت انتباهي و التي استوقفتني في تأملاتي حول الدين انطلاقاً من الحالة الجزائرية التي أعرفها جيداً. و ضمن هذا الاتجاه، و بصرف النظر عن الحالتين المغربية والإندونيسية، أعتقد أن غيرتز، بقي، خصوصاً في تعريفه للدين والتغير الديني، ذا إسهام ثمين وطراوة لا جدال فيها. إن قراءة النصين تحتاج، لكي تحظى بمزيد من التعليق و النقاش، الانطلاق من حالة محددة ومحللة من جهة، استعمالها مسلك استكشافي لحالة أخرى مثل حالة الجزائر من جهة أخرى. و أعتقد أن هذا التمرين، الذي تعذر تحقيقه كلياً في هذا المقال -(الذي ليس إلا محاولة)- سيسمح بتقدير مساهمة المؤلف على الصعيدين النظري والمنهجي، لكن أيضاً الإشارة إلى الفروق الدقيقة التي يمكن تقديمها. إن الفائدة التي يمكن استخلاصها من الاطلاع على أعمال غيرتز- وهذا أمر سبق لي الإشارة إليه في بداية النص- تتمثل في اقتراح ميادين بحث و تفكير و توجهات نظرية ممكنة هي أكثر جدارة من الأطر الجامدة، بمعنى تلك النماذج الجاهزة أو نوع من النماذج الشاملة.


محمد ابراهيم صالحي - Mohamed Ibrahim SALHI


ترجمة :

الهوامش

*مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 50، أكتوبر- ديسمبر، 2010.

[1] Geertz, C. (1992), Observer l’islam. Changements religieux au Maroc et en Indonésie, Paris, Ed. La Découverte.

[2] Voir Geertz, C. (1983), Bali. Interprétation d’une culture, Paris, Ed. Gallimard. Ou Le souk de Sefrou. Sur l’économie de bazar, Traduction et présentation : Daniel C. (2003), Paris, Ed. Bouchène.

[3] ينظر أيضا الفصل الثالث، ص، 76-77.

4 هذا رقم ذكرته جريدة El Watan ليوم الخميس 21 فيفري. 2008 وحسب مصطفى كريم، رئيس الكنيسة البروتستانتية في الجزائر، فإن الكنيسة الإنجيلية تحصي 50.000 مسيحياً، من بينهم 10.000 من المتدينين الممارسين، منتظمين في 33 طائفة. إن القانون المنظم لممارسة الشعائر غير الإسلامية تمت المصادقة عليه في مارس 2006. ينص في أحد بنوده على عقوبات ثقيلة جداً ضد أي شخص "يحرض، أو يكره أو يستعمل وسائل استمالة وإغراء من شأنها تحويل المسلم إلى دين آخر...". لقد أخذ النقاش حول هذه المسألة أبعاداً لم تكن متوقعة خلال شهر فيفري 2008 بعد حصة بثت على أمواج الأثير في القناة الثالثة للإذاعة الجزائرية التي كان من أهدافها توضيح المشكل الذي طرحه النشطاء المبشرون. وبمقتضى هذا القانون تم غلق كنيستين بروتستانتيتين في ولاية تيزي وزو التي تضم 900 عضواً.

5 لقد جاء في تقارير الصحافة أن عملية اعتناق المسيحية كانت مقابل وعد بمنح "تأشيرة سفر"(Visa) أو مبلغ مالي كبير من العملة الصعبة

[6] فالشيء الوحيد الذي تشهد عليه "الحوادث" التي أثارت ضجة إعلامية كبيرة تمثل في أن طائفة مسيحية طالبت، بصورة علنية، بحقها في الوجود وأن المواطنين الجزائريين اخترقوا طابو اعتناق دين آخر. لكننا لا نعرف شيئاً مؤكداً عن حجم الظاهرة ولا الكيفية التي يسلكها المعتنقون في بناء المعنى وتوجيه أفعالهم..

[7] مقال نشر بعد وفاته في جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 04/05/2006. و هو عبارة عن محاضرة كان من المنتظر أن يلقيها في ملتقى "العلوم الاجتماعية في تحول" في باريس، 3-6 ماي 2006.

[8] كليفورد، غيرتز، المرجع السابق، ص 17 .

[9] Bohmann, G. (2003), « L’islamisme radical au Maghreb », in L. Addi. L’anthropologie du Maghreb : les apports de Berque, Bourdieu, Geertz et Gellner, Paris, Awal/Ibis Press, p.125-142.

[10] كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص 17.

[11] أورد حسن رشيق هذا الانتقاد في كتاب:

Chose et sens : « réflexion sur le débat entre Gellner et Geertz », in L. Addi, op.cit., p. 95-109.

 كليفورد غيرتز، المرجع السابق. [12]

 [13]أنظر في هذا الصدد العديد من الأمثلة الواردة في أطروحتي للدكتوراه بعنوان :

Société et religion en Kabylie 1850-2000, Université de la Sorbonne-nouvelle, Paris III, juin 2004, en particulier chapitre I, IV, VI VII.

 [14]المرجع نفسه.

 [15]العودة إلى مسيرته في:

Les mémoires de Messali Hadj, 1898-1938, Alger, ANEP, 2005.

"المحلي"، الأصل و المصطلح

لِنُزِِل الصورة الأولى عن أذهاننا، صورة تعيسة نوعاً ما حيث نتلقى منها دائما أسئلة من "القاعدة"، و حيث تبث منها تعليمات أو تفسيرات آتية من "أعلى". ما هو مبرر أن يكون لكلمة "محلي"، حتى و إن كانت عادية، مكانة في قاموسنا للعلوم الاجتماعية، حيث تعد أكثر من ذلك كلمة أنثروبولوجية. لماذا نشعر بالحاجة إليها، و من أجل ماذا نستعملها و نشير إليها، هل عجزت الكلمات العادية المرتبطة بممارساتنا من الإشارة إلى ما نريد توصيفه و بيانه؟

بعدما أفرغ من محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، سأتوقف عند ما يبدو لي جوهرياً، ألا و هو النتائج المنهجية لهذا الموقف، ثم سأتناول بعد ذلك مثالاً من واقع الأحداث.

الحركة المزدوجة

يعد المحلي في الحياة اليومية المكان الذي نعيش و نتعارف فيه، و منه يعترف بنا الآخرون، و هو بالبداهة، القرية و البلدة، الدوار و مراعيه، الحي و مبانيه و فضاءاته للتبادل و المواجهة. تطلق هذه التسمية في الجزائر (و في مكان آخر، غير أننا نلزم أنفسنا في حدود ما نعرفه)، على مكان تَجدُّرِ الأصل، أصل علاقة القرابة الأبوية، و المكان حيث يوجد الأهل و المقبرة، و الولي الصالح، الحامي الذاكرة و المراجع، أو حينما نقيم خارج المكان المألوف فنشعر بالحنين إلى كل هذا، و نقوم بعملية التكيف و التآلف مع ما يجاورنا، مهيئين أنفسنا لتجذر جديد. المحلي قبل كل شيء "بيتنا"، ال"نحن" المتغير بالضرورة مع الظروف التاريخية، غير أنه يحمل معه شرعية ما. فهذا النوع من المحلي ليس ما كان يبدو غالباً في مقاربات العقلانية، خصوصاً المنطلقة، على نحو خاص، من رؤية جغرافية، و التي على أساس تعريف دقيق لمجال خاص، تحاول توضيح المبادلات و النشاطات المتكاملة التي يقتضيه الجوار. و ليس له أيضاً علاقة بالمقاربات الواسعة التي من خلالها يمكن للمحلي، مقارنة بالمجموع، اعتباره في المقام الأول، منطقة ما دون أو ما فوق الوطن، أو كفارق حسب متغير ما (مثل التساقطات المطرية، كثافة السكان، الدخل المتوسط...)، كما بيّنه علم الخرائط، أو كما هو موضح في صور الأقمار الصناعية الفضائية، كجزء من فضاء معزول عن الكل أثناء عملية التحليل.

غير أن المحلي المعاش، يبدو على نحو خاص، مختلفاً جذرياً عن المحلي منظوراً إليه من أعالي الدولة المركزية والموزّعة للسلطات و الخيرات و الخدمات. و يعتبر المحلي، من هذا المنظور، نقطة وصول تدفقات من الأوامر و الوسائل التي تنتقل عبر أجهزة متخصصة تصل إلى دوائر محددة سلفا و حسب قواعد مطبقة من قبل أعوان متماثلين مبدئياً. كل هذا من أجل تجنب مخاطر شبكات الماء الصادرة عن المركز من أن تنحرف عن مجراها المتوقع، أو أن تضيع في رمال الوقائع. إن الدولة، و هي تستهدف إظهار الاعتراف بسلطتها في كل مكان، و التوصيل لكل طرف نصيبه من الخيرات و الخدمات، تجهل المحلي أو تخشاه، ذلك أنها تخاف من أن تنحرف تدخلاتها عن مقاصدها. أما السوق، فإنها تجهله أيضاً، معتبرة إياه نقطة تعبير خاصة عن العرض و الطلب في مجمله.

هناك إذن رؤيتان للمحلي: رؤية الفاعل المنطلق من بداهة علاقـاته اليومية التي يمكن أن تبلغ، بواسطة التكتل أو التحالف، إلى علاقات أكثر اتساعاً، علاقات جهوية، وطنية، أو جاهلة للحدود، كما هو الشأن في الانتماء الديني. و هناك أيضاً رؤية الدولة المتدخلة في إقليمها و التي تستهدف من وراء ذلك إدماج السكان و تنظيم المبادلات.

تصبو الدولة من وراء رؤيتها تلك إلى توسيع الاستفادة المشتركة حسب الحاجيات، عند قصورها عن بلوغ الاتحاد، قائمة على التوزيع المتراتب، خشية ألا تصل أيضاً إلى المستهدفين من خدماتها، و مهملة المناطق "المعزولة". فليس في هذا الأمر ما هو جديد. و دون الحديث عن التمييز الذي يمكن أن يقيمه علماء السياسة بين "الدولتين"[1]، نعرف على وجه الخصوص أن علماء الاجتماع المتخصصين في التنظيمات عليهم في آن واحد دراسة تنامي المشاكل و الطموحات لأعضاء الدولة مثل الكيفية التي تم تفسيرها و التكفل بها، و في ذات الوقت دراسة توزيع التعليمات و الايدولوجيا التي تنتقل من المنظمين نحو الأعضاء، و كذا كثافة هذه التدفقات المعبرة عن التضامن الداخلي للمنظمة.

لا شك أن هناك ما يدعو إلى تعجيل التفكير في المحلي، ليس فقط بسبب المآسي الحديثة التي شهدت بهذه المناسبة ظهور هيئات تمثيلية محلية مطالبة بماضي منسي، لكن لأن معنى المحلي يبدو غائباً عن الرأي العام، و ذلك ربما بفعل ما نشرته وسائل الإعلام عن الهيئات التمثيلية المعولمة. لقد بدأ ذلك في الجزائر بالتقليد الكسول في تعيين الولايات، و تعقيد أقاليمها، و فضاءاتها البيئية، كما في أماكن استيطانهم البشري، بواسطة اسم المدينة الذي تعتبر المقر الرئيسي الإداري، أو عن طريق الإهمال الذي يستبعد تعدد أصول المبحوثين المصنفين في فئتين وحيدتين: "المدينة" و "الريف"، كما نلاحظه في بحوث الطلبة في علم الاجتماع. أو عن طريق الإغفال الذي من خلاله تصف اللغة اليومية أولئك القادمين الجدد أو الوصوليين بـ"الغرباء" ، كل أولئك الذين لم تكن أقدميتهم في الإقامة مماثلة لذلك الذي يتكلم. و لكن أيضاً عن طريق الدعوة المتكررة "لقوانين السوق"، مع إغفال الظروف الملموسة لعملية جمع، و نقل و بيع المنتجات، و تعدد الطلبات و الأسعار. يتجلى الغياب أيضا من خلال الاستعمال الدائم "للنسب المئوية المتوسطة"، التي غالباً ما تكون مزينة بالألوان في بطاقات، التي تخفي الفوارق بدل من أن تساعد على إدراكها وفهمها. وقد أدى هذا إلى اعتبار كل ما هو عادي أمراً "طبيعياً"، مثل الخلط بين المتوسط الحسابي و المعيار (مثل قياس التساقطات المطرية)، و تصور ما هو مرغوب فيه كأمر عادي كلياً لظروف الحياة و المصير في نطاق الأمة أولاً، ثم اتخاذ الصورة المرئية في التلفزة كمرجعية

المحلي اختلاف

المحلي ليس فقط اختلافاً بسبب أن كل جزء من الفضاء له إمكانياته و نقائصه، تضاريسه و مياهه، و مشاهده الطبيعية الخاصة به، و لا بسبب أن لكل ساكنة محلية طريقتها في حيازة هذا الفضاء و العمل فيه، و تاريخه و كثافته، و لكن أيضاً تاريخه الذي يُروى لبيان تشكله و تقسيماته، للمطالبة بحقه في أن يكون هنا، لإعطاء معنى لما يعيشه[2].

لكن المحلي هو أيضاً فيما تتلقاه، بصورة غير متساوية، من الخارج، و في كيفية استعمال لما كان تتلقاه: كموقع مفضل بهذا القدر أو ذاك بما توفر عليه من طرق المواصلات و أقطاب التشغيل، و المدرسة القريبة و مراكز الخدمات التي يمكن الاستفادة منها و استخدامها، كما تكون قريبة من أعوان هذه الخدمات و من "المنتخبين" الذين يتمتعون بهذا القدر أو ذاك من الكفاءة و النزاهة، و يمكن الاقتراب منهم، حيث يقومون بترجمة المطالب دون تشويه.

إن محلي اليوم ليس وحده نتاج الطبيعة و التقاليد. لقد تم تحويره و تحويله بفعل تدخلات الدولة و العلاقات السلعية، و نظام الإجارة و التجارة. لقد كان على كل فاعل محلي أن يحدد موقعه و موقفه تجاه هذه التدخلات حسب فرص و إمكانيات الترقية أو توفر الأمن التي يراها فيها حسب موقعه في الجماعة التي ينتمي إليها. كما بنبغي على هذا الفاعل المحلي أن يتخذ موقفا من العمل في الخارج أو البقاء لمزاولة تعليم البنات، و بناء الدار، و الاستثمار، و التموقع كرجل حكيم أو الدخول في اللعبة السياسية، الإفصاح عن ثقافته المرجعية، أو القطعية. إن حالة كل ما هو محلي حالياً هو نتاج جملة من الخيارات التي تقررت منذ أربعين سنة رداً على عروض و التماسات آتية من مجموعة أوسع، و لا سيما الدولة الوطنية. و من خلال فهم معنى هذه الردود، ضمن استراتيجيات أسرية أو شخصية، يمكن أن تأتي منها قراءة قائمة على ما يمكن أن يقدمه اليوم لنا ما هو محلي. إن الجماعة التقليدية المتكاملة، و المستقلة ذاتياً و المنافسة لجيرانها، على افتراض أنها لم توجد بالمرة كما نستعيدها، لم تعد موجودة، حتى و لو بقيت أمكنة مربوطة فيما بينها ربطاً سيئاً، بسبب انعدام الإمكانيات، و من ثم وصفها بأنها مناطق "محرومة"، حيث يجد الشباب أنفسهم فيها مقصين من المدرسة أو من العمل المثمن، و بالتالي من الزواج، مما يؤدي إلى بقاء بنات غير مخطوبات، و من ثم إقامة الحجة على أن التقاليد لم تعد تضمن استمرار نسل الجماعات.

إن ما نجده، و نحن ذاهبون إلى ميدان المحلي، هي تلك التجمعات السكنية التي تتميز بهذا القدر أو ذاك من الضيق و العشوائية، و المتوفرة على "خدمات" حكومية أو ما شابهها، و على النشاطات التجارية. كما نجد في نطاق هذا المحلي قرى لا تعيش بالعمل إلا جزئياً في حقولها و مزارعها، و دواوير حيث تستخدم مراعيها لتربية المواشي بصورة مكثفة، بحيث لا يجد كل راعي من الرعاة القدامى نصيبه فيها. كما نجد "قطع أراض" مهيأة للبناء مأخوذة من أراض كانت سابقاً زراعية بجوارها منازل مبنية على النموذج الحضري، و"أحياء" يحاول مستأجروها حيازتها، و أحياء أخرى تتفكك إلى "حومات" متنافسـة، ومتخاصمة، كـما توجد في كل مكان مـدن، و تجمعات سكنية جديدة، أنشـأتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، السياسات الحومية، و التي أصبح ساكنوها، بنمط عيشهم، متمردين على كل محاولة ل"تثبيتهم" في قالب نموذجي خضوعهم لمراقبة السلطة المركزية.

إن التغير الاجتماعي هو في آن واحد نتاج لهذه التدخلات: تدخلات الدولة و السوق و استراتيجيات الفاعلين المعنيين، و لذلك فإن المحلي هو نتاج استخدامات من هم جزء من المجموعة السابقة للحيازة على هذه الإمكانيات و ما تنطوي عليه من إكراهات حسب ما يرونه متطابقاً مع مصالحهم و كرامتهم.

إن الاشتغال على المحلي، بما هو مجال للبحث والدراسة محصور في حقل يتيح جمع المعطيات الكيفية ويتيح عقد مقارنات، و هو السعي للحصول على الوسائل التي تمكَن من الإحاطة الحية بجدلية ما هو "داخلي"، باعتباره ذاتاً يعي نفسه بهذا القدر أو ذاك (دون وجود تناقض داخلي)، و بين الخارج، الذي يشمل ما يمكن أن تأتي منه الثروات و المجد. يمكن للمحلي أن يكون، ضمن هذا المنظور، نقطة انطلاق متميزة، لكن كيف يمكننا معالجته؟

مسائل منهجية

إن اختيار معالجة المجتمع انطلاقاً مما هو محلي، هو قبل كل شيء رفض ما يوفره التحليل الإحصائي من أمن في نتائجه الموحدة التي يتم الحصول عليها من عينات ممثلة، ليس من أجل الاعتراض عليها، و لكن من أجل أن نأخذ بعين الاعتبار الوجه الآخر، محاولين إدراك الدينامييات التي تتدخل في إنشاء وضعيات الذي يقوم التوزيع الإحصائي بوصفها.

هل المونوغرافيا هي السلاح الأفضل لمهاجمة المحلي ؟

تتوفر الجزائر على عدد لا يستهان به من الدراسات المونوغرافية المحلية، الذي يعتبر البعض منها هاماً[3]، و هي دراسات قام بها متخصصون في علم الجغرافيا، و العمران الحضري و التهيئة العمرانية، و التاريخ الأنثروبولوجيا، و كذا العديد من أعمال الطلبة في تخصصات مختلفة. كما توجد إلى جانبها، الأعمال الأدبية و السير الذاتية التي وجب الاستفادة منها. كل ذلك يشكَل ثروة هامة، لكن من الصعب الربط فيما بينها و تفسيرها لفهم مجتمع اليوم، لأنها أعدت في فترات مختلفة، و أحياناً في أفق ضيق من التخصص أو في دراسة حالة خاصة بعينها.

غير أن ما هو مهم، ليس المحلي في حد ذاته (ما عدا فاعلي المكان المعني)، لكن كيفية ما يمكن للمحلي أن يقوم به كردود فعل تجاه الإسهامات و الضغوط الخارجية. الأمر يتعلق إذن بفهم العلاقة أو نوع العلاقة بين المحلي – و هو ما نجده أثناء البحث الميداني- أو ما يشمله و ما شمله خلال مسيرته التاريخية. أليس الإكثار من الدراسات المونوغرافية (أو القيام على الأقل بدراسة مونوغرافية لمنطقة محلية واحدة لكن في مدة زمنية متباعدة) بإمكانه أن يساعدنا على إحراز تقدم في فهم الكيفية التي يكون فيها كل محلي مختلفاً في علاقته مع الخارج[4].

و لكن من جهة أخرى، عندما لا نتوفر إلاّ على عدد محدود من الدراسات المونوغرافية، مهما كانت درجة جديتها، كيف يمكننا أن نـعرف فيما إذا كانت ممثًلة، و ممثلة لأي شيء؟ لماذا هذه القرية،

و هذه القبيلة، و هذه الواحة، و هذا الحي بعينه دون ذاك؟ هل لأن كل ذلك كله يـبدو أصلـياً، يشبه الصور القديمة المعدة سلفاً، بما يجعلنا نعتقد أن نجد فيها الماضي متجاوزاً؟ أو لأنها تبدو قد نجحت في الانتقال إلى الحداثة؟ أو لأنها موضوع مشروع تحوَل؟ أو لأنها مبعث قلق؟ إن مجرد اختيار المحلي كموضوع بحث يحمل في ذاته خلاصات الدراسة.

قد يكون من الممكن محاولة تبني مسلك منهجي وسطي. يقوم قبل كل شيء على وضع فرضية تقسيم جهوي (يكون واسعاً ومستقلاً عن الحدود الإدارية) على أساس مقاييس تتطابق مع الأهداف المراد تحقيقها: مثلاً، خصائص الوسط الطبيعي و ما نعرفه عن أنماط العيش السابقة كسمات ثقافية. (و يمكن أيضاً استخدام الخرائط الجميلة التي أعدتها الوكالة الوطنية للتهيئة الإقليمية [5](L’ANAT) و المعطيات الإحصائية التي تلتها، و ما إلى ذلك). نقوم بعد ذلك بسحب عشوائي، من جملة البلديات المتضمنة في هذه المناطق، بلدية أو بلديتين، (اختيار واحدة منها معنية بالتغيرات الحديثة، وأخرى "معزولة" أو أكثر لدراسة حالة محددة. تعتبر البلدية أصغر وحدة إدارية معترف بها إدارياً، حيث يتم هنا التعرف على مكوناتها (مثل القرى ولجانها أو جمعياتها، القبائل، و الأحياء الجديدة...). يمكن أن تنطلق دراسة الحالة في هذا المستوى، و سيكون ممكناً هنا الاستعانة بدفاتر المقاطعات الإحصائية لاستكشاف محلة من المحلات داخل البلدية. و قد يكون أحياناً، على العكس من ذلك، مفيداً أن تتخذ مجموعة من البلديات المجاورة كموضوع دراسة. إن الغاية من إجراء السحب بواسطة القرعة هو تجنب الوقوع في الإغـراءات التي تنطوي عليها حالة محلية محددة، دون، أن يضمن لنا مع ذلك، نوعاً من التمثيل الصادق.

قد يكون اختيار الطلبة لمكان ازديادهم الأصلي بديلاً عن طريقة السحب بواسطة القرعة، غير أنه لا يشجع بالضرورة على موضوعية المحقق. و في جميع الأحوال، يجب أن يوضع هذا الاختيار، ضمن الإطار الواسع الذي ينتمي إليه. يتم بعد ذلك القيام بعمل مكثف و مزدوج، و لكنَه مركَز نسبياً خلال فترة زمنية معينة، حول المجتمع المحلي في جميع مكوناته، أي دراسة سلوكيات و مراجع أولئك الذين يشكلونه ( بما في ذلك المتدخلين غير المقيمين)، و كذا العلاقات الخارجية في جميع أبعادها، بما في ذلك إرسال و استقبال مختلف الرسائل، و دور الأعيان المحليين، و المنتخبين و أعوان الدولة والسـوق و غيرهم، مع الحرص على تسجيل المعالم الكرونولوجية حول التغيرات التي تساعد على كشف هويتها. يعتبر ذلك بمثابة دليل عمل في الميدان كفيل بتحضير عناصر المقارنة، مع ترك مكانة أوسع للمبادرات و الحساسيات المتعددة للمحققين.

إن تحليل و حوصلة هذا النوع من العمل يجب أن ينجز بالاشتراك مع المتخصصين في الأنثروبولوجيا والباحثين في العلوم الاجتماعية على ضوء حركة التاريخ الجارية. يمكن أن يظهر هذا النوع من الاقتراح مثالياً. فليس ذلك إلاّ محاولة، ضمن محاولات أخرى سيكون مرحباً بها، لرؤية كيف يكون ممكناً معرفة و فهم تنوع ديناميات المحلي عندما لا يكون هذا الأخير في مواجهة مع ماضيه الحقيقي و المتخيل فقط، و لكن أيضاً في مواجهة مع الوافد عليه من خارج ذاته. كل ما هو محلي يخشى، بالفعل، أن يكون مبتذلاً وعادياً أو معالجاً وفق معايير خارجية، مما يعرَضه للزوال. يتناول موضوع البحث شروط بزوغ فاعل جماعي محلي قادر على اختيار و تنظيم توازن دائم بين مجاله و ساكنيه في تفاعله مع مجموعات أكثر اتساعاً يشكل هو نفسه واحداً من مكوناتها.

كما يستهدف البحث الكشف عن الموضوعات الاجتماعية الجديدة مثل الإقليم، و حجم و تركيبة السكان، و العلاقات. ذلك أنه لا يوجد ما يجعلنا نرى أن العلاقات القديمة بين المجموعات الاجتماعية و بيئتها المعيشية لازالت تحتفظ بمصداقية عملية، حتى و إن كانت تدعي الحنين إليها.

إن الطابع الأصيل لكل محلي خاص، على شساعته، لا يمكن، دون شك، أن يُكْشَف عنه انطلاقاً من تلك المقاربة، لكن هناك فنانين للقيام بذلك. لا غنى لنا، لنا من أجل معرفة البلاد و الأمة في تعقيداتها وأزماتها، و من أجل الاعتراف بالتنوع كمصدر للحيوية في الوقت الذي ينظر إليه كانحراف أو حرمان، من الاستعانة بالمساهمة الحالية للعلوم الاجتماعية في جميع تخصصاتها.

المنهج في لحظة اختبار

في غياب امتلاك جملة من المعارف المتكاملة عن التغيرات الجارية على المستوى المحلي، أصبحنا نحن المتخصصون في العلوم الاجتماعية، و المتخصصون في الأنثروبولوجيا على وجه الخصوص فقراء و عاجزين عن تفسير الأحداث التي تعرفها حالياً منطقة القبائل. الأمر لا زال مبكراً، فالمعلومات التي جمعتها وسائل الإعلام و روايات بعض الشهود لازالت جزئية، و متحيّزة. إننا لا نعرف بعد مآل الأزمة لاقتراح إشكالية ما. فهل من الممكن، على الأقل، أن نحتفظ، انطلاقاً من التأملات التي اقترحناها الآن حول مقاربة المحلي في الوضع الحالي، بقائمة من الموضوعات التي يتعين علينا تعميقها؟ إننا نقدم هذه الفرضيات هنا للتأمل و النقاش.

يطرح النزاع على مستوى العلاقة بين المحلي و الوطني، كما تفصح عنه الرمزية الجارية (مثل الحواجز، محاولة طرد الهيئة التي تعين بصورة دائمة أعوانها في الخدمة الوطنية (العسكرية) ضمن المحلي، تدمير أنظمة الاتصالات العمومية: مثل البريد، و الهاتف، و المباني الإدارية و ما تحويه من ملفات). إن تعريف السياسة و مجال ممارسات السياسة هو المستهدف ضمنيا من وراء ذلك، فهل يعتبر ذلك اتحادا متتابعا و متدرجا لفاعلين محليين، تجمعهم إرادة مشتركة أو وحدة مؤسسة تتنوع تدريجياً باقترابها من المحلي؟ هل الديمقراطية هي التعبير الأساسي عن وحدة و إجماع الجماعات المحلية، أو التعبير، على مستوى القرار، عن أفراد يجتمعون للمطالبة بالاعتراف، عن طريق الأحزاب و الجمعيات بخياراتهم، و مصالحهم و طموحاتهم المشتركة؟ هل الأمر يتعلق بانبعاث "النزعة الانقسامية"[6]، و ليس فقط باحتجاج محتقن ضد البيروقراطية و اختلالات القنوات القائمة بين المركز و الأطراف؟

- إن ميدان النزاع ليس هو الفضاء التقليدي بقراه المتراصة (تادارت) و مزارعه أو جماعات القرية القريبين من أسواقهم(و هذا ما يعرف بالعرش)، و أمكنة "أوليائمهم الصالحين"، و مسالك قممهم، و إنما هو الفضاء الجديد الذي صنعته الطرقات و حركة نقل المركبات، و الإدارات و مقراتها، و التجارة وشبكاتها، و المؤسسات و مناطق توظيفها، و السكنات المبنية بالأسمنت العمومي و الخاص، و جماعات الانتماء و مالكيها و محتليَها. أصبحت هذه التجمعات السكنية الفاقــدة لمواصفات الهندسة المعمارية، مدناً في واقع الأمر، بسكانها الذين يتجاوز عددهم بسهولة عشرة آلاف نسمة، و قد اكتسبت هذه التجمعات مكانة مقر الدائرة، دون أن تمتلك مواصفات مجتمع حضري. تتركز فيها النشاطات "العصرية" لأناس لازالوا، من جهة أخرى، أعضاء في قراهم الأصلية. هذه المدن تسيطر عليهم وتحيط بهم، يستعملونها و لا يتحكمون فيها. تخضع هذه التجمعات السكنية ، مبدئيا، للقانون العام الوطني (و ليس للنظام المحلي القديم)، غير أنها تعتبر، على وجه الخصوص، فضاءات للتنافس غير المقنن أي أنها فضاءات لا تخضع للقانون.

- غالباً ما تذكر المؤسسات التقليدية بهذا الاسم، و اسمها هو الذي استرعى اهتمام وسائل الإعلام. فقلما كانت القرية باعتبارها حيَّا[7]، تتدخل عن طريق هيئة القرار العادية المسماة "تجماعت"، حتى و لو كان أعضاؤها يظهرون بأسماء الحكماء أو "الأعيان"، يقومون بدور المصالحة. إن أشكال التنظيمات الجديدة، مثل لجان القرية و الجمعيات، التي استعادت صلاحيات الجمعية لممارستها في السياق الحالي (كما أظهر ذلك ابراهيم صالحي[8])، لم تقم هي نفسها بممارسة مثل هذا الدور. لم يكن الرهان على مستوى القرية، التي تعتبر في عمومها كياناً محدوداً قائماً في فضاء قديم، و إنما كان على مستوى البلدية (التي تشتمل على ما لا يقل عن عشرات من "القرى")، و حتى على مستوى الدائرة، أي على كيانات تابعة للدولة أو تجمعات قرى التي استعملت في تسميتها كلمة "العرش" ثم أخذت قيمة رمزية لم تكن أسسها السابقة بديهية، و حتى الطوبونومية (علم الاسماء و الأماكن) لم تكن واضحة، فأحياناً ما تتردد في تسميتها ما بين الدوائر الانتخابية و بين أسماء تحال إلى التجمعات القديمة. و كأنَ الإطار الحالي في تحديد مجالات النشاط هو الذي ينفجر بفعل تنامي الحاجيات الجديدة و العادات المستحدثة، من دون أن تتمكن من العودة، مع ذلك، إلى التقسيمات (والتوترات) السابقة، استناداً إلى مرجعية حنينية. أصبح الرهان يكتسي أهمية قصوى، ذلك أن الأمر يتعلق بتحديد هوية الفاعلين الجماعيين الحاليين وحقول مشروعيتهم.

- إن القوة التي تعبر عن نفسها هي قوة الشباب، و لا سيما الشباب المتعلم أو في طريق التكوين، و من المنطقي أن هذه القوة لا تعبر عن نفسها في سياج سلطة القدماء، و إنما في المدن الجديدة حيث توجد أماكن التكوين، و أماكن التشغيل، و أماكن الاستهلاك و الترفيه، و الأماكن المنفلتة عن الرقابة الاجتماعية و لقاءات النظراء. تشتغل الفضاءات الحضرية، القديمة منها أو التي هي في حالة تشكل، كأمكنة للقاءات بالنسبة للفئات الاجتماعية الجديدة من التجار و الحرفيين الحديثين، و الناقلين، والموظفين، والعمال، والمتقاعدين و الشباب في طور التكوين، أو في حالة انتظار التشغيل. ينحدر كل هؤلاء من مختلف القرى المحيطة، و هي قرى يخضعون فيها لرقابة اجتماعية حينما يقيمون فيها ، ولكنهم ينفلتون منها باجتماعهم فيما بينهم في نطاق تسامح فضاءات غير مقننة من قبل التقاليد وغير خاضعة للانضباط الحديث، حيث نجد فيها "البزنسة"، و العطالة، و حركة التنــقلات، وأنماط الموسيقى والألبسة، كما نجد عند البعض المشروبات الكحولية، و المخدرات. إن الإغراءات حاضرة، تقدم صورة لإمكانية تحقيق رغبات فردية بيسر و سهولة دون أي قيد آخر غير المال.

  • المال هو الذي يتحكم في السلوكات و الأفعال، حتى و لو كانت هذه الفضاءات الجديدة قد تم إنشاء جزء كبير منها من قبل التدخلات الإدارية ومصالح الخدمات العمومية، فهي فضاءات تجارية، وكل ما هو أكثر اجتذاباً للشباب بشكل خاص، يباع نقداً. فكل ما يتيح للفرد التميز على الآخرين، مثل الملابس، و السيارات، والمنازل الــمريحــة، والأجهزة الإلكترونية يجب أن يُشترى. وكل فرد لا مال له يُقصى من المنافسة، حيث استبدلت المنافسة بالمال على المنافسة بالشرف الذي اعتمد معيارا للعلاقات الاجتماعية التقليدية. غير أن هذا المجتمع، الذي كان في زمن مضى متقشفاً، ثم ألف ما يحصل عليه من كرم التوزيع "الاشتراكي"، صار الآن مفلساً، لأنه لا ينتج إلا قليلاً من المال، ولصالح البعض من الناس. لقد تم القضاء على قيم النزعة "المساوتية" بسبب استحالة استفادة الغالبية من الناس على الخيرات المرغوب فيها، وبفعل الإنفاق التفاخري للبعض منهم. و لذلك أمكن القول أن الفضاءات الحديثة هي فضاءات للإحباط.
  • تمَّيز حاضر منطقة القبائل، بصورة يتعذر محوها، بتجربة الهجرة، نظراً لمحدودية الموارد في مقابل كثافة سكانية عالية التي جعلت من هذه المنطقة (حسب تباين المجموعات الاجتماعية)، خزاناً للعمال المهاجرين، و هذا طيلة الفترة السابقة على الاستعمار. فمنذ فترة الغزو، ثمَ الحرب العالمية الأولى، و خصوصاً مع بداية من الحرب العالمية الثانية، أصبح لزاماً على سكان هذه المنطقة، من أجل إعالة أسرهم، الذهاب بحثاً عن العمل في الخارج، أي في مناطق أخرى في البلاد أو في الضفة الأخرى من البحر. و هي تجربة كثيفة وطويلة ( خلال سنوات الخمسينيات)، و يحصى خلال هذه الفترة أكثر من نصف الرجال البالغين المهاجرين إلى فرنسا في بعض المناطق[9]. كانت تتم تلك التجربة في شكل ذهاب بالتناوب للرجال البالغين وحدهم، ثم في شكل تجمع عائلي بعد الاستقلال في مناطق العمل، التي كان من نتائجها ميلاد ما يُعرف بـ" beurs" الحاليين و أطفالهم، و هم من أصل منطقة القبائل و حاصلين على الجنسية الفرنسية[10]. لقد كان من نتائج هذا التاريخ الطويل أن خلق نوعاً من الجوارية المخيالية منافسة دائمة بين "أبناء الأعمام" من جهة ثانية، منافسة بين الذين تلقوا تربيتهم في الخارج وأولئك الموجودين هنا، سواء كانوا من السكان الحاليين للمنطقة أو المشتَتين بسبب أعمالهم في البلاد و خصوصاً في التجمعات السكنية للجزائر العاصمة أو ما جاورها.

و خلال فترة تفكك الاقتصاد الحكومي (القطاع العام) (الذي تزامن مع تحرير الاقتصاد و انخفاض قيمة الدينار) كان وزن الهجرة مفيداً للمنطقة التي عرفت نوعاً من الازدهار المرتبط بتصريف العملة في الأسواق غير الرسمية، و بتجارة الحقيبة و الاستثمار و التوفير في أشغال البناءات و المؤسسة الصغيرة. إن هذه الفترة من الرخاء -التي ساهمت، إلى جانب مساهمات أخرى، في نشاطات المدن الجديدة- أصبحت مهددة بالزوال، بسبب قلق المهاجرين الذين يترددون في استثمار أموالهم في البلد من جهة، و بسبب نفاذ معاشات المهاجرين المتقدمين في السن من جهة ثانية.

ساهم الانفصال التدريجي بين المغتربين القبائل في الشتات و منطقتهم الأصلية في زيادة مصاعب هذه الأخيرة، و هي صعوبات مادية (من جملتها تقلص الطلب، طلب العائدين لقضاء عطلهم في البلد) و صعوبات معنوية مرتبطة بتدني قيمة البلد الذي يعطي الحجة للابتعاد عنه. إن الغضب على الوضعية الحالية، باتهام "النظام" على أنه هو المسؤول عن ذلك، دون تحديده، يستهدف تبرئة أولئك الذين اختاروا الذهاب إلى الخارج، و أن تبخيس الذات يمكن أن يعني التموقع بجانب الآخرين، بجانب أبناء العمومة الذين نجحوا أو الذين تظاهروا بذلك.

إن صورة الذات، المنتمية لمنطقة القبائل في كيانها الأوسع، و المحددة انطلاقاً من استخدام اللغة، أصبحت تغطي حالياً هويات أكثر محدودية مما كانت عليه قياساً بالأجيال السابقة، مثل هوية القرابة، و القرية، و العرش في حالة الحرب الكونفيدرالية، و هوية الأمة أثناء الحرب ضد الاستعماري. يعود هذا التوسع ، دون شك، إلى حركة الهجرة بحثاً عن للعمل، و إلى الحاجة إلى تضامن أولئك الذين نزحوا إلى داخل ثم إلى خارج البلد من أجل العمل، و لم يكونوا يحظون دوماً باستقبال جيد. إن هذا الأمر هو نتاج عمل كل أولئك الذين بنوا المرجعية القبائلية ضمن المجموعة البربرية، خصوصاً منذ ظهور و نجاح الحركة الثقافية البربرية (MCB). لقد أصبحت هذه الحركة الآن واقعاً اجتماعياً، و هي تتجاوز الحدود الإدارية وحتى حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث رسمت مجموعة اجتماعية محدَدة نطاقها عن طريق اللغة القبائلية كلغة الداخل، أي لغة المبادلات الداخلية.

  • إن صيغة البناء هذه، و التي جرت في سياق التعارض المفتوح لما اعتبر في و قتها كـ"ثقافة وطنية"، قد عملت على حشد تثمين جماعي للاختلاف، و ما كان ذلك ممكناً دون الاستعانة بموضوعات تم نشرها حول "أسطورة القبائلي" الكولونيالي[11]. و يفهم من ذلك، عبر خليط من الحجج المؤسسة تاريخياً، كآثار أيديولوجيا ذهبت إلى حد العنصرية، إذ نلاحظ أحياناً في مواقف بعض الشباب نوعاً من التثمين الزائد عن اللزوم للأنا المدفوع إلى حد اللامعقول. إن انبعاث هذه المواقف مجدداً يضعف الأفراد، بطبيعة الحالة، ويجعلهم مرتبكين وحيارى إزاء الفجوة بين مطامحهم و واقعهم، مرتبكين في تعبيرهم عن مطالبهم جملة، كما يجعلهم عرضة لتشويه صورتهم أو أي "تدخلات" أخرى.
  • يوجد قطب آخر لانبعاث إيديولوجي يمارس أيضاً جاذبيته حول القبائل، ألا و هو الإسلام السياسي في طابعه المسلح. سكان القبائل مسلمون كغيرهم من الجزائريين الآخرين، و حتى عندما تكون حياتهم محصورة في القرية و القبيلة، فإنَ ممارساتهم الدينية يمكن أن تتخذ طابعاً خاصاً، و حينما يكتسبون تعليماً دينياً أو يكونون في مواجهة في عملهم مع غير المسلمين، فإنهم يتعرفون عن بعضهم البعض بانتمائهم للإسلام. إن إدعاء البعض بتأكيده أن القبائليين يتصفون في الجوهر، بمناعة ضد النزعة الإسلامية، كان ذلك جزءاً من عملية انبعاث "أسطورة القبائلي". لقد أدى هذا الإدعاء إلى طمس الواقع وتشويهه.
  • كانت منطقة القبائل، على العكس من ذلك، أكثر استعدادا و تهيئاً، باستثناء الأجيال المكافحة ضد الوجود الاستعماري و السنوات الأولى في عملية البناء الوطني، للثقافة الاستقلالية للجماعة القروية التقليدية، مما جعلها ترفض كل سلطة تدعي فرض نفسها على القرية أو على إتحاد القرى، باستثناء ما يتعلق بالدين. وضعت "الجماعة السلفية للدعوة و القتال"، كجماعة سلفية، تفرقة بين الشعب التي ترى من واجبها حمايته، و بين الحكومة و أعوانها المستهجنة في ذاتها، و حتى في غياب انخراط صريح، فإن تقارب بعض الموضوعات، بات يتسم بنوع من الحساسية[12].

تتمثل أهم خاصية جوهرية تتصف بها الوضعية الحالية، في انسحاب النساء (رغم بعض المبادرات و المواقف المتأخرة للتنسيقيات). فحينما عرفت المظاهرات الحضرية الأولى مشاركة نسائية معتبرة، ظهر أن اللجوء إلى المراجع التقليدية، قد تم فهمه منطقياً كدعوة إلى التفرقة القديمة للفضاءات بين الجنسين، أي إقصاء النساء من مجال السلطة السياسية: لقد أُسند إلى النساء دورهن الدائم، دور الباكيات الداعيات إلى الانتقام. غير أن النساء كانت غائبات عن اجتماعات التنسيق، و المسائل التي كانت تطرحها على الدوام، بصورة صريحة، لم تتم الموافقة عليها في النصوص التي جرت المصادقة عليها. لقد كان لعودة المحلي، بالنسبة إليهن، إنكاراً لكل التغيرات التي أجرتها فعلياً الدولة مثل التمدرس و الجامعة والتشغيل، و الانتخابات، و الخدمات، و التغيرات التي استهدفت تحسين إطار الحياة...، التي كان من نتائجها إسناد أدوار نسائية جديدة استطاعت أن تتقلدها على نطاق واسع. فحينما كانت النساء تعبر عن نفسها، فذلك من أجل المطالبة بمواصلة هذه التغيرات و تدعيمها: ينبغي، هنا أن نلاحظ أن هذه القوة قد جرى إهمالها، بل، أكثر من ذلك، كبتها وقمعها.

يبدو الأمر على العموم واضحاً أن اللجوء إلى المؤسسات المحلية السابقة يحمل معه تجديداً للوصاية العائلية على أولئك الذين يجب أن تضبط سلوكياتهم للمساهمة في تماسك الجماعة، و نعني بهم كل النساء، و لكن أيضاً الشباب. يجب، فعلاً، العمل على تمكين الاستراتيجيات الزواجية لأرباب الأسر و الكبار منهم من الانتشار و الامتداد. و من أجل تحقيق هذه الغاية، فإن تيسير تلبية الحاجات الجنسية للفتيان كما للفتيات يجب أن تكون محددة، بصورة صارمة، في نطاق الزواج الذي يجب أن يبقى من مهام العائلات وحدها. نحن على علم أن أزمة الزواج الحالي[13] بلغت مداها إلى حد التفاقم بسبب ثقل القيود و شدتها، و المتطلبات التقليدية في المحافظة على الشرف، و هي متطلبات مجسدة في ضمانات عينية و نقدية تجعل من الصعب على الشباب الزواج دون تدخل علائقي و نقدي لعائلاتهم. قد لا يحضى أكثر الشباب بمكانة داخل الجماعات المحلية، بسبب بقاءهم دون زواجكما يشكل الحضور الخفي لأعداد مماثلة من الفتيات في حالة انتظار خطوبة ما، أو أنهن "تجاوزن سن الزواج" إكراها عاماً. يتعلق الأمر بجماعات الشباب (بالمعنى الاجتماعي للكلمة، باعتبارهم غير مسؤولين، لأنهم غير متزوجين)، الموجودون خارج البيت العائلي (ذلك أنَ الرجل لا يجب أن يبقى في البيت طوال اليوم)، فهؤلاء هم الذين يشكلون القوة الضاربة للحركة الحالية. نجد ضمنها أطفالاً، حالما يعتبرون أنفسهم بلغوا مرحلة من العمر لا يمكنهم فيها البقاء مع نساء عائلاتهم، وصولاً إلى العازبين المكرهين على تمديد عزوبيتهم. البعض من هؤلاء يلعب لعبة الحرب، و البعض الآخر يحمل معه خيبة أمل عن الربيع البربري و النجاح عن طريق التوظيف أو إقامة مشروعات فردية، لكن مستقبلهم يتم تحضيره في الخارج.

تنطوي التغيرات الاجتماعية على نزعة تفرَدية، حتى و إن لم تكن في صورتها المكتملة، فإن الأفراد، من رجال و نساء يظهرون بقدراتهم و طموحاتهم، و رفضهم للقيود الحالية. إن حاجتهم للحرية و المسؤولية تتعارض مع النظام التقليدي الذي يخضع كل فرد فيه للمصلحة المشتركة. يجد النظام التقليدي صعوبة في تبني مقتضيات النظام الحديث (ليس فقط القانون الوطني، لكن أيضاً تعليمات الأمن، و المنافسة، و الادخار، و التأمين، و الكياسة و الآداب مع غير الأهل...)، لأنه لم يكن مهيئاً لقبولها. إن دور المواطن، أي بما هو فرد مشارك في الشأن السياسي عبر اطلاعه على معلومات منشورة من قبل الأحزاب و قدرتها على تكوينه، لم ينفصل، بصورة واضحة، عن الانتماءات الأصلية. ذلك أن الضغط الاجتماعي المحلي، و شرف الجماعة، و الإشاعات، كصورة عمَا يُعتقد أن تكون الحياة في الخارج، تعمل على تشويش الفكر. لقد جرى إحالة الحقوق إلى المستوى الوطني، و ربط الواجبات بالعائلة و بما هو محلي. و ضمن هذا المنظور، يمكن اعتبار الوضعية الحالية في منطقة القبائل كصورة ممثلة و معَبرة بوجه خاص عن التوترات الحالية في كل أنحاء البلاد. لكن شريطة ألا تتسبب النزعة الحنينية و الفظاظة في تشويه أو إخفاء ما هو حديث، و ما هو حالي و كوني في المعركة بين النظام القديم و النظام القادم.

إن ما يجري في منطقة القبائل جزء لا يتجزأ مما يجري في العالم. لقد أصبحت العولمة، في كل مكان، بأنماط علاقاتها الاقتصادية الجديدة، كما في النشر العالمي للصور و الرسائل، تتجه نحو تذويب المراجع الوطنية و تسعى إلى محو أو تجاوز سلطة الدول. و قد نجم عن الطابع الاعتيادي لهذه العولمة آثارًا تمثَلت في انبعاث شخصيات جماعية و إيقاظ نزاعات متعلقة بالحدود و التعايش بين الدول المجاورة. و في كل مكان، أصبحت هذه النزاعات مستخدمة كوقود في حركة النظام العالم. و على نحو خاص، فإن العلاقات بين المغتربين في الشتات و مناطقهم الأصلية يمكن أن توحي باقتراح تشكيل "منطقة حرة" عابرة للحدود و مندرجة مباشرة في المبادلات البينية بين الأوطان، سواء كانت متمتعة بحقوقها أو دون حقوق خاصة بها.

لقد تمت محاربة الدولة-الأمة في كل مكان باعتبارها شكلا من أشكال التنظيم السياسي، و استخدمت لذلك النزعات الخصوصية كبوابة لتدخَل القوى الأجنبية. و ضمن هذا المنظور، لا توجد خصوصية قبائلية: ذلك أن الوضعية يجب أن ينظر إليها أيضاً، دون نسيان روعة الماضي، كعنصر من عناصر "أحجية الصورة المقطوعة" (Puzzle) العالمية.

خلاصة

إن التفكير في المحلي في جانبه المنهجي، و محاولة اختبار طريقة لتبيان محاور التفكير حول تاريخه و هو في حالة اشتغال و حركة، قد قادنا، على ما يبدو، بعيداً عن المحلي الذي كان هو الموضوع المقترح. ليس ذلك اقتراحاً لإهمال هذا المحلي، بل بالعكس من ذلك، حيث نأمل أن تظهر يقظة ضمير محلية أو جهوية للتضامن، في كل مكان و ليس فقط في منطقة القبائل، تكون متجاوبة مع المبادرة و المسؤولية المشتركة حول الأقاليم المهيَأة من قبل ساكنيها. نأمل ايضا في أن إعادة تحديد مسار الفعل السياسي سيساهم في إزاحة العوائق عن المؤسسات و الديمقراطية.

غير أن هذه المحاولة كانت لها فائدة في بيان أن المحلي لا يمكن أن يدرس علمياً إلا إذا تم إدراجه في إطار الكل الذي يشمله بكل تعقيداته.



ترجمة :

الهوامش

* مقال سبق نشره باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات، العدد 16، أفريل-ماي 2002 بعنوان:

« Le « local », l’origine et le terme ».

[1] Badie, B. (1986), Les Deux Etats, Paris, Fayard, (réed. Points, 1997).

[2] نجد هنا دليلا حديثاً و جميلاً قدمه مارك كوت. أنظر

Cote, M. (1996), Pays, paysages, paysans d’Algérie, Paris, CNRS.

[3] البعض من هذه الدراسات الخاصة بـ ال (CRAPE) منشور من قبل، لكن توجد إلى جانبها أيضاً الكثير من الدراسات الجامعية التي يصعب الوصول إليها. أنظر في هذا الصدد:

Espaces maghrébins, pratiques et enjeux, Actes du colloque de Taghit (23-26 novembre 1987) organisé par l’atelier, sémiologie spatiale, de l’URASC, introduction de Nadir Marouf, Université d’Oran-Urasc, ENAG. Éd., 1989. Voir aussi Carlier, O. et Marouf, N. (1995), Espaces maghrébins. La force du local, CEFRESS Université de Picardie, Paris, L’Harmattan.

 [4]نجد هنا في دراسة هنري مندراس برهاناً ساطعاً على ذلك. أنظر:

in Mendras, Henri et Oberti, M. (2000), le Sociologue et son terrain, trente recherches exemplaires, Paris, Armand-Colin, Coll. « U », (chapitre 1).

[5] PNUD-ANAT, Carte de la pauvreté en Algérie, Octobre 2000.

 [6]و هي قراءة استعادها مؤخراً محفوظ بنون:

Bennoune, M. (1998), Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique, Alger, Marinoor.

[7] Au sens de Masqueray, E. (I983), Formation des cités chez les populations sédentaires de l’Algérie, 1886, rééd. Edisud.

[8] Salhi, B. (1999), « Modernisation et retraditionalisation à travers les champs associatif et politique : le cas de la Kabylie », Insaniyat, n° 8, p. 21-42.

[9] Mahé, A. (2001), Histoire de la Grande Kabylie, XIX-XXe siècle, Anthropologie historique du lien social dans les communautés villageoises, Paris, Ed. Bouchène.

[10] Sayad, A. (1999), La Double Absence, Paris, Seuil.

[11] Mahé, Alain, op.cit., livre 2.

 [12]هناك مثال من بين آلاف الأمثلة. رعاة صغار يتحدثون مع صحافي بعد مجزرة تجبالين :"إن ناس الغابة لا يهاجمون الشعب، إنهم يريدون المال و لا يطالبون بذلك، إن كنت تستطيع مساعدتهم، فأفعل، و إذا لم يكن لك مال، فإنهم لا يجبرونك على ذلك، و إذا كانون يهاجمون المدنيين فلإن أعوان الحكومة قد مروا من قبل يبحثون عن المعلومات… فلم يكونوا أشرارا معنا، إننا نراهم كل يوم يمرون من هنا". أنظر :

Le Quotidien d’Oran, 10 février 2001.

[13] Adel, F. (I998), « La crise du mariage en Algérie », Insaniyat, n°4, p. 59-78.

Kateb, K. (2001), la Fin du mariage traditionnel en Algérie ? 1876-1998, Paris, Ed. Bouchène.

البلاد المغاربية بوصفها جماعة متخيلة

إن مقاربة ما يمكن تسميته عند الاستخدام - و بكل تحفظ - "بالحدث المغاربي"، "الوعي"، "الهوية" أو حتى "الوحدة المغاربية "، أو ببساطة كل ما له علاقة بالدعوة الجماعاتية للوحدة المغاربية لا بّد من الوقوف عند حيثياثه، خاصة بمناسبة انعقاد هذا الملتقى المتمحور حول "الجماعات المتخيلة في فضاء البحر الأبيض المتوسط"[1]، مع التركيز على الأعمال المدونة حول المسألة الوطنية التي أنجزتها بينديكت أندرسون (Benedict Anderson) و الكثيرون غيرها، حيث لا يسمح المقام بذكرهم جميعا[2].

و لأسباب تتعلق بعرض الموضوع، سنعود إلى التذكير و الاشارة إلى بعض الملاحظات التي ربما ستسمح لنا بالوصول إلى نتائج (تبقى بالتأكيد نتائج مؤقتة)، و ربما الوصول إلى اقتراحات ستكون حتما محفوفة بالمخاطر، أو ربما الوصول إلى طرح تساؤلات شتى ؟

البلاد المغاربية بوصفها جماعة متخيلة و متمَّثلة: مسألة الأسماء و اعتباطيتها

إن البلاد المغاربية هي، بلا ريب، بناء يقوم على جملة من التراكمات و الخصائص الموروثة عن التاريخ والتي تتداخل فيها العديد من المحطات ذات الصبغة السوسيو-أنثروبوجية و السياسية التي قامت على إنتاجها. و لقد عرفت هذه البلاد المغاربية سلسلة من التسميات المختلفة التي تكمن صفتها الرئيسة حسب فقهاء اللغة، وعلماء الدلالة ، و غيرهم من السوسيولسانيين في اعتباطية الرمز و من ثمّ اعتباطية الاسم و في كونها تسميات تحيل إلى واقع معيش مختلف و تمثّلات متنوعة انتهت في آخر المطاف إلى الانقسام الذاتي حسب الحساسيات و الرؤى التي تتضمنها المفاهيم الحالية السائدة و ذلك دون الوقوع في المقاربة الغائية ( téléologique) و الماهاوية (essentialiste). فمصطلح المغرب (Maghreb) في حد ذاته ارتبط في البداية بالفتوحات الإسلامية التي كانت تعتبره بمثابة غرب مسلم (مع احتوائه في فترة من الفترات على الأندلس، مالطا أو صقيلية)، قبل أن يتم إدراكه بوصفه مغربا عربيا في أواخر القرن التاسع عشر و بالأخص مع بداية القرن العشرين الذي شهد مولد القومية العربية، و في علاقته أيضاً مع المشرق العربي المتمثل في المنطقة الجيوسياسية، التي لا يجب الخلط بينها و بين ما كان يدعى بالمشرق الاسلامي أو الشرق المسلم الذي ارتبط بالفتوحات أو بالنشاط التجاري في أعماق القارة الآسيوية، أي تحديدا في المناطق التي لا تحتل فيها اللغة العربية، في أيامنا هذه، مكانة اللغة المحلية أو أكثر من ذلك، لا تعد فيها اللغة العربية لغة "وطنية".

و من صدف التاريخ أن يؤدي مصطلح المغرب (Le Maghreb) إلى انقسام الحيز الجغرافي الذي تعد البربرية أو الأمازيغية لغته الأصلية حتى قبل أن تدخل هذه اللغة في منافسة مع اللغة العربية أو يتراجع استخدامها أمام الاستخدام الواسع للغة العربية. و كان ذلك هو ما عرف بليبيا القديمة (أو ليبو هيرودوت) (Lebou de Herodote) في إفريقيا الرومانية (و التي كانت تجمع إفريقية، نوميديا والموريتانيات (بالبلاد البربرية أو "الدول البربريسكية" في الفترة الحديثة (أو ما قبل الكولونيالية)، و بشمال إفريقيا في الفترة الاستعمارية المعاصرة، و التبدل الأخير يكمن في المصطلح الجديد المتمثل في "تمزغا" (Tamazgha) و المستخدم أحيانا في أيامنا هذه.

لابّد من الإشارة أيضا إلى أن مصطلح المغرب (Maghreb) يتميز اليوم بتعددية معانيه على اعتبار أنه يحيل في اللغة العربية أيضا إلى أحد أجزاءه فقط، و المتمثل في المغرب الأقصى القديم (المغرب أو المغرب الأقصى) الذي يدل بشكل كبير على دولة المغرب حاليا (Le Maroc) [3].

حديثنا هنا، بطبيعة الحال، هو حول المغرب بالمعنى التقليدي للمصطلح (و المدعو أحيانا في اللغة العربية "بالمغرب الكبير" للتمييز بينه و بين دولة المغرب (أو المغرب الأقصى)، و هو يمتد حاليا من البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى إفريقيا جنوب الصحراء، و يضم أيضا الدول الوطنية المتمثلة في ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب و موريتانيا، بالإضافة إلى قضية الصحراء الغربية التي عرفت الاحتلال الاسباني إلى غاية 1975 ثم تم تقسيمها بين موريتانيا و المغرب، قبل أن يتم إلحاقها كلية بهذا البلد الأخير مع كونها لا تزال لغاية الساعة محل مفاوضات جارية تحت رقابة منظمة الأمم المتحدة.

البلاد المغاربية، بين الوحدة الأنثروبولوجية و إشكالية الوحدة السياسية

هل شكلت البلاد المغاربية يوما وحدة سياسية، بغض النظر عن محاولات دمجها في تكتلات أكثر اتساعا وذات نزعة غربية كالإمبراطورية الرومانية في الحقبة القديمة والامبراطوريات الإسلامية للشرق، الأموية منها ثم العباسية من بعدها في بداية العصر الوسيط، و كذلك محاولة ضمّها ابتداء من القرن السادس عشر إلى الإمبراطورية العثمانية (التي امتدت إلى غاية الحدود الغربية للجزائر الحالية) ثم في فترة الاستعمار الأوربي (خاصة مع فرنسا انطلاقا من سنة 1830 بالنسبة للجزائر ثم تونس، المغرب و موريتانيا، و أيضا محاولات إلحاقها ببعض المناطق الأخرى كإسبانيا و إيطاليا)؟ لقد كان بإمكان ذلك أن يحصل منذ العصر القديم عن طريق المدن التي أسسها الفينيقيون (قرطاجة انطلاقا من القرن الرابع قبل الميلاد) أو في بعض المماليك البربرية كالمملكة النوميدية مع ماسينيسا (من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد) و في فترة لاحقة مع الفاطـميين في القرن العاشر للميلاد و المرابطيين من القرن الحادي عشر إلى القرن الثاني عشر، و مع الموحدين (على وجه الخصوص) في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر؟

كان ابن تومرت قد نجح من خلال الاعتماد على المصموديين (Les Masmoudas) بالأطلس العالي في وصل بعض القبائل الأخرى كـالكوميين من الطرارة الذين جندهم عبد المؤمن بن علي لجعل إمبراطورية الموحدين قوة قادرة على جمع شمل أهم مناطق البلاد المغاربية، من الأطلس إلى غاية حدود ليبيا الحالية ومن البحر الأبيض المتوسط (و إلى غاية إسبانيا) و الصحراء، و هذا خلال ما يقارب قرنا من الزمن (من القرن الثاني عشر إلى القرن الثالث عشر). فإذا كانت الظروف التاريخية قد سمحت لهم ببناء دولة، فإن هذه الأخيرة كان يفترض بها السقوط تاركة المجال إلى هيئات ذات حدود متحركة، و لكنها رسمت بشكل مسبق خريطة الدول المغاربية المعاصرة [4].

لقد تصادفت هذه الطموحات ذات الصبغة الإمبراطورية و خاصة تلك المرتبطة بالمرابطين و الموحدين بين القرن الحادي عشر و القرن الثالث عشر، مع وصول و استقرار موجات من الهلاليين بالبلاد المغاربية و التي قدمت من المشرق في القرن الحادي عشر (بنو هلال، بنو سليم، بنو معقل...) و كذلك مع ترسيخ المذهب المالكي الذي تم نشره انطلاقا من القرن التاسع من القيروان.

و هذا ما يفسر دون شك سبب اعتبار هذه الفترة في الكثير من الأحيان بوصفها الفترة التي عرفت انبثاق بلاد مغاربية كلاسيكية تتميز بوحدة سياسية من خلال انصهار الخصوصيات الجماعية الأساسية التي أصبحت تميزها منذ ذلك الحين باستخدام اللغات المنطوقة البربرية التقليدية و العربية، و سيادة الإسلام المالكي الذي استفاد من تراجع أو اختفاء المذاهب الأخرى التي كان أصحابها خارج الأرثودكسية السنّية، و الذين اعتبروا من الخوارج إلى جانب الإباضية، و بدرجة أقل، الصفرية (çofrisme) و كذا مختلف تفرعات الـنزعة الشيعّية، (خاصة الأدارسة و الفاطميين) و أيضا انطفاء آخر معاقل المسيحية التي كان وجودها يعود إلى الحقبة الرومانية القديمة[5].

في الواقع، إذا كان بإمكان البلاد المغاربية أن تتميز بنوع من الوحدة الأنثروبولوجية و بتفاعلات و تداخلات تاريخية بديهية، فإن الوحدة السياسية التي تم تسييرها من الداخل و بتمركز ذاتي، لم تستمر إلا لفترة وجيزة عبر التاريخ. لقد كانت هناك فترات طويلة من الهيمنة التي قادتها مجموعات خارجية، دون أن تفكر المدن الإمبراطورية حتى في ضمان وحدة إدارية، على الأقل للمنطقة التي كانت تحكم حسب القوانين المتفاوتة و المختلفة باختلاف التقسيمات و طرق الهيمنة في الفترات الرومانية، العثمانية ثم الفرنسية.

كما يمكن القول أنه من العصور القديمة إلى أيامنا هذه، استغرق قيام تشكيلات الدول المحلية المتنوعة و المتنافسة، إن لم نقل المتخاصمة في بعض الأحيان، فترة من الزمن أطول و أهم بكثير من تلك التي استغرقتها الامبراطوريات الزائلة على مر الزمن، للفاطميين -خلال الفترة المغاربية في القرن العاشر- والمرابطين أو حتى الموحدين (أقل من قرن بالنسبة لكل منهما).

البلاد المغاربية بين الأمس و اليوم: بين الدينامية المحلية و الدينامية الشاملة

إن هذه الدول المغاربية التي تشكلت عبر التاريخ بتقاطع ديناميات" شاملة" (لنقل أكثر جهوية أو حتى عالمية) و ديناميات أكثر "محلية"، إذا استعرنا مفهمتها عن ماكسيم رودنسن(Maxime Rodinson) نجدها قد كانت تستقي ظروف بزوغها من سياقات سوسيوتاريخية و أنثروبولوجية محددة. أما التعبير الذي ساد فترة طويلة فلا بدّ من البحث عنه في السيرورة التي وصفها و نظّر لها عبد الرحمن بن خلدون، و هو يبدو للوهلة الأولى تعبيرا "محليا" و "داخليا" (endogène). و فعلا تبدو ظاهرة العصبية مرتبطة بشكل كبير بالتشكيلات الاجتماعية الموسومة بهيمنة التنظيم القبلي و أشكال التضامن القرابي و السلالي.

ففي الأوقات العصيبة و فترات ضعف الدول الموجودة (المدن الدول، الإمارات أو الإمبراطوريات حسب السياق)، فإن المجموعات القبلية الأكثر قوة (والمجتمعة في بعض الأحيان في شكل كونفدراليات) أي تلك التي كانت تربطها عصبية جدّ قوية، كانت تقترح حسب مختلف الأشكال، حلا بديلا أو تقدم خلفاء يرفعون للسلطة أسرة مالكة جديدة متمخضة عن أرسطوقراطيتها الخاصة بها. تصبو هذه الظاهرة إلى التموقع في دينامية أكثر شمولية ما دامت هذه العصبية تحتاج، حتى تعبِّر عن نفسها بشكل حقيقي، إلى دعوة (أو عمل دعوي)، و تهييج إيديولوجي مرتبط بالرسالة الدينية

و ينتمي إلى قاعدة اقتصادية تسمح له بتسخير الموارد اللازمة للقيام بهذه العملية على أكمل وجه. ففي العصر الوسيط كان التهييج الإيديولوجي مستوحى من الإسلام من خلال مختلف أشكال الولاء (المأخوذة أيضا عن " الخوارج" (kharéjisme) والشّيعة (le chi’iisme)، أو مذهب السُّنة حسب مخطط "الفعل المحمدي" الذي يقترحه جورج لابيكا (Georges Labica)، و الموارد الاقتصادية المستحوذ عليها في الكثير من الأحيان عن طريق مراقبة المسارات التجارية التي تنعش المنطقة، خاصة التجارة العابرة للصحراء (تجارة الذهب بالدرجة الأولى كما توضحه الدراسات المعاصرة).و قد أدى إلتقاء هذه العوامل المختلفة و إمكاناتها و كذا الظروف المرتبطة بتلك الفترة إلى تحديد نتائج العملية، و أهمية التشكيلة السلطوية الجديدة و قوة الأسرة المالكة الجديدة (والتي تمكنت من الوصول إلى قمة إمارات محلية أو مجموعات أكثر اتساعا ذات توجه إمبراطوري). و دون التوقف كلية عند هذا الحد، فإن هـذه الظاهرة تراجعت حمولتها مع نهاية العصر الوسيط، و بشكل أساسي، بسب استنفاذ التجارة داخل المناطق الصحراوية الذي يعود سببه ربما إلى ندرة الذهب الافريقي، و بالإضافة إلى عامل النهضة الأوربية التي تمكنت من تحويل مسارها انطلاقا من القـرن الخامس عشر من السبل البحرية إلى طرق القوافل التي كان العالم الإسلامي يمثل نقطة تقاطعها الأساسية[6].

و من جانب آخر، سبقت كما رافقت النهضة الأوربية ثم صاحبتها مظاهر توسع مثل الحروب الصليبية و استعادة المسيحيين للأندلس) (La Reconquista في شبه الجزيرة الإيبيرية، ثم الضغط الكبير الذي سبق فترة استعمار بقية العالم، بما في ذلك السواحل المغاربية. و على الرغم من المقاومة التي قامت في ظل حكم العثمانيين في فضاء البحر الأبيض المتوسط و في أغلب جهات المغرب، و الحيوية الظاهرة للسعديين في المغرب الأقصى و كذا شبكة الطرق الصوفية التي انتشرت تقريبا في كل أنحاء العالم الإسلامي و خاصة في البلاد المغاربية[7]، حيث تمت فيها محاولة استبدال تجارة القوافل بظاهرة القرصنة البحرية- و هي ظاهرة لم يكن بالإمكان التصدي لها- ظهر الاستعمار ابتداء من القرنين التاسع عشر و القرن العشرين. فقد دخل الفرنسيون إلى الجزائر سنة 1830، ثم إلى تونس سنة 1881 قبل تقاسم المغرب مع الإسبان كنتيجة لإعلان المحميات سنة 1912. فالمقاومة التي قامت ضد الاحتلال انطلاقا من المدن، و بشكل أكبر من النسيج القبلي و من الزوايا أصيبت بالضعف إلى أن انطفأت تماما مع نهاية القرن التاسع عشر في الجزائر، ثم بعد ذلك بقليل في مناطق مغاربية أخرى كانت حديثة العهد بالاستعمار، و في الوقت نفسه، تم هدم بنيات المجتمع كلية من خلال الغزو الرأسمالي الكولونيالي و الذي تمخض عنه ميلاد فئات جديدة ما لبثت، بعد فترة قصيرة، أن عبّرت عن نفسها من خلال الحركات الوطنية و النزعة القومية.

مشرق - مغرب - دول إقليمية: نقاش حول وجود "أمة عربية"

لا يتعلق الأمر هنا كثيرا بمعرفة ما إذا كانت البلاد المغاربية تشكل جماعة متخيلة و هو أمر طبيعي[8]، بقدر ما يكمن في معرفة ما إذا كانت قادرة على الظهور بوصفها كلاًّ يحمل عنوان أمة، و في حالة ما إذا كان الجواب بنعم، نتساءل لماذا لم تتطور في شكل دولة وطنية تجمع كل المنطقة ؟ فإذا كانت تتميز منذ سالف العصور بوحدة لغوية، و حتى إثنية– دينية و أحيانا سلطوية و سياسية، و هو ما يمنحها بشكل أو بآخر، حقل "للعمق التاريخي" (أنور عبد المالك، و هو بصدد حديثه عن مصر)، و حتى خصوصيات قادرة على الاحالة إلى " نزعة وطنية شعبية في طور التكون" (إيريك هوبزبون / Eric Hobsbawn)، فمن الصعب الاستمرار في الحديث عن أمة بالنسبة لمجتمع لا يزال في المرحلة الزراعية ما قبل - الرأسمالية[9]، و هذا الأمر ينطبق بشكل مؤكد على كل بلدان المنطقة كل منها على حدى.

يبدو للوهلة الأولى أن الأمور لا تختلف كثيرا إذا ما تم البحث عن التموقع على مستوى العالم العربي بأسره مع السؤال الدائم عن وجود أمة عربية كما كان "سمير أمين" يراها بازغة منذ العصور الوسطى مع ظهور طبقة من التجار – المحاربين. و لكن، ألم يكن ذلك مجرد إعادة بناء لاحق مرتبط بتجنيد النزعة القومية العربية مع مطلع القرن العشرين (الشباب العربي، البعث، الناصرية.....) و الذي أدى فعلا إلى ظهور تسميات المشرق العربي و المغرب العربي ؟ ففي كل الأحوال، يبدو أن مسألة وجود أمة أو ببساطة نزعة قومية عربية أُخذت على محمل الجدّ، على اعتبار أن السؤال الذي كان مطروحا دار حول ارتباطها بالدول الوطنية التي ظهرت للوجود فعليا.

و من ثم كان بالإمكان تفسير هذه الظاهرة باقتراح وجود أمة "مزدوجة الرواق" أو "بطابقين" (ماكسيم رودنسن، أنور عبد المالك). بقي سؤال آخر يُطرح يتعلق بمعرفة سبب غياب التقدم نحو ظهور دولة "عربية موحدة" و لماذا باءت بالفشل كل محاولات الانصهار التي شُرع فيها ؟ وكيف يمكن تفسير استمرارية الدول الاقليمية التي تعود إلى التقسيم الاستعماري و أحيانا أيضا تلك التي كانت تسبقه بسبب نزعات شتى. و هذه هي حالة البلاد المغاربية التي تهمنا في هذا المقام ؟ ألا يحيل هذا الأمر إلى متخيلات متراصة أو متقاطعة و حاملة في الوقت ذاته لنزعات وطنية اقليمية، لقومية عروبية، و متغيرات أخرى كتلك التي هي لصالح الوحدة المغاربية ؟ هذا، في حين أن ما يمكننا ملاحظته، هو أنه على المستوى الماكرو يبدو أن موضوع الوحدة العربية قام، و لفترة طويلة بتهميش موضوع الوحدة المغاربية. حتى أن جامعة الدول العربية تمكنت بالرغم من تقاعسها تكوين نوع من الرؤى في بعض الفترات من تواجدها، و ذلك بلا شك من خلال النزاعات في الشرق – الأوسط و القضية الفلسطينية و لكن أيضا من خلال نشاط تيارات سياسية كالبعث أو الناصرية و التي لم يكن لها مثيلا في البلاد المغاربية، حيث كان "اتحاد المغرب العربي"(UMA) غير قادر حتى على تسيير هيئاته القانونية. أضف إلى ذلك أن صخب المراسيل الذي وقع في بداية القرن والذي كان مصدره اللجنة التي نشطها الإخوة باش حامبة، وتأسيس نجم شمال إفريقيا سنة 1926 بباريس أو الحركة الناشطة للجنة تحرير المغرب العربي التي برزت في الأربعينيات و الخمسينيات، و التي كان يرأسها في القاهرة عبد الكريم الخطابي، مع محاولة خلق، في الوقت ذاته، و في الفترة الممتدة بين سنتي1955 و1956 جيش تحرير المغرب، لم تكن سوى مبادرات مجهضة لتصوّر إفريقيا الشمالية موحدة على المستوى السياسي. و على الرغم من علامات التضامن، فإن أهم المقاومات تمت بصفة منفردة بالنسبة للبلدان المغاربية، منذ المقاومة التي قام بها في الجزائر الأمير عبد القادر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، و حتى انتفاضة الريف المغربي مع عبد الكريم من سنة 1921 إلى غاية سنة 1926، و في ثورات التحرير التي انتهت بالاستقلالات الوطنية.

وحدة و تنوع : المرجعيات الهوياتية و النزعات الوطنية في طور التكون و التواريخ الوطنية

بالرغم من فشل المحاولات العديدة لتحقيق الوحدة المغاربية، إلا أنه كان بوسعها أن تنجح في ظل ظروف مغايرة. فهناك عوامل كثيرة مساعدة بشكل موضوعي، كالمرجعيات الهوياتية الموروثة التي كانت تقرب مختلف النزعات الوطنية التي في طور التكون (تنافد اللغات المنطوقة البربرية و العربية فيما بينها، الاسلام والذاكرة المشتركة....)،الجوارية الاقليمية، و التاريخ المتداخل، حتى لا نقول المشترك منذ غابر الأزمنة و حتى مجابهة الاحتلال المعاصر. فالتاريخ لا يبنى بالعد التنازلي ، او بـ "إذا" و "ربما"، و على عكس الظاهر، لا تمثل البلاد المغاربية على المستوى الاجتماعي مجموعا منسجما بشكل كامل، وذلك بسبب طبيعة التقسيم السكاني، إذ يعيش بعضهم في السهول و الجبال، و السهوب

و الصحراء، في حين يعيش بعضهم الآخر في المدينة و في الريف، كما يعود السبب أيضًا إلى بنيات اجتماعية أخرى متباينة. و دون الوقوع في الحتمية الجغرافية، فإن التوجهات المركزية يجب أن تواجه بشكل مستمر التنافرات المركزية المختلفة.

هذا الأمر سهَّل، بدون شك، من وجود الجماعات، ثم التشكيلات الدولية المتعددة، إلى حدِّ أنه أثناء فترات الاندماج في الإمبراطوريات الأكثر اتساعاً، لم توجد إدارة مركزية و موحدة. فالاستعمار الفرنسي -حتى بعد أن استقر مع الاسبانيين في المغرب الأقصى- احتفظ عموما بالنسبة لمناطق إفريقيا الشمالية التي احتلها في البداية، بالتقسيمات نفسها المتمخضة عن سقوط الدولة الموحدية في القرن الثالث عشر، وهي التقسيمات نفسها تقريبا التي سبق تبنيها من قبل، خلال الإيالات العثمانية و إيالة الجزائر، تونس، طرابلس و المملكة المغربية. عند العودة بعجلة التاريخ إلى الوراء نجد أن الجغرافيين العرب لم يميزوا، كما أشرنا إليه، بين المغرب الأدنى و المغرب الأوسط

و المغرب الأقصى، و لم تتبين لهم منذ العصور البربرية و الرومانية الحدود الموجودة سلفا بين نطاق قرطاج، الممالك النوميدية و الموريطانية ! و نحن لا نحتاج إذن إلى الذهاب بعيدا، بما أن الأمة، ظاهرة مرتبطة بالعالم الحديث. فإذا كان الوطنيون يوظفون الماضي بوصفة أداة، فإنهم يقومون بذلك بطريقة انتقائية و مبالغ فيها من الناحية التخييلية مع إطلاق العنان لمخيلتهم في سبيل تحقيق أوهامهم و تطلعاتهم فمقارباتهم التي تتميز في الكثير من الأحيان بالصبغة الغائية و اللازمانية

و تُذكر في الكثير من الأحيان في كتب التاريخ المدرسية "الوطنية" و غيرها من المؤلفات، يجب أن تكون محل دراسة و نقد.

هل شكلت البلاد المغاربية يوما أمة واحدة ؟ حول لغة الطباعة و الرأسمالية

دون تغيب المقاربات "المثالية" أو "الذاتوية" للأمة (فيخت Fichte، رينان Renan) و "المادية" أو "الموضوعاتية" (الماركسية بمختلف اتجاهاتها)[10] استطاعت جملة من العوامل المشتركة حسب بنديكت أوندرسون المساهمة في وضع مخيال وطني. و قد لفت انتباهنا عاملان اثنان من بين تلك العوامل: وجود لغة محلية مطبوعة و وجود الرأسمالية، مع ترابط تأثيراتهما. فقد عرفت الصين و كوريا على سبيل المثال الطباعة قبل انتشارها في أوربا في القرن الخامس عشر، ولكن ذلك لم يؤد إلى ظهور شعور وطني في هذه البلدان.

لقد عرفت البلدان المغاربية هذين العاملين في الوقت نفسه تقريبا، و لكن غالباً في ظل الهيمنة الكولونيالية، أي انطلاقا من القرن التاسع عشر . فإذن، ماذا كان أثر ذلك على البلاد المغاربية ؟

  1. للرأسمالية الكولونيالية، التي لن نقف عندها طويلا، خصوصياتها. فإذا كانت تهدم التشكيلة الاجتماعية الموجودة سلفا، فإن أثارها ليست هي ذاتها في أوربا، ذلك أنها تتمخض عن القليل من الصناعات المحلية و لا تسمح بحركية كبيرة للأجراء، البضائع و بالتالي للأفكار. و هو ما يفسر نسبيا وظيفة قانون الأهالي (الأندجينا) الذي أعاق طويلا حركة الأشخاص داخل المستعمرة، و أثقل من حركة الهجرة حسب مصالح الحاضرة.
  2. لم تستفد اللغات المحلية دوما من الطباعة بما أن اللغة العربية كانت مهمشة في النظام التربوي و الأمازيغية أكثر منها لعدم توفرها على تقليد للكتابة.
  3. تتميز اللغة العربية من جهة أخرى باستخداماتها المزدوجة، و هو الأمر الذي يعقد دمقرطة "الثقافة الراقية" (La haute culture)(إ.غيلنر، (E.Gellner خاصة في وضعية الاضطهاد الكولونيالي التي تتميز بالضعف النسبي لتمدرس السكان الأصليين، و التثاقف الناتج عن النظام التربوي.
  4. لم يكن التسيير الإداري و السياسي للمستعمرات يسمح بحركية كبيرة للنصوص التي لم تكن مكتوبة باللغة الفرنسية (أو باللغة الإسبانية بالنسبة لشمال المغرب)، و قد كانت الكتابات باللغة الفرنسية تأتي عموما من الحاضرة، و لم تكن تعني الأهالي ( مع الأخذ دوما نسبة التمدرس بعين الاعتبار(، هذا بالإضافة إلى عوامل الرقابة. و لم تكن الصحافة الأهلية عند تواجدها تحظى بانتشار واسع (إلا في بعض الظروف) وهي أقل مقروئية في البلدان المجاورة. و هذه بطبيعة الحال، حالة كل الأدب المكتوب أيضا.
  5. فإذا كان هناك نوع من حركية الأشخاص: تجار، و موظفون، و طلبة استقطبهم جامع الزيتونة بتونس، أو القرويين بفاس، أو جامعة الجزائر، و أيضا عمال موسميين (أو غيرهم)، فإن التدفق كان متجها أكثر نحو الحاضرة (بعد الحرب العالمية الأولى على وجـه الخصــوص)، و هذا ما يفسر لقاء المفكرين الوطنيين خصوصا بفرنسا (حيث تم إنشاء نجم شمال إفريقيا سنة 1926 و جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا(AEMA) سنة 1927). و كان الأمر نفسه بالنسبة لحركية البضائع المقتصرة أيضا، في غالبها، على حركة المرور بين الموانئ الفرنسية ) بما فيها مرسيليا( و كل واحدة من المستعمرات.
  6. حركية الكتابات باللغة العربية و قراءاتها و كذا المفكرين، كانت تتجه نحو الشرق الأوسط )حتى و إن كانت تونس تشكل مركز وصل(.

لم يكن هذا الأمر يساعد دوما على نضوج وعي مغاربي تحمله اللغة العربية، و إنما أفكار تدعو إلى الوحدة العربية و الوحدة الإسلامية. و هكذا، فإنه إذا وجد منذ بداية القرن و على منوال نموذج " الشباب الأتراك " حركات " الشباب العرب"، " الشباب التونسيون"، " الشباب الجزائريون" أو " الشباب المغاربة" فإنه لم تكن هناك حركة " الشباب المغاربيون".

  1. بعد إعلان الاستقلال، بقيت الحدود الفاصلة بين الدول الوطنية منغلقة على ذاتها في الغالب، و كل بلد يسعى إلى بناء ثقافته الخاصة و تاريخه الوطني الخاص مع الزيادة في حدّة الخصوصيات، بالرغم من كون الحامل اللساني المطبوع ( عربي أو فرنسي) عاملا مشتركاً، فكل جامعة من الجامعات كانت في اتصال مع فرنسا أو الغرب، و بأقل درجة مع الشرق الأوسط (حيث كان هناك تعاون طويل في مجال اللغة العربية)، و قلماّ كان هناك اتصال مع البلدان المجاورة.
  2. و إذا أضفنا إلى هذا المنافسات العديدة بين الدول و الخصومات السياسية، فسيتوضح بشكل أكبر سبب غياب فضاء كاف لإقامة متخيل مغاربي مشترك.

خاتمة مؤقتة ...

هل بإمكاننا الختام إذن؟ لقد لفت انتباهنا محوران يمكن تسجيلهما كالآتي:

  1. " أزمة المعنى و إنتاج المعنى" في حقل العلوم الاجتماعية خصوصا، عندما لا يتمكن الجامعيون ببلداننا من بناء ( أو إعادة بناء ) موضوع " البلاد المغاربية"، ذلك أن الكل منغلق في بنائه الوطني، و في اقتراح مقاربات انقسامية مرتبطة بالضرورة بإيديولوجيا " مجموعة علمية دولية" ( في الواقع، دوماً مرتبطة بالخارج)، و التي تتكفل بإرسال المفاهيم و الأفكار إلينا ( نقول هذا دون الإساءة إلى زملائنا الأجانب، و دون السعي إلى خلق قومية مغاربية للفكر أو البحث).
  2. أما المحور الثاني فهو يثير مسألة الهوية، ويقترح التفكير حول شروط الانتقال " من الجماعة إلى المجتمع و من المجتمع إلى الفرد- المواطن، و من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد الدولي، و من التقليد إلى الحداثة...". برنامج واسع، و ضروري لا بد من الوصول إلى أبعد حدّ فيه لإعادة بناء علاقتنا بالدول الوطنية الموجودة في البلاد المغاربية، و في منطقة البحر الأبيض المتوسط، و في باقي أنحاء العالم، و نحن هنا فقط نقترح فكرة يجدر التفكير فيها : ظهور دولنا الوطنية ضمن لنا تحصيل جنسية، حيث لم نكن إلا " أهالي مسلمين" في إمبراطورية استعمارية. فكيف لا نغرق في " خيبة أمل وطنية" كما عبَّرت عنها ( هيلي بجي،Helé Beji) من خلال إنتاج قانون للمواطنة التي ستفتح لنا آفاقا جديدة؟ وهل يمكننا فعلا، على سبيل المثال، أن نرى في البناء الأوربي الناشئ منذ منتصف القـرن العشـرين، نوعا من " المستقبل السابق" بالنسبة للمجتمعات المغاربية؟ و هل سنتمكن من اللحاق بالدرب في هذا العالم الذي يعرف تغيرًا مستمرًا؟ هل سنتمكن من اختراع شيء آخر غير الحنين إلى النزعة الجماعاتية التي ورثناها عن الماضي، و التي أصبحت في أزمة بسبب خروقات النزاعات الوطنية الاقليمية و حركة الشوملة التي تخضع لها كل دولة من دولنا ؟ خاصة وأنها شوملة غير متحكم فيها و غير مشتركة بيننا.

بيبليوغرافيا

Abdelmalek, A. (1972), La Dialectique sociale, Paris, Ed. du Seuil, 480 p.

Amin, S. (1976), La Nation arabe, nationalisme et lutte de classes, Paris, Ed de Minuit, 157 p.

Anderson, B. (1996), L’imaginaire national. Réflexions sur l’origine et l’essor du nationalisme, Paris, La Découverte, 213 p. et 2002, 320 p.

Anderson, P. (1978), L’État absolutiste, Paris, Ed. François Maspéro, (2 volumes).

Beji, H. (1982), Le désenchantement national. Essai sur la décolonisation, Paris, Ed. Maspéro.

Berque, J. (1978), L’intérieur du Maghreb, XVe-XIXe siècles, Paris, Ed. Gallimard, 552 p.

Berque, J. (1974), Maghreb, histoire et société, Gembloux/Alger, Duculot-SNED, 227 p.

Berque, J. (1982), Ulémas, fondateurs, insurgés du Maghreb, Paris, Ed. Sindbad, 297 p.

Braudel, F. (1979), Civilisation matérielle, économie et capitalisme XVe-XVIIIe siècles, Paris, Ed. Armand Colin, Paris (3 volumes).

Braudel, F. (1966), La Méditerranée et le monde Méditerranéen sous Philippe II, Paris, Ed. Armand Colin, 2 volumes.

Camps, G. (1983), « Comment la Berbérie est devenue le Maghreb arabe », in Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée, n° 35, 1er semestre.

Collectif, Encyclopédie de l’Islam, Paris-Leiden, Ed. Maisonneuve et Larose, (Á partir de 1965).

Collectif, Islam et politique au Maghreb, Paris, CRESM-CNRS, 1981.

Dawn, E-C. (1973), From Ottomanism to Arabism: Essays of the Origins of Arab Nationalism, Chicago-London, University of Illinois Press.

Gallissot, R., et Badia, G. (1976), Marxisme et Algérie, Paris, collection 10-18.

Gallissot, R. (2000), Le Maghreb de traverse, Paris-Alger, Ed. Bouchène.

Gallissot, R. (1982), Maghreb, Algérie, classes et nation, Paris, Ed. Arcantère, (2 volumes).

Gellner, E. (1983), Nations et nationalisme, Paris, Ed. Payot.

Harbi, M. (1992), L’Algérie et son destin, croyants ou citoyens, Paris, Ed. Arcantère.

Hobsbawn, E. (1992), Nations et nationalisme depuis 1780, Paris, Ed.Gallimard.

Julien, C-A. (1966), Histoire de l’Afrique du Nord, Algérie, Tunisie, Maroc, Paris, Ed. Payot (2 volumes).

Labica, G. (1968), Politique et religion chez Ibn Khaldoun. Essai sur l’idéologie musulmane, Alger, SNED.

Lacheraf, M. (1965), L’Algérie, nation et société, essai, Paris, Maspéro, (354 p.), Alger, SNED, 1978, (332 p.).

Laroui, A. (1970), Histoire du Maghreb, Paris, Maspéro.

Laroui, A. (1993), Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830-1912), Casablanca, Centre culturel arabe.

Remaoun, H. (1990), « Du Mouvement national à l’État indépendant : le couple unité maghrébine-Unité arabe dans le discours politique algérien », in Revue Algérienne des sciences juridiques, économiques et politiques, Vol. XXVIII, n°3.

Remaoun, H. (1987), « Le fait maghrébin dans le mouvement socio-historique : Contribution à une critique de l’approche essentialiste », in Revue Algérienne des Sciences juridiques, économiques et politiques, Vol XXV n°2.

Rodinson, M. (1977), Marxisme et Monde musulman, Paris, Ed. du Seuil.

Valensi, L. (1969), Le Maghreb (1790-1830) avant la prise d’Alger, Paris, Flammarion, (Tunis, Cérès Ed, 2004).



ترجمة :

الهوامش

* صدر هذا المقال باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات، العدد 47-48، جانفي-جوان 2010 بعنوان:

« Le Maghreb comme communauté imaginée ».

 [1]هذا النص هو نسخة تم تعديلها لمداخلة في ملتقى دولي حول الجماعات المتخيلة في مجال البحر الأبيض المتوسط ،تم تنظيمه في 22 و 23 جانفي 2010 من طرف وحدة البحث " دولة، مجتمع و ثقافة" بمعهد الحقوق و العلوم السياسية بتونس بدعم من مؤسسة هانز سيدال المغرب.

 [2]حتى لا نخرج عن إطار الأنجلوساكسونيين، نذكر هنا بالإضافة إلى بنديكت أوندرسن، إرنست غيلنر و إريك هوبزباون.

 [3]بالفعل، كانت البلاد المغاربية مقسمة في بعض الفترات التاريخية إلى المغرب الأدنى ( المغرب القريب و المتمثل تقريبا في ليبيا و في إفريقية أو تونس الحالية)، المغرب الأوسط ( المغرب الوسيط أو المركزي) و المغرب الأقصى و الذي كان يتواجد في البداية فيما يعرف حاليا بالمغرب ( المغرب الأقصى).

[4]سنذكر أيضا الحفصيين، الزيانيين و المارنيين و التي كانت عواصمهم على الترتيب هي تونس، تلمسان، و فاس.

 [5]و من المعروف الاهتمام الذي يكنه الفكر السلفي لهذه الفترة الموحدية التي تعتبر فترة كلاسيكية بامتياز في البلاد المغاربية، حيث بدأ الانحطاط حسب المفكرين من أمثال مالك بن نبي أو علال الفاسي، مع الفترة " ما بعد-الموحدية".

 [6]من بين هذه الطرقات الرئيسية الخاصة بالقوافل يمكن ذكر تلك التي كانت تؤدي إلى الشرق الأوسط و التي كانت تربط تلك المنطقة بالصين ( عبر آسيا الوسطى)، فيما يتعلق بالحرير، و بالهند و المحيط الهندي فيما يخص التوابل، و بطبيعة الحال تلك التي كانت تربط إفريقيا جنوب الصحراء بالبلاد المغاربية، فيما يتعلق بالذهب أيضاً.

[7]و التي اهتم بها أيضاً جاك بيرك، و كذا جمعية العلماء.

 [8]و لقد سجلت بنديكت أندرسن أنه " في الحقيقة، بعيدا عن القوى المركزية، حيث المواجهة منضبطة ( أو على الأقل...) فلا وجود إلا للجماعة المتخيلة. فالجماعات لا تتميز بزيفها أو عراقتها، و لكن بالأسلوب الذي يتم تخيّلها من خلاله" ينظر، المرجع السابق، ص 20.

 [9]تتفق كل من مقاربة غيلنر، هوبزباون، أوندرسون و غيرهم حول هذه النقطة و هي تتفق أيضا مع المقاربة الماركسية التي تربط بين ظهور الأمة من جهة، ووجود بورجوازية تجارية و صناعية، من جهة أخرى.

 [10]من لنين و روزا لوكسوبورغ إلى ستالين و إلى غاية "أطروحات العالمية الثالثة" (Thèses de la IIIème internationales) دون نسيان تلك التي تم الدفاع عنها من طرف الماركسية النمساوية (L’austro-marxisme) التروتسكية (trotskysme). ينظر النقاشات المتعددة التي دارت حول موضوع الماركسية و المسألة الوطنية.

الهوية الناعمة و الهوية الخشنة

تفترض الهويات الجماعية بُنى اجتماعية و انساقاً إيديولوجية، و تصعب مقاربتها ككتلة واحدة لشدة تعقيدها و غياب التجانس عنها، إذ أنه توجد كيفيات متعددة لحمل هوية جماعية ما. و من ثمة يمكن القول إن بعض هذه الهويات خشنة[1] و ثقيلة الحمل و بعضها الآخر ناعمة و خفيفة الحمل. و نستطيع تقدير وزن هوية من الهويات الجماعية من خلال المجالين السوسيولوجي و الأيديولوجي في آن واحد؛ فهو يتغير حسب مدى هيكلة الجماعات الاجتماعية المعنية. و على سبيل المثال، فالمجموعة القبلية، أو أية مجموعة أخرى، تنتظم حول الأملاك المشتركة ويكون لديها تنظيمات جماعية لاتخاذ القرار، فإن حمل هوية بعينها يقتضي [من أفراد الجماعة] واجبات و حقوقاٌ سياسية، و هنا تتجلى أهمية البعد العملي للهوية الجماعية.

يترتب عن الانتماء إلى الجماعة، وحَمْل هويتها أو المطالبة بها، حقوق (الاستفادة من الأملاك الجماعية) و واجبات سياسية (المشاركة في تمويل و تسيير هذه الأملاك). يقصى من الحياة السياسية للجماعة كل من يُعتبر غريباً عنها. و مهما تكن مدة الإقـامة التي قـضاها ضـمن الجـماعة، فإنها لا تمنح له الحق و لا تعد شرطا كافيا للاستفادة من الأملاك الجماعية. لا تعبر الهوية العملية عن نفسها من خلال خطاب مجرد و منسق، بل يتم الُتفاوض عليها، والمطالبة بها أو النقاش حولها في إطار سياقات اجتماعية و سياسية ملموسة.

فعند إحدى قبائل الأطلس العالي، برز أحد مظاهر إقصاء الأجانب جليا أثناء قيام أفرادها بشعيرة توزيع لحم البقرة التي نحرت تبركاً بالوالي الصالح للمنطقة، إذ لم يستفد من حصص اللحم سوى أرباب الأسر الذين هم أعضاء في الجماعة. و سنلخص مرحلة من مراحل إحدى الشعائر التي عايشناها عام 1988، التي تبرز الاستعمالات الملموسة عند هوية سياسية، حيث تم فيها تبني غريب من قِبَل جماعة القرية.

فبعد ما أُعِدت قائمة لذوي الحقوق (و الذي كان عددهم في حدود الستين) سُئِلَ الحاضرون إذا لم يُنْسَ أحد أرباب الأسر؛ و إثْر ذلك، إقترح أحد الحاضرين، و هو رب أسرة شاب، إضافة اسم مقيم إلى القائمة، الأمر الذي عارضه المنظم الذي كان يمسك بالسجل بحجة أن ذلك الشخص لم يكن عضواً ضمن جماعة القرية. ولم ينكر عليه أحد أنه كان ينحدر من مدينة كانت أمه هاجرت إليها بعد زواجها، تاركة القرية التي تنحدر منها.

و عندما توفى والداه، عاد الغريب، منذ اثنتي عشرة سنة، إلى قرية الأم أين ورث أملاكا عقارية و بقي، طيلة تلك المدة، محروما من توزيع الذبائح و المشاركة في الاجتماعات التي تقيمها جماعة القرية. رافع رب الأسرة الشاب، الذي كان يـساند إدماج الشخص الغريب، مرافعة مطولة و قـيمة، مستشهدا بالحجج السياسية على وجه التحديد؛ و مذكرا بالعديد من الحالات التي اُعْتُبِر فيها الغريب عضوا من أعضاء الجماعة (كالإسهام في المصاريف الجماعية، أو دفعه لغرامات مقابل إخلاله بالالتزام العام القاضي بتنظيف قنوات الري الخ...). ملخصاً مرافعته بصيغة تهكمية قائلا "عندما تكون هناك شدة، وقتها فقط تحصـونه منكم" لائما بـذلك الموقـف الغامـض للجماعـة، التي كانت تقوم بدمجه لما يتعلق الأمر بسداد الالتزامات و تقصيه لما يحين وقت منح الحقوق، لِينتهي النقاش إلى آراء متباينة رغم ارتفاع عدد الأشخاص المؤيدين لِدمجه. و عليه، فقد كان لا بد من انتظار توزيع لحم التضحية لمعرفة القرار النهائي: و بالفعل حصل الغريب على حصته من اللحم مما يكرس مكانته السياسية الجديدة. (Rachik, 1992 :129-147).

تقوم الهوية القبلية على المرتكز السياسي، و هو الأمر الذي يجعلها قابلة للتبدل في سياق محدد؛ حينها يصير بالإمكان إما اكتسابها أو فقدانها. إن مكانة الغريب، هذه، تجسد الخاصيــة و المحتوى السياسيين لِلهوية القبلية بكل وضوح. حيث يتم إدماج هذا الأخير ضمن الجماعة المضيفة من خلال سيرورات عدة. فقواعد انصهار و تبني الغرباء متنوعة و هي تخضع إلى درجة تفتح الجماعة الاجتماعية المسْتَقبِلة لهم، والى الحجم و المكانة الاجتماعية للغريب. و قد نجد غرباء يقيمون في جماعات منذ أجيال متعاقبة إلا أنهم لن يُدْمَجوا إطلاقا فيها. ومما لا ريب فيه، هو أن الاندماج في جماعة ما و حمل اسمها تعد سيرورة سياسية في جميع الحالات، و يبقى الأساس الثقافي مجرد عامل تكميلي.

فقد يأتي غريب من قبيلة مجاورة، يتكلم اللغة نفسها، و يشترك في الدين و في العادات نفسها مع القبيلة المضيفة إلا أن هذا يبقي غير كافٍ لِدَمْجِه (Gellner : 60-63 ; Rachik, 2002 :117-158 ; Rosen, 1984 :53-57)

تقوم الهوية الجماعية لدى المجموعات الصغيرة التي تمتلك بنى لاتخاذ القرار، على المكانة السياسية في المقام الأول، و يقتضي ذلك نسقا معينا من الواجبات، الحقوق و الامتيازات. فالأشخاص الذين ينتمون إلى قبيلة ما ،أو جهة، أو بلد، و يقيمون بمدينة ما، يستطيــعون إثــبات و تماثل ذواتهم بالرجوع إلى جماعاتهم الأصلية، لكن طالما هم يكتفون بذكر أصولهم منفردين و طالما هم لا يتعارفون فيما بينهم و لا ينتظمون بشكل دائم، فهم يشكلون شريحة (catégorie) اجتماعية أكثر مما يشكلون زمرة (groupe) اجتماعية مهيكلة. وقتئذ، تكــون المرجعيــة إلى الهــويــة رخــوة و الأشخاص المعنيون بها يستعملونها بوصفها نظاما تصنيفيا و نادرا ما تصبح مصدرا أو مرجعية لتسوية المسائل العملية الخصوصية ( اقتراض، زواج، تبادل خدمات، الخ.). و عندما يتعلق الأمر بالأفكار، فإن هذه الهويات الجماعية تُخْتَزل، واقعيًا، في جرد للسمات الثقافية و القوالب النمطية

فإذا نظرنا، و لو باختصار، إلى توظيف الهويات الجماعية في مدينة مغربية صغيرة، انطلاقا من الدراسة التي قام بها غيرتز (Geertz) حول السوق. فهذا المؤلف يرى أن الخاصية الرئيسية للسوق هي أن الخبر ليس قابلا للتصديق، فهو يرى السوق عبارة عن مسابقة للأخبار، و ما قد يؤلم في السوق هو جهل (البعض) بما يعلم الآخرون. فالمعلومة بخصوص ثمن، نوعية و وزن السلع يكون من الصعب الوثوق بها، إلا أن عناصر السوق المختلفة تُقَاس بمدى فعاليتها كوسيلة بحث عن المعلومة الصادقة. كما أنه أوضح كيف يكون اللجوء إلى النسبة[2]nisba بوصفها أداة تسمح للناس بالوصول إلى المعلومة التي تُصَدق أو هي قابلة للتصديق بتعبير أدق.

تعد النِسْبة نســقا تصنيفيا محليا، يتيح للناس التعرٍيف بـذواتهم بالرجـوع إلـى عائلتــهم، قريتــهم، قبيلتهم أو مدينتهم، و غالباً ما تُدْمج في أسماء الأشخاص (كأن نقول مثلا عمر يزيغي عمر من قبيلة يزغاة). و لذلك، لا تتم مقاربتها فقط على أنها مجرد تمثل لِما هو عليه الناس، إنما أيضا باعتبارها مجموع مبادئ و تصنيفات ثقافية، توجه هؤلاء الناس من خلالها تفاعلاتهم. و بتعبير آخر، فهي بناء ثقافي يوفر نسقًا تصنيفيًا يسمح للأشخاص أن يــتصوروا ذواتهم و ذوات الآخرين، إضافة إلى أنها إطار يتيح لهم تنظيم بعض من صفقاتهم.

فمعرفة نِسْبَة شخص ما تسهل عملية البحث عن الشريك الجدير بالقبول، الذي عادةً ما ينتمي إلى القبيلة نفسها. تُحد هذه الاستراتيجية الرئيسية من تكاليف البحث عن الشريك؛ و تحول دون التلاعب في وزن و نوعية السلع أثناء التبادل الذي تكون فيه الأطراف وجها لوجه. فاستخدام الهوية القبلية في السوق لا يستند على القبيلة باعتبارها وحدة اجتماعية-سياسيـة. إذ في المدينـة، يصنف الناس ذواتهم و ذوات الآخرين مستحضرين (انتماءاتهم) إلى تجمعات إنسانية عريضة ذات بنى مرتخية و قد تكون حتى بالية (اتحادات قبلية، جهات...).

فالأشخاص الذين يستشهدون بمثل هذه الهويات لا يتعارفون فيما بينهم و نظرا لعددهم لا يمكنهم معرفة بعضهم البعض شخصيا. و في المدينة دائما، تختزل الهوية الجماعية و المعلومات التي تُلْحَق بها في عدد من القوالب النمطية التي تهدف إلى تميز شريحة اجتماعية التي يكون بعدها عريضاً، و محتواها رخوا و حدودها مبهمة. [مثل أن نقول] أن الأشخاص المولودين في فاس هم تجار قماش، أما الذين ينحدرون من سوس فهم أصحاب دكاكين ...الخ (Rosen 1984 : 21-28) .

إن العلم، خلال التعامل التجاري بأن السوسي بقال وبخيل و ذو سيرة حسنة، لا يقدم و لا يؤخر في شيء. و لا نكف عن القول، إلى أي مدى يؤمن الناس بالقوالب النمطية التي يلصقونها بهوية جماعية محددة و كذلك إلى أي مدى تُأْخَذُ بعين الاعتبار في تفاعلاتهم.

الظاهر أن المعلومات التي يحاول الناس الحصول عليها تكون أساسا عن طريق تجاربهم الشخصية و تجارب أناس آخرين كانت لديهم علاقات مع الشريك المحتمل. يدعم غيرتز فكرة أن النسبة لا تقدم إلا تخطيطا مبهما لما هو عليه الفاعلون وأن المعلومات ذات الأهمية تُسْتقى أثناء عملية تفاعلهم. و يستخلص أن التصنيف المقولاتي (catégorisation) مثل النسبة يفضي، و هذه مفارقة، إلي فردانية مفرطة (hyper-individualisme).

يستند الفاعلون (عند ما تقتضي الضرورة) إلى المعلومات التي لها صلات بالهويات الجماعية لشركائهم، و متى كانت هناك معلومات أخرى مستقاة، يُتَفاوض على المصطلحات التي تحدد انتماءاتهم خلال التفاعل (القبيلة،الدوار، القرابة) (Geertz, 1986).

عندما تتلاءم الجماعة المكتملة مع شريحة اجتماعية عريضة، وقتها تكون هويتها ناعمة و تُخْتزل في تصورات جاهزة ذات التأثيرات المحدودة في التفاعلات الاجتماعية. و عند ما توظف هذه الهويات الجماعية كوسيلة تجنيد و أداة سياسية، يفترض من الجماعة المعنية أن تكون منظمة (أو هي في طريق التنظيم) بصفة لا صورية (القبيلة) أو صورية (عند ما يخص الأمر: جمعية، حزب سياسي، إلخ.)

يمكن للتجنيد أن يبنى على أساس إيديولوجيا هوياتية (idéologie identitaire) ظاهرة و منسقة؛

و قد أظهرت مختلف الدراسات حول الوطنية أنه كلما كانت الجماعة منظمة بصفة كبيرة (الحركة الوطنية) و الايدولوجيا منَسّقة بصفة كبيرة، كلما ازدادت الضغوطات و تعددت على الأعضاء وغدت هذه الايدولوجيا ثقيلة التحمل، وأقصى تلك الحالات، واجب التضحية بالحياة من أجل الأمة.

و ضمن هذا النموذج الواسع من الهويات "الخشنة"، فإني أقترح الشروع في وضع ملامح لايدولوجيا الهوياتية المتسلطة.

التصنيف الأحادي

لقد رأينا أن الهوية الجماعية تقتضي تصنيفا للناس و الجماعات الاجتماعية. و تَتعدد مقاييس هذا التصنيف ما بين: السياسة، الدين، الجنس، العرق، الجنسية، إلخ. و هذه كلها مقاييس مَُصَنِفة، إلا أن تصنيف الناس و الجماعات لا يكون بالضرورة حصريا و لا أحاديا.

يستطيع الأشخاص، الذين يفصلهم الدين، التذرع بالجنسية كقاسم مشترك بينهم. و عكس ذلك، فالأشخاص الذين تفرقهم الجنسية، قد يتذرعون بالدين المشترك، أو باللغة المشتركة، الخ. كما أنه يمكن المطالبة بعدة هويات مع وضع ترتيب هرمي لها أو الاكتفاء بذكر المجموعة (البشرية) التي ينبغي للفرد أن يُظْهر ولائه الأقصى لها : كأن يكون إسبانيا قبل أن يكون كتالونيا، مغربيا قبل أن يكون مسلما، عربيا قبل أن يكون مسيحيا... إلخ، أو على العكس من ذلك.

و قد يكون الانتقاء ما بين الهويات المتعددة قائما على مبدأ التراضـي؛ و في مثل هذه الحالات، تنتفي مسألة الهرمية و نتحدث وقتها عن الهوية العديدة و المتعددة و نساوي بين مختلف الهويات الجماعية التي ندعي الانتماء إليها.

و قد نتعرف على الهوية الصـلبة من خلال نموذج تصنيفها البسـيط و الثنائي للأشخاص و الجماعات الذي تفرضه، فهي تتبنى مقياسا وحيدا لتعريف الجماعة و جعلها تتعارض مع الأخرى، و تفرض تعريفا ثابتا و تنفي نسبية أو هرمية الهويات الجماعية. لا ينبغي أن يكون لدينا إمكانية الاختيار بين الهويات المتعددة أو المطالبة ببعضها وفق (اختلاف) السياق، و إنما ينبغي علينا حمل إحداها مهما كان هذا السياق.

و لا يوجد ترابط ضروري بيت الهوية الصلبة و الهويات الجماعية، إذ في غالب الأحيان، الهوية الجماعية ذاتها تكون موضوعا لعدة إيديولوجيات؛ و الصيغة الصلبة ليست إلا إحدى الصيغ فيما بين الأخريات. و مثال ذلك، أن القومية العربية تشكل موضوعا لإيديولوجيات عدة، و صيغتها الصلبة التي تقصي الهويات الوطنية، الأقليات، اللغات غير العربية، الخ، ليست إلا صيغة من بين صيغ أخرى.

توجد صيغ أخرى، أقل تسلطا، تعترف بالهويات الوطنية لكنها ترفع الهوية العربية فوق كل الهويات (الأخرى). و بالتالي، تتجه الهوية الصلبة هذه، إلى إقصاء كل ما ينازع الولاء، و قد يكون، هناك، تنازع لهذا الولاء عند ما يضطر أعضاء الجماعة الاجتماعية إلى الاختيار الصعب ما بين الهويات التي يزعمون الانتماء إليها.

فأثناء حدوث تمرد قبلي، هل يتوجب أن يبقى الإنسان وفيا للقبيلة التي ينتمي إليها أم لأمته؟ و الأمر سواء عندما يكون هناك نزاع ديني، حينئذ هل يخلص الإنسان لأمته أم لدينه؟ و يغيب وجود مثل هذا التنازع حينما يكون الولاء محصورا على القبيلة، الدين، أو الأمة، فغياب تنازع الولاء ليس سمة من سمات الهويات الصلبة، بل هو نتيجة للتصنيف الأحادي الذي تفرضه (على المنتميين إليها).

تموضع الهوية

قد تتأسس جماعة إجتماعية ما على هوية ثقافية، و هذا يعني أن أعضاء هذه الجماعة يتقاسمون عناصر ثقافية موضوعية: مثل اللغة، الدين، العادات، إلخ. تبالغ هذه المقاربة الماهيتية (essentialiste) بشأن الأسس الموضوعية للهوية الجماعية و لا تعير أسسها الذاتية أية أهمية. فالهوية الجماعية قد لا تقوم انطلاقا من السمات الثقافية المشتركة التي يلاحظها الباحث؛ و يتوجب على الفاعلين (الاجتماعيين) أنفسهم، أيضا، أن ينظروا إلى هذه السمات على أنها عناصر تميزهم عن الجماعات الاجتماعية الأخرى.

فالناس الذين يتكلمون اللغة نفسها، و يدعون أصول مشتركة أو يمارسون نفس الديانة، لا يتقاسمون بالضرورة الهوية الجماعية نفسها. إذ يشكل الاعتقاد الذاتي، في هذه العناصر (أو في إحداها)، بعدا أساسيا في تعريف هوياتهم ؛ و بالتالي، فالعنصر الموضوعي غير كافٍِِ. لذلك لابد من النظر إلى الأشخاص المعنيين إذا كانوا هم أنفسهم يستعملونه بوصفه مقياسا للتصنيف أو عنصرا هوياتيا، أم لا.

يمكن تصنيف الأشخاص، موضوعيا، وفق لون بشرتهم لكن ذلك يكون فقط عندما تعتقد الجماعات المعنية أن اللون يشكل عنصرا اجتماعيا و ثقافيا مميزا، حينها يتحول العامل الموضوعي إلى عامل هوياتي؛ و لا يشكل اللون رمزا هوياتيا في العديد من البلدان.

ينطبق هذا أيضا على السمات الثقافية، حيث أن البعض منها، التي تؤخذ بعين الاعتبار في تعريف الهوية الجماعية لا تكون تلك التي عرًّفَها موضوعيا المُلاَحٍظ و إنما قد تكون تلك التي أقرها الفاعلون أنفسهم معتبرين إياها مُحدِدات تمييزية و شعارات اختلاف.

فالأشخاص الذين ينتمون إلى هوية جماعية، وفق هذا التصور، لا يتقاسمون حتما ثقافة مشتركة و لا نفسية مشتركة، لكنهم يلتقون حول بعض الشعارات، الأفكار و الرموز الكفيلة بإبراز الاختلاف الثقافي (Barth, 1969).. و لذلك لا تكون الهوية الجماعية مبنية على العناصر المشتركة الموضوعية، و إنما حسب الاعتقاد الذاتي في بعض العناصر التي تعتبر مُميزة؛ و حتى الوجود "الحقيقي" للسمات الثقافية التي يقال على أنها أساس الهوية الجماعية، ليس ضروريا؛ و يكفي أن يؤمن بعض الأشخاص المعنيين بذلك.

فقد تَبْني جماعة ما هويتها على تاريخ مشترك متخيل و على سلالة نَسبية مُخْتَلَقَة... و ليس مفيدا، من وجهة نظر دراسة الهوية الجماعية، معرفة ما إذا وُجِدَ أم لا، التاريخ المشترك المثبت أو القرابة الفعلية.

و لا شك أن هذه التفرقة بين التصور الموضوعي و التصور الذاتي، تفرقة أساسية، بدون ريب ، في مقاربة الهويات الجماعية. و كثيرًا ما اجمعنا ما بين التعريف الموضوعي على أنه ذلك التعريف الذي يعده الملاحظ انطلاقا من عناصر موضوعية، من جهة، و التعريف الذاتي الذي يصوغه أيضا، الملاحظ انطلاقا من وجهة نظر الفاعلين، من جهة أخرى.

أعتقد أن هذا التعارض يخفي مظهرين أساسيين للهويات الجماعية : أولا، أن الفاعلين (زعماء القبائل، المثقفون، الإيديولوجيون الخ.) يصوغون كذلك تعاريف موضوعية للهوية الجماعية، ثانياً، أن ما هو مُنْتَقى ذاتيا أو مُتَصور من قبل بعض الفاعلين يُفْرَضُ على الآخرين و يغدو، بحكم الظـروف، عنصرًا ذاتيًا خارجيًا. و هكذا، قد ينتقي الجيل الأول شعارا (باعتباره بعدا ذاتيا ) و يُقَدم هذا الأخير إلى الأجيال اللاحقة على أنه عنصر هوياتي موضوعي، جاعلاً من هذه الأجيال تعتقد أنه قديم، تاريخي و حتى أزلي.

تُقدَم الهوية الصلبة الأسس الهوياتية لجماعة ما على أنها موضوعية، وكأن الشخص ينتمي إليها في غفلة منه و ضد إرادته. و تصير العناصر الموضوعية هي التي تُحدد الهوية و لا يُتْرك أي بديل أخر لأفراد الجماعة. تعد المكانة المكرسة، أسلوبا يتم من خلاله تصور الهوية الجماعية. يرث الفرد، بكل بساطة، العناصر التي تعرف الهوية الجماعية التي ينتسب إليها. و أفضل مثال على ذلك هو ذلك المثال الذي يخص الهوية القائمة على الجنس. و ليس من باب الصدفة، أن تكون الإيديولوجيات الأكثر تسلطا هي التي تستعين بالسمات البيولوجية لبناء تصوراتها الخاصة عن الهوية.

و كأن العناصر الثقافية تكون مُعدة لتمنح هوية جماعية بشكل موضوعي و بصفة آلية إذ تكثر الأمثلة في هذا الصدد : القوميون العرب يؤكدون على أن العربي هو الذي يتكلم اللغة العربية و لو أنكر ذلك، و المثقفون الأمازيغ يقرون أن كل سكان شمال إفريقيا هم أمازيغ و لو لم يتكلموا أية لهجة بربرية؛ بالنسبة لهؤلاء، إن الأرض هي التي تمنح الهوية و ليس اللغة فقط. فهوية جماعة ما تُقدم على أنها "طبيعية" و "موضوعية"و لا يملك الأفراد الذين ينتسبون إليها أي بديل آخر إلا القبول بالهوية التي تُمْنَح لهم موضوعيا أي بطريقة تسـلطية؛ و لا يُقْبل أي تــفاوض حول هذه الهويـة و محتواهاً.

المجانسة الثقافية

ذُكِر آنفاً، و باختصار، الكيفية التي يمكن لنا أن نميز بين الهويات الجماعية سواء كانت تلك المبنية على الأنساق الثقافية غير الجلية و الضمنية أو تلك المبنية على الإيديولوجيات الهيكلة و المصرح بها. يتطلب أدْلَجة الهويات الجماعية من المختصين (المثقفون، الإيديولوجيون) تعريفا لهوية الجماعة المقصودة و هؤلاء هم الذين ينتقون الشعارات، الرموز، و الأحداث التاريخية، أو أي عنصر آخر يمكن بواسطته تدبير نسق دال.

فالمقصود بالإيديولوجية هو ذلك النسق من الأفكار و القيم الذي يبين، بشكل صريح، من نكون نحن و كيف ينبغي أن نكون و من هو الآخر. يمكن اعتبار أن هذه الاديولوجية تشكل الجزء »المُفَعَل « من النسق الثقافي. فهي تحدد لأفراد الجماعة، كيفيات التفكير التي تكون متطابقة معِ النَحْنُ (أنماط التراتب ما بين الهويات...) و السلوك (كيف نلبس، كيف نُحِّي بعضَنا البعض...) و الإحساس (أحداث تجعلنا سعداء أو حزناء). و تحدد كذلك مواقف و سلوك التعامل إزاء الآخر (فيما يخص التحاور معه، احترامه، احتقاره، نبذه أو إبادته).

تسعى الإيديولوجيات الهوياتية للمرافعة عن الأنساق الثقافية المتجانسة بوصفها هدفا أسمى. و تخضع كثافة المجانسة الثقافية إلى الدرجة الاجتماعية لانتشارها (ما تحت الوطني، الوطني و العالمي) و إلى نمط هذه الثقافة (ثقافة عالية، ثقافة سفلى، أو ثقافة بشكل عام). تعد المجانسة الثقافية، حسب غيلنر (Gellner)، ظاهرة حديثة احْتضنتها العقيدة الوطنية.

لا تشترك المجموعات الاجتماعية الريفية، في المجتمعات الزراعية التقليدية، مع غيرها في أية ثقافة مشتركة. و بالأحرى، ما يميزها هو الفصل، و التميز و الانشقاقات الثقافية بين النُخب

و بقية السكان. فليس من مصلحة أي شخص ترقية المجانسة الثقافية، و تقتصر الدولة على جمع الضريبة و حفظ الأمن العام فحسب. و عليه، فإن الهوية الثقافية التقليدية (القبلية، الطائفية، الدينية...) تبنى على التراتب الثقافي أكثر ما تقوم على المجانسة الثقافية. و من الصعب جدا تصور اشتراك الطبقة الارستقراطية في المجتمع التقليدي مع الفلاحين في الثقافة نفسها (Gellner, 1983 :24-43 ; Eriksen, 1993 :102-104) .

و بالمقابل، نجد أن المجتمع الصناعي الحديث يتطلب المجانسة الثقافية، إذ لا ينبغي لنا أن نكون نتاج قرية أو زمرة، و لا ينبغي للثقافة أن تكون متنوعة و محصورة في أمكنة بعينها. كما لا يحق إطلاقا، لهذه الأخيرة، أن تُقر التراتب الاجتماعي أو تشرعه. فالمجتمع الصناعي يقتضي سكاناً متحركين، يمتلكون ثقافة مشتركة و تكوينا عاماً يسمحان لهم بتغيير المهنة، وأيضا أنظمة الاتصال الظاهرة التي لم تعد مرتبطة بالسياق.

يعتقد غيلنر (Gellner)، أن الوطنية هي نظرية الشرعية السياسية و القاضية بتطابق الحدود الثقافية مع الحدود السياسية للدولة. تعرّف الوطنية من خلال تلك الإرادة التي تجعل الثقافة و المجتمع في توافق تام. و في هذه الحالة، لا يتعلق الأمر بالثقافة بمعناها الواسع و إنما يتعلق بالثقافة السامية.

فالأمة لا تؤسس على ثقافة مشتركة سبقتها في الوجود، بالعكس من ذلك، فإن تكوّن الأمم، و سيرورات المجانسة الثقافية التي تصاحبها و النسق التربوي الذي ينشر هذه الثقافة السامية هي كلها محصلات للتصنيع. و بحكم هذه الثقافة المشتركة، يغدو الفرد عضوا في الأمة مباشرة. فالتجانس الثقافي الذي تسعى الوطنية إلى ترقيته هو نتاج الشروط الهيكلية للمجتمع الصناعي. فالثقافة المقصودة هنا هي الثقافة السامية التي تنشرها الدولة و نظامها التربوي.

و من المؤكد أن التنميط الثقافي، لا بد منه، من أجل الهويات الجماعية التي تتواجد في مستوى أشمل. و قد برهن أندرسون (Anderson) (1983) كيف أن اللغة المطبوعة قد أسهمت في خلق أسس الوعي الوطني. و استطاع الناس الذين يتكلمون أنواعا من اللغة الفرنسية، الانجليزية، الخ. التفاهم أكثر فأكثر بلغة محلية، عندما تكون مطبوعة و مُنمطة. فهذه المقروئية المتصلة فيما بينها من خلال المطبوع و التي تفهم "نفس" اللغة تعتبر نواة المجموعة الوطنية المتخيلة. كما أوضح كيف أن وعي الانتماء إلى أمة، في أوربا، صار ممكنا بفضل التقاء كل من تكنولوجيا الاتصال (المطبعة) و نمو اللغات الدارجة و نسق الإنتاج (الرأسمالية).

لا تختزل المجانسة الثقافية التي تسعى إليها الإيديولوجيات الهوياتية في سيرورات توحيد المُقايسة (standardisation) المنجزة على المستوى اللغوي و التربوي. و تذهب إيديولوجية وعاء الذوبانmelting pot)  (إلى أبعد من هذا. فعلى الأفراد المنحدرين من مختلف الآفاق الثقافية و اللغوية أن ينصهروا ضمن جماعة اجتماعية واحدة و يتقاسمون فيها ثقافة و هوية مشتركتين.

الهوية الآمرة و الهوية الانتقائية

مع أدْلَجَة الهوية الجماعية، تسعى المجانسة الثقافية إلى أن تصبح آمرة و شمولية، بمعنى أنها تهدف إلى التسلل إلى كل ميادين الحياة الاجتماعية و خصوصا تلك التي تكون محط النظر. و يشكل الجسد و اللباس أهدافا مُثالية للهويات الآمرة بسبب بُعْدها الفُرْجَوي : حينها يصرح الناس (أو هم مجبرون على ذلك) بمن يكونون من خلال اللباس و الجسد، (الشعـر الطـويل، الـحجاب، الصلع، أشكال اللحي و الوشم...)، بالإضافة إلى التأثيث. لا يجيز بعض المسلمين السلفيين التأثيث العصري و حتى التقليدي منه مقتصرين على حصائر أو أسجدة؛ حيث تفرض لأيديولوجيـات الهوياتية على مستوى العلاقات الاجتماعية، ضغوطا أخرى على الشركاء منها انتقاء (الأصدقاء، الأزواج، الزملاء، الزبائن...).

لا تكتفي الهوية الجماعية بالقول بِ "مَنْ نَحْنُ" لكنها تقول كذلك "ما ينبغي أن نفعله". الفرق الأساسي بين هوية آمرة و هوية انتقائية، إن الأولى تقول للناس من هم، و ما ينبغي أن يفعلوا في مناسبات محددة و في مجالات محدودة من الحياة الاجتماعية: كارتداء اللباس التقليدي، الديني، أو الوطني وفق المناسبة، بينما تترك الهوية الانتقائية حرية أكبر للأفراد.

قد تكون الهوية الأكثر ثقلاً للحمل هي تلك الهوية التي تكون مؤسسة، في الوقت نفسه، على الإيديولوجية التسلطية و الشمولية للهوية الجماعية، فهذه الأخيرة لا تكتفي باختيار مناسبات لإظهار الهوية بل تُعْلنها يوميا و بأعلى صوت و في كل مكان. و هي لا تقتصر على مجال محدد من الحياة الاجتماعية (طقوس، لباس، تأثيث، تغذية، الخ.) بل تصبو إلى تنظيم و تماثل حياة الناس الاجتماعية سواء تعلق الأمر بما هو عام، خاص أو حميمي.

يمكن للأيديولوجية الهوياتية أن تغْرِف من السياسة مثلما تغرف من الدين؛ و يبقى مَثَلها الأعلى الذي تسعى إليه هو محو كل فردانية عند أعضاء الجماعة (سواء كانوا شيوعيين، فاشـيين، نازيين، أصوليين مسيحيين، إسلاميين، أو يهود الخ.) جاعلة منهم أفرادا قابلين للتبادل فيما بينهم (كأن يحملوا اللحية نفسها، تسريحة الشعر نفسها، شكل و لون الألبسة نفسـه، التأثيث نفسه، التغذية نفسها، طقوس الاحتفال بالزفاف نفسها، الدفن... الخ).

فكلما كانت الهوية الجماعية أكثر انتقائية، و حُصِرَتْ في بضعة مجالات الحياة الاجتماعية، كلما كانت أكثر مرونة و أكثر ضعفا في قوتها الإكراهية. و لا يشعر الناس وقتئذ أنهم ملزمـون بالمطالبة بهوية جماعية و استظهار ثقافتهم في كل وقت، إذ القليل من الأشياء، الشعائر، و الرموز، الخ. تكفي لإثبات الانتماء إليها.

أكيد أن الشعارات الهوياتية هي ضرورية لبقاء الجماعة الاجتماعية و انسجامها؛ إلا أنه كلما قلت هذه الشعارات كلما كان حمل الهوية الجماعية أكثر ليناً و كَبُرَت حرية الناس في المُطالِبة بهوية مشتركة.

التطهير

لا تُؤسس الهوية و تُعَاش في عزلة و إنما بالتفاعل مع الجماعات الاجتماعية. يخضع محتوى النَحْنُ إلى تصور الأخر و التفاعل معه؛ فالفواصل و الحدود (بالمعنى الرمزي للكلمة و ليس الحيزي

و الإقليمي) مع الآخر هي التي تُعْتَمد في بناء الهوية الجماعية. فبناء هذه الأخيرة، يتم بانتقاء بعض العناصر التي ترمز إلى التَميُّّز عن الآخر. و لا يكون المشترك (الثقافة، اللغة، الجنسية، الدين...) وحده مهما في الهوية الجماعية، و لا بد أن يُترجِم هذا المشترك الاختلافات

و يرسُم الحدود الثقافية مع الآخر. تختلف طبيعة و محتوى الحدود المنتقاة للتميز عن الأخر حسب درجة التسلط لدى الإيديولوجيات الهوياتية.

ففي القوالب النمطية، قلما يُعرّف الآخر و في أسوأ الحالات فهو مثير للسخرية، الضحك، أو الازدراء، الخ. (بالنسبة لمن يتلقون هذه القوالب النمطية) بطبيعة الحال. و في الحد الأقصى، قد نجد التطهير الذي يخص اللغة، التقاليد، الفن و التاريخ عند »الهوية التي يُسْخَرُ منها « (عن طريق النُكــَت و النوادر التي يرويها سكان بلد ما عن جيرانهم، مثلا). و يبقي (التطهير) الطريقـة الحاسمة و القصوى لخلق الحدود مع الآخر

و هذا يعني أنها أداة مستعملة قصد الترصد لإسهامات الغرباء و إبعاد الدخلاء. و حتى الشخص الفرونكوفيلي الجيد، عليه أن يتبنى استخدام الكلمات الفرنسية بدلا من الكلمات الأجنبية؛ و التي تكون في غالبها انجليزية: أن يقول »تيليكوبي «بدلا من »فاكس « ، »ديفي « عوضا عن »شالنج « أو « bonne fin de semaine » بدلا من » « bon week-end، الخ. هذا ما أسماه هوبسباون "الوطنية الفيلولوجية" أي إلحاح على النقاوة اللغوية للمعجم الوطـني، هذا ما دفع بالعلماء الألمان إلى ترجمة « Oxygène » (أكسجين) بِـ sauerstoff، و هو الأمر الذي يلهم، اليوم في فرنسا، معركة ميؤوس منها يقودها من هم في المؤخرة ضد التدمير الذي لحق لغتهم نتيجة الخليط الفرنسي-الانجليزي « franglais » (Hobsbawn,1992 :108) .

و في المغرب و غداة الاستقلال، سعى حزب الاستقلال المدافع عن سياسية التعريب إلى تخليص اللغة الدارجة من الكلمات الفرنسية و الأجنبية و استبدالها بكلمات عربية: كأن " لا تقل croissa (croissant) بل قُلْ هلالية Hilalya. تهدف كل إيديـولوجية هوياتية إلى تجانس و تطـهير اللغـة

و الثقافة من الإسهامات الأجنبيـة، و تصبح استبدادية عند ما يغـدو التطـهير مُمَنهَجا و آمرًا، و تتخذ جزاءات ضد الأشخاص ( الصحفيون، المـثقفـون، الخ.) الذين لا يحترمون المُثل العليا للهوية الصلبة و الصافية.

خلاصة القول هو أن هناك طبقتان من الهويات الجماعية، على طرفي النقيض: إحداها ناعمة على مستـوى التنظيم الاجتماعي (شريحـة اجتماعية) و على الصعيد الإيديولوجي (قوالب نمطية)؛ و الأخرى خشنة، تحملها جماعة مهيكلة تقوم النخبة بإنتاجها و نشرها بشكل منظم. وهناك نوع من الهويات الجماعية يحتل مكانة وسطية إذ يكون مبنيًا على تنظيم مهيكل (القبيلة، طريقة دينية، الخ.) و لكنه غير مؤسس على إيديولوجية هويتية مُمَنْهجة.

تتميز الهوية الخشـنة بالتصنيف الآحادي و الحصري و بغيـاب صراع الولاء، فهي تُقَدم نفسها على أنها طبيعية، موضوعية، خارجية و متعالية على أعضاء الجماعة؛ و يظل مثله الأعلى، ليس فقط تجانس الجماعة على المستوى الاجتماعي و الثقافي، و إنما التطهير الثقافي ، اللغوي، و حتى العرقي. و تتحقق هذه المُثل العليا ضمن التصور الآمر و الشمولي للهوية الجماعية.

الهوية الصلبة

الهوية الناعمة

 تصنيف الأحادي و الحصري

هوية متعددة، نسبية و سياقية

غياب صراع الولاء

وجود صراع الولاء، توفيقية، تمازج الأجناس فيما بين الهويات المختلفة، الخ.

تقدم الهوية على أنها طبيعية، موضوعية، خارجية و متعالية على أعضاء الجماعة.

التحاور بخصوص تعريف أسس الهوية. وجود بدائل.

تثمين المجانسة الثقافية و التطهير

التكفل بالتنوع الثقافي

الهوية آمرة و شمولية

هوية انتقائية

ملاحظات

  1. غياب صراع الولاء هو سمة من سمات الهويات الجماعية المُشكَلة وفق مـبدأ التداخل، فحسب هذا المبدأ يوجد العديد من الجماعات الاجتماعية لكن كل جماعة من هذه الجماعات الاجتماعية تنتمي إلى جماعة أكبر منها وصولا إلى الجماعة الكبرى. و هذا هو التجزؤ القبلي: حيث أن الفرد ينتمي إلى عائلة هي بدورها جزء من جماعة نَسَبية، و هذه الأخيرة مدرجة ضمن قرية و هي بدورها مندمجة في القبيلة. وفي هذه الحالة، يوجد تكامل بين الهويات الجماعية. لا تتعارض الهوية النسبية مع هوية القرية و لا مع هوية القبيلة.
  2. يتم التعبير عن الطابع الآمر لهوية ما من خلال استخدام التعابير، مثل، (الالتزام) و (ملتزم) وهما يقابلان « engagement » و « engagé» و يستعملان من قِبل الإيديولوجيات السياسية التي تعرف نفسها على أنها تقدمية وكذلك من قبل الإيديولوجيات الدينية التي تعرف نفسها على أنها أصولية. و في كلتا الحالتين، يكون التابع مرتبطًا بالنسق الذي يكرس هويته السياسية أو الدينية.

Bibliographie

Anderson, B. (1983), Imagined communities, Reflections on the Origin and Spread of Nationalsm, London, New Left Books.

Barth, F. (1981), « Ethnic Groups and Boundaries », in Barth F., Selected Essays: Process and Form, 1969, in Social Life, Vol.I., Routledge, And Kegan Paul, p. 198-228.

Eriksen, T. (1993), Ethnicity and Nationalism, Anthropological Perspectives, London, Pluto Press, p. 36-37 et p. 59-64.

Hobsbawn, E. (1992), Nations et nationalisme, Paris, Gallimard.

Geertz, C. (1986), « Du point de vue de l’indigène : sur la nature de la compréhension anthropologique », in Savoir local et savoir global, traduit de l’anglais par D. Plaume : Presses Universitaires Françaises, p. 71-90.

Geertz, C. (1979), « Suq: the Bazar Economy in Sefrou », in Geertz C., Geertz H., Rosen L., Meaning and Order in Moroccan society: Three Essays in Cultural Analysis, Cambridge University Press.

Gellner, E. (1969), Saints of the Atlas, The University of Chicago Press.

Gellner, E. (1983), Nation et nationalisme, Paris, Payot.

Rachik, H. (1992), Le sultan des autres, rituel et politique dans le Haut Atlas.

Rachik, H. (2003), Symboliser la nation. Essai sur l’usage des identités collectives au Maroc.

Rosen, L. (1984), Bargaining for the Realty. The construction of Social Relations, The University of Chicago Press.



ترجمة :

الهوامش

*مقال نشر باللغة الفرنسية في مجلة مركز الدراسات الدولية و التوثيق ببرشلونة (اسبانيا) cidob في عددها 73-74 لسنة 2006

و المعنون "التثاقف بالفعل، الهويات و التحرر". كما سبق نشره مترجما إلى العربية في مجلة إنسانيات العدد 47-48، جانفي- جوان 2010.

[1] فضلنا ترجمة Identité dure et identité molle بالهوية الخشنة و الهوية الناعمة، بدلا من تعابير الصلبة، المتشددة أو المتصلبة... و الناعمة عن اللينة و الرخوة؛ و هما التعبيران اللذان ترجم بهما محمد حسين هيكل مصطلحي Soft power et hard power لـ Joseph Nye عند ما رد هذا الأخير على بول كيندي (1990) الذي زعم أن الدول العظمى في تقهقر. فابتدع نيي اصطلاحي القوة الناعمة و القوة الخشنة للتفريق بين مصدر قوة الولايات المتحدة الحالي و مصدر قوتها السابق الذي كان يكمن في القوة الخشنة و هو الذي عرف تراجعا في نظره. المترجم. 

[2] احتفظ المؤلف بمصطلح النسبة مثلما أوردها غيرتز في دراسته حول "السوق" و الذي يقابل النسب لغويا. المترجم

التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب

أصبحت الدولة المغربية تحيل في ترسيخ هويتها الدينية على تقليد ديني عام يتميز بالخصوصية محتواها العقيدة الأشعرية و المذهب المالكي والتصوف السّني، و لقد نتجت عملية التقنين هذه عن ما يشهده الحقل الديني من صراع إيديولوجي داخلي الذي اتخذ أشكالا أكثر عنفا بعد الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003 بالدار البيضاء وما نتج عنها من تساؤلات حول مضامين العقيـدة الرسمية، و مدى القدرة على تفسير مضامين الطقوس التقليدية بحيث تجعلها مناسبة للأوضاع الجديدة، وقادرة على مقاومة المؤثرات الخارجية.

في محاولة للاستجابة لهذه التحديات سجلت سنة 2005 اتخاذ الدولة لمجموعة من الخطوات التي تدخل جميعها في إطار تطبيق السياسة الدينية التي رسم ملامحها العامة خطاب الملك في 30 أبريل2004.[1]

تأهيل و ضبط التعليم و الخطاب الدينيين

يمكن قراءة توجهات السياسة الدينية من خلال المجهود الذي بذلته الدولة في مجال التعليم الديني، بحيث واصلت الوزارة الأوقـاف والشؤون الإسـلامية سعيها إلى تحسـين جودة التربية

و التكوين بالتعليم العتيق[2]، حيث قامت بتقديم حصص الدعم في العلوم الحديثة و المواد الأجنبية التي استفاد منها ما يفوق الألف من الطلبة والتلاميذ بأربع وخمسين مؤسـسة عتيقة خلال 2005[3]، و من جهتها، واصلت مديرية التعليم العتيق[4] بالوزارة عقد دورات تكوينية لشيوخ وفقهاء المدارس العتيقة فعقدت دورتين: خصصت الأولى لتزويد الفقهاء بمعارف حول التسيير الإداري و المالي للمؤسسات التعليمية، في حين هدفت الثانية إلى مدهّم ببعض مناهج التعليم العصرية[5]، و ذلك في انتظار القيام بإجراءات أكثر جدية و إصدار المراسيم التطبيقية لقانون التعليم العتيق طبقا لما ورد في خطاب 30 أبريل 2004.

كما شهدت سنة 2005 انطلاق الدراسة للفوج الأول من برنامج تكوين 150 إماما و 50 مرشدة في كل سنة، و معلوم أن المتخرجين و المتخرجات من هذا التكوين سيوظفون بواسطة عقد عمل مع الدولة و سيتقاضون نفس الأجر و التعويضات المخولة لمتصرف مساعد ( السلم العاشر)[6].

تمّت أيضا، إعادة النظر في منظومة التكوين داخل دار الحديث الحسنية[7] التي أصبحت تابعة لوزارة الأوقاف[8]، و ذلك لاستقطاب جيل جديد قادر على القيام بالمهام الجديدة، و أهمها، تنمية قدرات الإبداع والإقناع لدى العلماء المرتبطين بالمؤسسة الرسمية، وتأهيلهم من أجل التعاطي مع الواقع الإعلامي ومنافسة تعددية الخطاب الديني وجاذبيته، والمبثوث عبر قنوات تملك كل إمكانيات الانتشار والإشهار، خصوصا بعد أن تعزز الإعلام الوطني بإحداث قناة محمد السادس للقرآن الكريم بتاريخ 02 نونبر 2005 بهدف المساهمة في "تعزيز الدور التربوي للإعلام السمعي البصري العمومي، وجعله أداة أساسية لصيانة هوية الأمة المغربية وإبراز الوحدة العقائدية لــلأمة"[9]، وإحداث موقع للوزارة على شبكة الانترنيت في إطار "الحرص على إبراز الوحدة العقائدية للأمة".

و في مدينة مراكش، استمر المجلس العلمي الجهوي بالإشراف على المدارس القرآنية التي فتحت في المقرات التي كانت تتواجد بها دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن و السنة ذات التوجه السلفي، و التي أصبحت تابعة للوزارة[10].

كما استمر ذات المجلس، وبتكليف حصري من الوزارة، في الاعتناء بفئة من خريجي التعليم التقليدي بحيث خصص لهم تكوينا دام سنتين يؤهلهم لممارسة مهنتي الخطابة والإمامة بالموازاة مع التكوين الحرفي[11].

و فيما يلي عرض لباقي المميزات التي طبعت الأنشطة التي قامت بها المجالس العلمية المنتشرة عبر التراب الوطني في مجال التعليم و الخطاب الدينيين:

  • الاستناد على مراجع الأعلام المغاربة في عمليات الوعظ و الإرشاد.[12]
  • تخصيص مجموعة من المحاضرات و الندوات و الموائد المستديرة التي تلقى بمقر المجالس أو بالاشتراك للتعريف بالخصوصيات العقائدية و المذهبية للمغرب.[13]
  • إشراف المجالس على الحفلات الدينية التي تقام عادة عند حلول المناسبات الدينية و ذلك بالأضرحة و الزوايا.[14]

كما أحدثت الوزارة جائزة محمد السادس للكتاب الإسلامي، في إشارة من الوزارة إلى أن تأهيل الحقل الديني لا يقتصر على إصلاح المؤسسات التي تعنى بهذا الشأن و خصوصا التعليمية منها، بل إنه يمتد ليشمل الاهتمام بتجديد الفكر الديني و الفقهي بشكل عام[15].

و في مجال محو الأمية، توسعت مساهمة الوزارة إلى الجهود الوطنية لمحو الأمية، حيث بلغ عدد المساجد المخصصة لذلك 789 مسجدا، منها 348 بالوسط القروي، فيما بلغ عدد المستفيدين 48119 مستفيدا منهم 27618 من الإناث[16].

و في الدار البيضاء، عقدت الوزارة يوما دراسيا حول خطبة الجمعة في محاولة لرسم معالم خطبة الجمعة بمقاصدها و تحديد مواصفات الخطيب وتشجيع الخطباء على الانخراط في خدمة الناس ودعم قوة الدولة وسياستها الدينية العامة[17].

من جهة أخرى، يتيح انتظام بث برنامجين تلفزيونيين دينيين في القناة الأولى الفرصة للقيام بتقييم أولي لهذه التجربة، إذ يرمز برنامج "من سنّن الرسول صلى الله عليه وسلم" إلى استمرار نمط إنتاج المعرفة التقليدي، من خلال تمسكه بالأصالة والإخلاص للمناهج الأصولية في إنتاج المعرفة وتوظيف المناهج المحافظة على النص وامتداداته الدلالية، بطريقة تجعل المتلقي ينتج علاقة معرفية وأخلاقية من المضمون الديني المبثوث. في حين يحاول برنامج "بصائر من القرآن" خلق معرفة دينية بديلة أكثر تساوقا مع طبيعة العصر وإيقاعاته وتعدد لغته، وهي مهمة صعبة نظرا لعدم تمكن المتلقي في آليات فك شفرات الإرسال، مما يحول دون إيصال مضمون الرسالة الدينية المبثوثة عبر هذا البرنامج إلى مختلف الشرائح الاجتماعية في المغرب[18].

إن الدولة و بإصرارها على ضرورة انطباع التعليم و الخطاب الدينيين بالخصوصية المغربية، تضعف من إمكان إنتاج مؤسسات التعليم الديني التقليدية والعصرية لفاعلين قادرين على بلورة خطاب يتجاوز حدوده المحلية، هكذا تبقى مؤسسة الأزهر والجامعات السعودية هي القادرة على بث خطاب ديني على مستوى عالمي[19] بدليل تخرج أغلب الدعاة المشهورين على الصعيد الإسلامي من هذه المؤسسات.[20]

فصل الدين عن السياسة

كان ترأس الملك للدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى[21] مناسبة لاستعادة العديد من مجالات الحقل الديني المنفلتة من تحديدات التوجه الرسمي[22]، "و قطع الطريق أمام من أصبحوا يعرضون الأمن الروحي للمملكة للخطر"، من هذا المنطلق، أُحدث داخل المجلس هيئة للإفتاء " لقطع دابر الفتنة و البلبلة في الشؤون الدينية" و ذلك بهدف " تحصين الفتوى التي هي من مقومات الشأن الديني وجعلها عملا مؤسسيا واجتهادا جماعيا لا مجال فيه لادعاء المعرفة بالدين و لتطاول السفهاء و المشعوذين و لا للمزاعم الافترائية"[23].

و من جهتها، واصلت وزارة الأوقاف، طيلة سنة 2005، تحديد مواصفات التصور الديني في المغرب من خلال بناء إسلام مغربي يدمج عدة معطيات ثقافية و تاريخية و دينية، في محاولة لإنتاج مرجعية دينية مغربية قطرية. و لكي لا يبدو هذا الإسلام جامدا مترجما للتقاليد المذهبية المغربية، تحاول الوزارة، من خلال معالجة تاريخانية، أن لا تجعل من الدين معطى ساكنا بل متفاعلا مع الواقع المغربي[24].

و من أبرز الخطوات التي تم القيام بها في هذا الباب، تحديد وظيفة منتجي الخطاب الديني الرسمي، حيث حسم الوزير في درسه الافتتاحي لسلسة الدروس الحسنية الرمضانية برسم العام الهجري 1424 في الوظيفة الأصلية للعلماء، فحددها انطلاقا من "تخصصهم في علم الكتاب و السنة من جهة التبليغ، أما من جهة التطبيق، فيتمثل في الجانب السياسي المتعلق بتدبير شؤون الدولة و المجتمع وهو راجع إلى أولي الأمر من الحكام" الذين لا يحق بغيهم بتوجيه العمل السياسي باسم الدين، "فعقيدة العلماء تكرست مع مرور القرون لتصبح مبنية على وجوب تقوية الدولة بمساندة أمير المؤمنين لصيانة جادة الدين"[25] .

لقد أثار الدرس فكرة أساسية حول طبيعة الوظيفة الدينية التي يقوم بها الملك، إذ جدد الوزير تأكيده على سمو إمارة المؤمنين و احتكارها لسلطات التأويل الديني، من خلال الفصل بين المجالين الديني والسياسي، الذي ينتهي بالتأكيد على أن مرجع السلطة الدينية هي أمير المؤمنين، و إليه وحده يرجع توجيه السياسية باسم الدين، حتى أن مهام الهيئة العليا للجنة الإفتاء التي يضمها المجلس العلمي الأعلى ليس لديها سوى صلاحيات استشارية تقترح بموجبها الفتوى على الملك بصفته أميرا للمؤمنين ورئيسا لهذا المجلس[26].

و من الواضح، أنه في غياب استقلالية واضحة للعلماء يصعب بناء المصداقية لصالح الخطاب الذي ينتجه العلماء الرسميون، خصوصا وأن الجوانب الأخرى من السياسة الدينية (تأميم المساجد، تقنين الخطب، تأهيل المدارس العتيقة..)، لن تمكن لوحدها من تجاوز أزمة الخطاب الرسمي المتمثلة في فقدان القدرة على إنتاج الرمز الديني، مما يدفع شرائح مجتمعية واسعة إلى تلقي الفتوى مباشرة من القنوات الفضائية والشيوخ المستقلين وغيرها من المسالك غير الرسمية[27].

و من بين جميع الفاعلين الدينية، يكاد أحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد و الإصلاح، الوجه الوحيد الذي ناقش الوضع الجديد للشأن الديني، فقد انتقد النزوع إلى جعل هذا الشأن حيزا خاصا في حين أنه..." في دولة كالمغرب بنيت بالإسلام، و عجنت بالإسلام، و نسجت كل أعضائها بالإسلام...يجب أن يكون الدين فيها حاضرا في كل شيء، و ليس فقط حيزا معينا. فإذا أردنا تطويرا حقيقيا للشأن الديني، فهو أن يصبح له حضوره و لو الأخلاقي في كافة مرافق الدولة و المجتمع". و ينتهي الريسوني إلى التحذير من أن الاستمرار في تضييق الشأن الديني و تنميطه سيحوله على حقل كهنوتي.[28]

و فيما يخص دور العلماء، انتقد الريسوني النزوع المتزايد لحصر الشأن الديني من خلال حصر لدورهم و وظائفهم، مقدما تأويلا آخر لما تضمنه المقتضيات الجديدة بهذا الخصوص يقول:" لم يقل أحد أنه ليس من حق العلماء خارج هذه اللجنة (لجنة الافتاء) أن يفتوا في الشأن العام، و إنما مقتضى النصوص المنظمة لها أنها تمثل الفتوى الرسمية المعتمدة، أي التي تطلبها الدولة و تلتزم سلفا باحترامها و العمل بمقتضاها، و يكون لها النفاذ و الحجية حتى في بعض القوانين و القضايا الاجتماعية (...) و لكن هذا لا يمنع، و ليس في تلك النصوص ما يمنع أن يكون الآخرون فرادى وجماعات لهم آراؤهم ويصدروا فتواهم، لا يكون في نظر الدولة وفي نظرهم لفتاويهم نفس الدرجة و لا نفس الإلزام و لا نفس القيمة التي للفتوى الرسمية"[29].

التفاعلات داخل الحركات الإسلامية

من خلال التفاعلات التي شهدتها بعض جهات المملكة، تبين أنه و بالرغم من مختلف الإجراءات التي اتبعت لمراقبة الحقل الديني وضبطه، فقد تمكنت العديد من الحركات الدينية ذات المذهبية المختلفة على التوجهات الرسمية، من البروز من جديد، و من أبرزها الحركات السلفية التي تعمل تحت ستار التنظيمات الجمعوية ، فقد تمكنت هذه الأخيرة من إعادة بناء شرعيتها داخل المجال الديني. فبعد توقيفها في عام 2004، ظل زعيم جمعية الدعوة إلى القرآن و السنة ( محمد المغراوي) يطرق أبواب السلطة، إلى أن تمكن من الحصول على رخصة ضمنية لممارسة العمل الدعوي من خلال سماحها له بفتح مقر جديد للجمعية و بشروط جديدة، علما أن التوقيف لم يكن له أثر على حضور هذا التيار السلفي التقليدي في المجال الديني-الاجتماعي، فقد تمكن هذا الأخير عبر 30 سنة من العمل الدعوي في توسيع حركة التدين بين قطاعات واسعة من السكان و خصوصا الشباب منهم، و طرح نفسه كوسيط لا مناص عنه بين السلطات العمومية و المجموعات الاجتماعية المهمشة. و من خلال هذا الدور، استطاع هذا التيار من طرح نفسه كمؤسسة دينية تستوعب هذه الطاقات الدينية و توجهها في اتجاه مسالم للسلطة، من خلال امتصاص حركة التدين التي كان يمكن أن تستفيد منها الحركات الإسلامية المعارضة، ويدل هذا الوضع أن أهم جزء من السلطة لا يزال يرى في التزمت الشعائري أو الطقوسي، الذي يتلخص في تطبيق تعاليم الدين بحرفيتها و تكريس الذات للعبادة، احتياطا كبيرا من الطاقات و الحماسة و التفاني التام الذي يمكن أن تواجه به الدولة خصومها الدينيين، و ذلك ما ضمن للفاعلين السلفيين حضورا عند السلطة، رغم كل ما قيل و يقال عن محاربة السياسة الدينية الرسمية "للخوارج عن مذهبية البلاد".

يوضح هذا المعطى، درجة التفاوت الموجودة بين الخطاب الرسمي الذي شدد على ضرورة محاربة "الخوارج" عن مذهب البلاد، و الممارسة السياسية التي يحكمها التوافق مع ما يوجد على الساحة المغربية من اتجاهات دينية متنوعة، و لعل بروز التيارات السلفية التقليدية من جديد هو السبب لدفع رابطة علماء المغرب[30] بعقد مناظرة وطنية لتفعيل الإصلاحات التي أمر بها الملك حتى تخرج إلى حيز الوجود، و الحيلولة دون ترك الحبل على الغارب[31].

نستنتج من ذلك، أنه رغم وضوح الأسس التي بنيت عليها السياسة الدينية الجديدة فإنها تحتوي، كما هو شأن كل سياسة، على جوانب غير مصرح بها، و أحيانا مصرح بها بلغة دبلوماسية قد تخفي أكثر مما تظهر، فمما أظهره تطبيق الاستراتيجية تدبير الحقل الديني، أننا لا نعرف بوضوح من المكلف بتطبيق الإصلاح في المجال الديني، فكما هو معروف يتم تقديم وزارة الأوقاف باعتبارها الجهة التي تتولى صياغة السياسة الدينية و تطبيقها، في حين الوزارة المذكورة ليست في الحقيقة سوى مؤسسة من بين مؤسسات أخرى تشرف على ترجمة السياسة الدينية أو جزء منها، و من خلال الإجراءات التي و اكبت أحداث 16 ماي، اتضح جليا أن السياسة الجديدة لتدبير الشأن الديني تركت هامشا كبيرا لتدخل وزارة الداخلية و الأجهزة المخابراتية بمختلف أذرعها لضبط الحقل الديني و إحصاء أنفاسه، لتحقيق أهداف غير معبر عنها في الخطاب الرسمي. و لذلك نفهم لماذا ظل تدبير ملف الحركات السلفية حكرا على هذه الأجهزة دون تدخل من وزارة الأوقاف التي يرجع إليها تدبير ملف الجمعيات الدينية من حيث المبدأ[32] خصوصا تلك التي يعتبر التعليم الديني أبرز أنشطتها.

في نفس الاتجاه، وبالرغم من أن السياسة الدينية ربطت العضوية في المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية المحلية بشرط الإخلاص لثوابت الأمة و مقدساتها، لكنه في سنة 2005 برزت في الصحافة الوطنية و على هامش الأنشطة ذات الطابع الديني التي رعتها وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، اتجاهات تعيد تفسير هذه الثوابت في اتجاه الإقرار بها، لكن بدون أن تتنازل عن انتمائها المذهبي و العقدي الخاص بها (خصوصا بالنسبة لذوي الاتجاه السلفي)، مستغلة بذلك الدرجة العالية من العمومية التي يكتسيها الحديث عن الثوابت الدينية في التوجهات الرسمية.

في ارتباط بالاتجاهات السلفية، حظيت الاضطرابات التي خاضها معتقلو ما سمى "بالسلفية الجهادية" و البيانات التي أصدروها باهتمام بالغ، إذ قامت الصحف بتتبع المفاوضات التي أجراها هؤلاء المعتقلون مع السلطات العمومية ممثلة في مستشاري وزير العدل، وقامت بنشر بياناتهم الصادرة من داخل السجن و أهمها البيان الصادر بمناسبة حرمانهم من العفو الملكي الذي صدر بمناسبة الذكرى الخمسينية للاستقلال، و الذي حمل المسؤولية لمن يسمونهم "أصحاب المقاربة الأمنية"، بحيث اعتبروا أن عملية حرمانهم من عفو خص به ملك البلاد 10 آلاف سجين لم تكن عفوية، و إنما وفق خطة مدروسة[33].

و بالنسبة للحركات الإسلامية الأخرى، فقد ظلت قضاياها تحتل صدارة الاهتمام في جرائد المغرب اليومية و الأسبوعية طيلة سنة 2005، إذ لم تخل لا المعربة منها أو المكتوبة بالفرنسية من مقال أو تعليق أو تحقيق أو صورة تشير على مواقفهم مما يتفاعل داخل الحقل الديني و السياسي المغربي.

و في هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى التصريحات التي أدلت بها نادية ياسين، ابنة الشيخ عبد السلام ياسين زعيم حركة العدل و الإحسان الإسلامية، لفائدة أسبوعية الجريدة الأخرى حول الملكية و مستقبلها: "لقد قلت فعلا بالجمهورية، لكن في سياق آخر، حينما التقيت مع أحد الباحثين في الجامعة المذكورة، و هي قناعة شخصية لا تلزمني إلا أنا، و أتكلم بصفتي مثقفة أحلل حيثية معينة، غير أنه حينما نقول بأن الملكية لا تناسبنا فإن هذا يفرض الإتيان ببديل، ما حدث هو أنني وضعت في موقع الاختيار بين الملكية أو الجمهورية" و حين سئلت عن الجمهورية زادت بالقول" بالطبع اختار الجمهورية، و هذا رأي أكاديمي، ذلك أنه في الاختيار بين الأثوقراطية أو الجمهورية فإنني أختار هذه الأخيرة، و هذا ما قلته في إطار جامعي و لا يلزمني إلا أنا، فلست ناطقة رسمية للجماعة، بل لدي قناعاتي أعبر عنها بصراحة، و أنا لم أقل بذلك في أمريكا و كأنني أحتمي بالخارج لأعبر عن رأيي، بل كان الأمر في السياق الأكاديمي الذي ذكرته، و ما نشر في الموضوع ليس إلا نوعا من البريكولاج الخبري، مع أنني قلت نفس الرأي منذ سنوات في الصحافة الوطنية"[34].

لقد اعتبرت هذه التصريحات جرأة زائدة عن قدرة النظام على التحمل، خصوصا و أنها تأتي من جماعة لا تنافسه حول كيفية تدبير الشأن العام وما يرتبط به من قضايا سياسية، وإنما في شرعية الأسس الدينية التي يقيم عليها النظام شرعيته، ذلك أن العدل و الإحسان تطرح نفسها و بشكل متزايد كبديل لقيادة المشروع الإسلامي وفق تصورات أطنب مرشدها العام في شرحها و تـبيان معالمـها، و هو ما قلص من قدرة النظام على التحمل ليدفع في اتجاه محاكمة نادية ياسين بتهمة المس بـ"المؤسسات المقدسة للأمة"[35] قبل أن تدفع وزارة الخارجية الأمريكية، ممثلة في شخص السفير الأمريكي بالرباط، نحو طي الملف و الحد من الضجة و الآثار التي خلفتها[36].

خلاصة

من خلال تتبع مجريات السياسة الدينية في المغرب كما عبر عنها الخطاب الرسمي و مارستها أجهزة الدولة ذات الصلة، يتبيّن أنه و بالرغم من وجود توجه سياسي ذو درجة من الوضوح و التمفصل فإن من الإجراءات التي اتخذت لحد الآن ما يحظى بنفس القدر من التجلي، خصوصا عندما تصطدم بحقل ديني متنوع الاتجاهات والمشارب و تتجاذبه تيارات و عناصر ذات توجهات تختلف بدرجات متفاوتة مع رغبات الخطاب الرسمي، مما يجعلنا نخلص على أن السياسة الدينية لعام 2005 لازالت في طور البناء، و لعل تتبع خطواتها في السنة المقبلة قد يسمح بظهور عناصر جديدة توضح كيف تتعامل هذه السياسة مع التعدد السوسيولوجي الذي يشهده الحقل الديني في المغرب.



الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 31، جانفي- مارس، 2006.

[1] أنظر نص الخطاب في جريدة الأحداث المغربية، العدد 1923، 1 ماي 2004، و من المعلوم أنه وضع ثلاثة أركان لإصلاح الحقل الديني في المغرب: الركن المؤسساتي ويتعلق بالمؤسسات التي تتولى مهمة المرفق العمومي في المجال الديني و هي المهمة التي تقوم بها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، و الركن الثاني هو ركن تأطيري من خلال إعادة تنظيم المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية المحلية، و الركن الثالث فيتعلق بالمستوى التعليمي و التربوي من خلال إنشاء مديرية خاصة للمدارس العتيقة.

[2] يتكون التعليم العتيق من مجموعة كبيرة من المدارس غير رسمية يحفظ فيها القرآن و تلقن فيها العلوم الدينية على الطريقة التقليدية، و تحتضن وزارة الأوقاف بعضها في حين يدعم الباقي من طرف المجتمع.

[3] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 نونبر 2005. انظر النص الكامل للكلمة في موقع الوزارة على الانترنيت www.habous.gov.ma

[4] مديرية التعليم العتيق هي الجهة المؤسسية المكلفة بالإشراف على التعليم العتيق.

[5] بالاضافة إلى الدورة التكوينية الأولى التي أجريت في طنجة في عام 2005، انعقدت الدورة الثانية في مراكش بتاريخ 7-8-9 ماي 2005 وضمت فقهاء المدارس العتيقة في جهتي مراكش وسوس، بينما انعقدت الثالثة في أكادير بتاريخ 27-28-29 شتنبر 2005 لفائدة مدرسي مؤسسات التعليم العتيق بجهتي سوس و ماسة درعة.

[6] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 نونبر 2005. المرجع السابق.

[7] و هي مؤسسة للتعليم العالي تستقبل الحاصلين على الإجازة والراغبين في تتمة دراستهم في التخصص الديني و الفقهي.

[8] تنص المادة 16 من القانون الجديد المنظم لدار الحديث الحسنية:" ينظم التكوين بالمؤسسة في سلكين: سلك التكوين الأساسي المعمق وسلك التكوين العالي المتخصص ويهدف التكوين الأول إلى تكوين الطالب تكوينا علميا متخصصا في مجال علوم الدين، و اكتساب المعارف اللازمة لفهم أصوله و استيعاب أحكامه، ومعرفة المذاهب الفقهية والفقه المقارن، كما يهدف إلى تكوينه تكوينا متينا في مجال اللغة العربية و علومها و اللغات الأجنبية بما فيها اللغات الشرقية القديمة، و تمكينه من المعرفة الدقيقة بتاريخ الأديان المقارن، و بالنظم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية و الإدارية الحديثة . و يهدف سلك التكوين العالي المعمق إلى تمكين الطالب من التخصص العلمي المعمق في العلوم والمعارف الإسلامية و الإانسانية و الاجتماعية. و اكتساب مناهج البحث العلمي في المجالات المشار إليها أعلاه، و معرفة أصول المناظرة وأساليب التواصل" أنظر نص القانون في جريدة ميثاق الرابطة، العدد 1130 الجمعة 30 شتنبر 2005.

[9] المرجع نفسه.

[10] يتعلق الأمر بأربعة مقرات موجودة في الأحياء التالية المحانيد، سيدي يوسف بن علي، رياض العروس، وازبزط.

[11] يتعلق الأمر بأربعين طالبا اجتازوا المباراة التي نظمت لهم بنجاح و قد تابعوا الدراسة في المستوى الثاني في موسم 2004-2005.

[12] في هذا الإطار تم توزيع كتاب الشفا للقاضي عياض و كتاب الروض الانف للإمام السهيلي على السادة الوعاظ و المرشدين العاملين في المناطق التابعة للمجلس العلمي بمراكش.

[13] في المجلس العلمي بمراكش ألقيت المحاضرات التالية، الفقه المالكي بين التحرير والتنوير - و المذهب الأشعري و مسألة العقل - أبو الحسن الأشعري و العقيدة.و بالنسبة للندوات فقد أسهم نفس المجلس في العديد منها و هي: الفقه المالكي في الغرب الاسلامي - ملامح المدرسة المغربية في التفسير. و في ما يخص الموائد المستديرة نذكر التالية: العقيدة - التصوف الاسلامي - أصول المذهب المالكي بين الشرعية والواقعية.

[14] منها إحياء حفل كبير بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبرى بضريح سيدي بن سليمات الجزولي في 17 رمضان 1424هـ حيث تمت قراءة دلائل الخيرات، و ألقيت دروس متنوعة و قد نقل الحفل على أمواج إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم.

[15] تندرج هذه المسابقة في إطار جائزة محمد السادس للفكر و الدراسات الإسلامية بمقتضى الظهير الشريف رقم (1.01.129/2001م). و تمنح هذه الجائزة سنويا عن دراسة أو دراسات علمية تنجز في مجال العلوم الشرعية. و تشتمل نوعين من الجوائز:

- جائزة محمد السادس التنويهية التكريمية: و هي عبارة عن مكافأة تمنح للعلماء و الشخصيات العلمية البارزة الذين خدموا الفكر الإسلامي، وأنجزوا أبحاثا و دراسات في ميدان العلوم الشرعية.

- أما الجائزة الثانية، أي جائزة محمد السادس للكتاب الإسلامي فهي جائزة تمنح كمكافأة على الأبحاث المنجزة في أحد فروع الدراسات الإسلامية (قرآنية، أصولية، فقهية)، أو غيرها مما له صلة بالعلوم الشرعية و القضايا الفكرية التي تشغل بال الأمة الإسلامية.

من المواضيع التي اختارتها اللجنة للتباري:- دور الاجتهاد في التطور و التجديد و إيجاد الحلول لقضايا العصر- أوضاع المسلمين في بلاد المهجر نموذجا - أسلوب الحوار في القرآن الكريم - موضوعاته و منهجه و خصائصه الإعجازية - التنمية في الإسلام تنظيما و تشريعا و ممارسة و هو موضوع سنة 2006 .

[16] كلمة وزير الأوقاف أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني و الشؤون الإسلامية بمجلس النواب حول تقديم الميزانية الفرعية لوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، 11 نونبر 2005. المرجع السابق.

[17] كملة وزير الأوقاف بمناسبة اختتام اليوم الدراسي حول خطبة الجمعة 28 ماي 2005.

[18] محمد اليوبي، من تجليات التفكير و التدبير في الشأن الديني في المغرب، جريدة الإتحاد الاشتراكي، العدد 8048، 22 شتنبر 2005.

[19] و قد كان الأزهر حتى عهد قريب المؤسسة التي تمد المؤسسات التعليم الديني في العالم الاسلامي بالأطر العلمية بما فيها المؤسسات السعودية، و إلى إثر أحداث 11 سبتمبر و ما تلاها من عمليات تزايد الطلب على أطره لترشيد الخطاب الديني و تأطير ودوره في العالم الاسلامي. للاستزادة راجع:

Zeghal, M. (1996), Gardiens de l’Islam. Les oulémas d’Al Azhar dans l’Egypte contemporaine, Paris, P.S.P, p 169.

[20] يمكن الإشارة إلى معدل المشاهدة المرتفع التي حظيت بها برامج "على خطى الحبيب" التي بثته قناة إقرأ في رمضان الماضي و كان من تنشيط الداعية المشهور عمرو خالد و قد خصصه للحديث عن السيرة النبوية.

[21] يترأس الملك هذا المجلس و يضم في عضويته بالإضافة إلى وزير الاوقاف والشؤون الإسلامية بعض كبار العلماء الذين يعينهم الملك و الكاتب العام للمجلس ورؤساء المجالس العلمية المحلية، أما مهامه فهي دراسة القضايا التي يعرضها عليه الملك و الإشراف على المجالس العلمية المحلية.

[22] كان ذلك بموجب ظهير رقم 21.30.300 الصادر في ربيع الأول 1424 الصادر في 2 أبريل 2004، و هو نفس الظهير التي تم بموجبه إعادة تنظيم المجالس العلمية الجهوية و المحلية، الجدير بالاشارة على أن النساء العالمات أصبحن يمثلن عددا لا يستهان به في المجالس.

- خطاب الملك إثر افتتاحة الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى في فاس 8 يوليوز 2005 الجهوية (60 عالمة) و المحلية (68 عالمة) أما المجلس العلمي الأعلى فيضم عالمتين.

[23] خطاب الملك إثر افتتاحه الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى في فاس 8 يوليوز 2005، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 7974، 9-10 يوليوز 2005.

[24] محمد، الطوزي.) 2003 (في استجواب خص به أسبوعية أخبار السياسة، العدد 6، 14-20 .

[25] و مباشرة بعد الدرس عين الملك أحمد الحبابي كاتبا عاما لرابطة علماء المغرب في أول خطوة في اتجاه إصلاح هذه المؤسسة كما سبق للملك أن أعلن ذلك في خطاب 30 أبريل 2004.

[26] أنظر خطاب الملك في 30 إبريل 2004، منشور في جريدة الأحداث المغربية، العدد 1923،1 ماي 2004.

[27] من أهم الشيوخ المغاربة الذين يلجأ إليهم في طلب الفتوى عبر الهاتف نذكر محمد المغراوي و عبد البرري الزمزمي. أما على الصعيد الإسلامي، فإن إسمين مغربيين يظهران في قائمة العلماء الذين يتعاملون مع مواقع الانترنيت الإسلامية لاعطاء الفتوى وهم، أحمد الريسوني من حركة التوحيد و الاصلاح و منير الركراكي من جماعة العدل و الاحسان.

[28] أحمد الريسوني في حوار أجرته معه أسبوعية الأيام، العدد 201، 17-23 اكتوبر 2005.

[29] المرجع نفسه.

[30] برسم الخطاب الملكي الذي وضح الإستراتيجية الجديدة لتدبير الشأن الديني تحول إسم الرابطة ليصبح الرابطة المحمدية لعلماء المغرب و نص على ضرورة تفعيلها بعد أن أصابها الجمود التام ، و هي هيئة شبه رسمية تضم عديد العلماء المتدخلين في تدبير الشأن الديني.

[31] أنظر نص البيان الذي أوردته جريدة ميثاق الرابطة، العدد 11، 30 شتنبر 2005.

[32] في ندوة صحفية عقدها بمناسبة الإعلان عن الهيكلة الجديدة لوزارة الاوقاف عبّر وزير الأوقاف بكثير من المرونة عن موقف السلطة من المذاهب الاسلامية، و قد صرح أن المذاهب لا تفصل بينها جدران عازلة، ودعا على ما سمي في الثراث الاسلامي بـ "الآداب المذهبية".

[33] بمناسبة الذكرى الخمسينية للإستقلال (20 غشت 2005) تم إطلاق سراح بعض الذين حكم عليهم بـ 10 سنوات سجنا و عددهم 164 سجينا.

[34] أنظر النص الكامل للحوار في العدد 33 من جريدة الأسبوعية الجديدة. 2-8 يونيو 2005.

[35] أجلت المحكمة الابتدائية بالرباط، يوم الثلاثاء 14 مارس 2006، البث في قضية نادية ياسين إلى أجل تحدده هيأة المحكمة فيما بعد.

[36] يعد ما كتبه عبد الباري الزمزمي على صفحات الجريدة الأخرى الرد الوحيد الصادر من الإسلاميين في هذه القضية بحيث اعتبر أنه " لا موجب في الشريعة يوجب الطعن في النظام الملكي و المّس به و تأليب الناس عليه، و أما الاعتبار السياسي، فإن النيل من النظام الملكي و نفي الشرعية عنه و سلب الصلاحية عن و جوده هو زرع لبذور الفتنة و تحريض على خلع البيعة و السعي إلى تقويض النظام القائم في البلاد، لا سيما و أنه صدر من قوم صار لهم أتباع وشيعة يأتمرون بأمرهم و يصدرون عن رأيهم. عبد الباري الزمزمي، من أهان سلطات الله في الأارض أهانه الله، الجريدة الأخرى، العدد 2029 ، يونيو 05 يوليوز 2005.

ممارسات ثقافية و جمعنة سياسية : المثال التونسي

بأية حال يمكن أن تشكل الممارسات الثقافية رهانا أو رهانات سياسية؟ إنه الموضوع الذي نريد تفحصه انطلاقا من جمعيتين ثقافيتين هما " الخلدونية" و " جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية" اللتين تأسستا على التوالي سنة 1896 و سنة 1905 بالعاصمة تونس.

اتجه اهتمامنا الى هاتين الجمعيتين لأنهما تمثلان ما أسماه جان-فرنسوا سيرينلي هياكل الجمعنة أي " تجمعات دائمة أو مؤقتة، مهما كانت درجة تأسيسيتها، يتم اختيار المشاركة فيها" إنها شبكات جمعنة " تفرز مجالات إجتماعية مصغرة و يمنح نشـاط المثقفين الذين يكتبون بها و غالبا ما ينتمون إليها، سمات خاصة تضفي على هذه المجالات خصوصية معينة". من وجهة النظر هذه، تعني كلمة الجمعنة شأنين ملازمين: شبكات لها قدرة الهيكلة و مجالا مصغرا يميز مجموعة ثقافية معينة"[1].

يدفعنا مصطلح "الممارسات الثقافية" إلى تحديد ما نعنيه بالثقافة. نقصد بالثقافة معنا مزدوجا: الأحداث الثقافية و الممارسات و طرق التعبير الثقافي التي تدخل ضمن التاريخ؛ ذلك التاريخ الذي عرفه لوسيان فيبر[2] بأنه علم الإنسان إذ يختص بتجليات هذا الكل الحي و وظائفه " في الزمان و المكان، يدرس التاريخ التحولات البشرية المتعاقبة و المتزامنة التي تعني السياسة و الدين، الفعاليات العسكرية أو الاقتصادية، التقنيات البسيطة أو الفنون الراقية، الفولكلور المتواضع أو الفلسفة السامية".

كيف نشأت هاتان الجمعيتان و لماذا ؟

إن تناول هذه القضية يستدعي العودة إلى ما نعتبره ظاهرة خاصة بالحياة الثقافية و السياسية التونسية.

خلافا لبلدان المغرب الأخرى، شهدت تونس حركة إصلاحات، بدءا من الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، لم تشهدها لا الجزائر التي احتلتها فرنسا من قبل، و لا المغرب الأقصى. و شملت إحدى النقاط الرئيسية لهذه الاصلاحات التعليم التونسي آنذاك. و تمثل ذلك، خاصة، في إصلاح التعليم الزيتوني سنة 1842 و إن لم يكن لهذا الإصلاح نطاق واسع.

و تمثل الإجراء الثاني في إنشاء مدرسة العلوم التقنية بباردو سنة 1832 غير أن العمل بها لم يبدأ إلا سنة 1840. كانت هذه المدرسة تهدف إلى تزويد عساكر الباي بتعليم تكميلي و بالمعارف العسكرية اقتداء بما كان يجري في أروبا.

يهمنا هذا المشروع لأكثر من سبب، إذ لأول مرة في تاريخ تونس، يتم إدخال تعليم من نوع حديث إلى جانب التعليم الأصلي الزيتوني الذي يختلف عنه مضمونا و غاية. لقد أضيفت علوم دنيوية أو نافعة و كذلك تعليم اللغات الأجنبية إلى التعليم الذي كان يلقن بجامع الزيتونة في تونس. و أدخلت هذه العلوم الحديثة بإيعاز من شيوخ الزيتونة المناصرين لحركة الإصلاح الجارية في الأقطار الإسلامية التابعة للسلطنة العثمانية (تركيا و مصر على الخصوص).

أخيرا ثمة عامل بالغ الأهمية في رأينا، تمثل في تشكيل "كتلة تاريخية" نشأت انطلاقا من هذه المدرسة، بفعل تعاون علماء الزيتونة و الضباط الشباب المتخرجين من المدرسة العسكرية لباردو الذين اضفوا طابعا خاصا على نمو تونس المعاصرة.

كان وصول خير الدين إلى دفة الحكم كوزير أول عام 1873، و قد شغل مناصب هامة من قبل، بمثابة دفع آخر لحركة الاصلاحات إذ حقق مجموعة من الانجازات الهامة منها تأسيس المدرسة الصادقية سنة 1875. إنطلاقا من هذه المؤسسة التكوينية الحديثة سيعمل شيوخ الزيتونة المصلحون و قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية على تخليد روح التجديد التي ميزت خير الدين. لقد أضفت هذه الروح التجديدية طابع الاستمرارية لحركة اصلاحية كانت تتعزز و تتأصل مع توطد نظام الحماية الجديد الذي فرض على التونسيين. و سينمو أسلوب عمل هؤلاء المصلحين وفقا لتطور نظام الحماية ذاته.

جماعة الحاضرة

كان الجيل الأول المؤسس لجريدة "الحاضرة" يتألف من صادقيين و زيتونيين عاصروا خير الدين و تأثروا بروح التجديد التي كانت تميزه. لقد بدا لهؤلاء أن تنصيب نظام الحماية في بدايتها كان ملائما لتنفيذ القيم التحررية لفرنسا سنة 1789 إذ كانت نصوصه تقر احترام سلطة الباي و السيادة التونسية. و قد كان خير الدين ذاته يحيل في كتابه " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"[3] إلى هذه القيم التحررية.

لذا تبنى هؤلاء المثقفون إصلاحا ثقافيا كان يدعو إلى مطابقة العلوم الغربية لحاضر العالم الاسلامي بهدف حمايته من الهيمنة الأوربية و إعداد مستقبله إعدادا حسنا. إن مثل هذا الالتزام المحايد -ظاهريا- إن لم يعمل على التشكيك في السلطة الاستعمارية، كان يسعى -على الأقل- إلى إيقاظ الوعي الوطني إذ كان يركز على القضايا الثقافية مثل قضية اللغة و الدين و يرمي إلى تعريف عصري للأمة التي تتوفر على حق الوجود أولا ثم حق تقرير المصير أخيرا.

يقول شارل أندري جوليان في حق هذه الجماعة " كان محررو جريدة الحاضرة أول من هاجموا الجمود الذي كانت عليه تونس و نددوا بالتغني السلبي بالماضي المجيد و اللامبالاة إزاء المشاكل الاجتماعية و السياسية التي تسببت فيها الحماية و عدم العناية بمستجدات العالم المعاصر"[4].

شكل نشاط جماعة الحاضرة بداية توعية التونسيين بهذه القضايا. و على إثرها، ظهرت جمعيتان ثقافيتان : الجمعية الخلدونية سنة 1896 و جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية سنة 1905.

الجمعية الخلدونية

تأسست هذه الجمعية بإيعاز من المقيم العام "روني مييى". كانت فكرة "ر.مييى" ترتكز على وجوب اصلاح التعليم الاسلامي عن طريق ادخال المناهج الفرنسية و العلوم في كل ما لا يمس بجوهر التعليم الديني. بهذه الطريقة، يمكن لفرنسا - في نظره - أن تستكمل عملها الحضاري في تونس. و يجب كذلك، مواصلة العمل الذي باشرته الحماية الفرنسية بهدف تحقيق الترقية الفكرية

و الأخلاقية للشعب التونسي. مثل هذا العمل، لو أضيف إلى الاصلاحات السابقة، سيؤدي إلى ترسيخ ذهنية عامة و تيار نهضوي دونهما لا يمكن للإصلاحات أن تثمر[5].

لقد لقيت هذه المبادرة صدا ايجابيا لدى المصلحين التونسيين الذين كانوا يأملون إدخال إصلاحات على التعليم بالزيتونة والذي أهمل كليا تدريس العلوم الحديثة.

يشير محمد الأصرم بهذا الصدد إلى" الاجتماع الذي انعقد في نهاية أكتوبر 1896 بالمرسي شاركت فيه ثلة من الشبان المسلمين ذوي التكوين اللبيرالي و الفكر المستنير تم تعيينهم من قبل المقيم العام بحكم مواقعهم الاجتماعية. في هذا الاجتماع، تمت مناقشة الآراء التي تعمل على تكوين مجتمع يهدف إلى ترقية تعليم الأهالي و الطلبة الذين يزاولون دروسهم بجامع الزيتونة حيث أبعد تدريس العلوم الحديثة"[6].

هكذا أنشئت الجمعية بعد المصادقة على مرسوم 22 ديسمبر 1896. بناء على المادة الثانية من القانون الأساسي، حددت الجمعية لنفسها الأهداف التالية:

- تنظيم دروس و ندوات حول التاريخ و الجغرافيا، اللغة الفرنسية و الاقتصاد السياسي

و الصحة و النظافة و الفيزياء و الكيمياء.

- تسخير الوسائل لمن هم أهل لذلك، بهدف تكميل تعليمهم.

- تشجيع إنشاء المكتبات.

- إصدار نشرية بالعربية و الفرنسية يكون هدفها الرئيسي تعريف الفرنسيين بالحضارة العربية و المسلمين بالحضارة الفرنسية.

و تنص المادة الثالثة على أن "الجمعية تمتنع عن كل مناقشة أو إعلان ذي طابع سياسي أو ديني".

وفقا لمواد القانون الأساسي، عملت الجمعية على تجسيد "الوفاق الودي" بين "المتطورين" التونسيين و سلطات الحماية، إذ كانت الرغبة المشتركة بينهما إدخال العلوم الحديثة في المؤسسات التي كانت آنذاك تناوئ هذه العلوم، و مع ذلك، نعترف أن الأهداف ذات المدى المتوسط أو البعيد، لم تكن متشابهة بين الطرفين.

بالنسبة لسلطات الحماية، كانت الغاية توفير الشروط المناسبة لإدخال إصـلاحات جديـدة و تكريس فكر يؤمن بالحضارة الغربية أي الفرنسية. بالنسبة للتونسيين، كانت الغاية مواصلة العمل الذي باشره خير الدين قبل تنصيب الحماية، و الذي يرمي إلى إصلاح التعليم بهدف تكوين الاطارات الكفئة لتسيير شؤون البلاد. كان شيوخ الزيتونة و قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية، منفذو هذا المشروع و إن لم يكونوا أصحابه الأولين، واعين بالثغرات التي يحتملـها التعلـيم الزيتوني و عدم مطابقته للظروف الجديدة التي تولدت عن تـطور العلوم و التقنيات في أوربا خاصة و عن تنصيب نظام الحماية. فوجدوا في جماعة قدماء الزيتونة من تلامذة الشيخ محمود قابادو و معاصري الوزير خير الدين أمثال الشيخ محمد السنوسي و الشيخ سالم بوحاجب، من يؤيدهم و يساهم في حركة التجديد. فليس من الصدفة أن يلقي الشيخ سالم بوحاجب خطابا بمناسبة تدشين الجمعية الخلدونية يوم 15 ماي 1897 و أن تتناول محاضرته موضوع موافقة الإسلام على تدريس العلوم.

و في مؤتمر الجغرافيا بتونس سنة 1904، صرح بشير صفر قائلا: "تساهم هذه الجمعية في حدود امكانياتها، في ترويج العلوم بين المسلمين و في ترقية قدراتهم الفكرية و اطلاعهم من خلال الجغرافيا، على مكانة كل أمة، و أخيرا تدعو إلى محاربة الاحكام المسبقة و إلى فتح آفاق كانت مجهولة لديهم، في مجال العـمل و التجارة. إنه عمل يستحق كل تنويه إذ يرمي إلى يقظة المسلمين الأخلاقـية و الفكرية و هو الهدف الذي نأمل بحزم، إلى تحقيقه تدريجيا"[7].

سيؤسس هؤلاء الصادقيون، و يحذوهم في ذلك نفس الهدف: أي نهضة المسلمين الأخلاقية و الفكرية، جمعية ثانية : جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية.

جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية

يشير على باش حامبة، و هو يتحدث باسم لجنة المبادرة، عن عمل خير الدين و التغيرات التي أحدثها في الذهنيات، إلى الأهداف التي حددتها الجمعية لنفسها قائلا : "لقد عملت الجمعية على نشر التربية الديمقراطية بين الشبيبة حين جمعـت على مـقاعد مشتركة و في نفس المرقد و المطعم، أطفالا من كافة طبقات المجتمع التونسي. تلك الشبيبة التي كانت تقاوم التمييز الذي كان قائما

-و مازال- بيننا. فنشأ التعارف و التأخي بين الأمير و البرجوازي و إبن الشعب. و بفضل النظام الداخلي، احتك أبناء الريف و الأقاليم بابن العاصمة الذي كان يحتقرهم سابقا، فعمل على التعرف بهم و استحسانهم. إن مثل هذا النمط الحديث في المعيشة -الذي كان مجهولا سابقا- أفضى إلى تكريس مشاعر الصداقة و الاتحاد و التضامن بين الشبيبة التونسية. و تحول قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية إلى عائلة واسعة تتألف من أفراد، رغم تبعثرهم في انحاء البلاد، سيحتفظون برباط قوى بالفترة التي قضوها في المدرسة. "أيها السادة، إنها مشاعر الصداقة و الوحدة و التضامن و هي كلها تقاليد مستجدة نريد العمل على تطويرها و المحافظة عليها بتأسيسنا لجمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية"[8].

ركز المتحدث على التقاليد الجديدة التي تتمثل في الصداقة و الوحدة و التضامن و رأى ضرورة إنشاء مكان للاجتماع و اللقاء بين الاجيال المختلفة. بهذه الطريقة يمكن المحافظة على روح الصداقة و على التضامن الذي يتجسد في المساعدة المتبادلة و الدعم المعنوي الذي يـقدمه كل فرد و الإعانة الفعلية في الاوقات الصعبة عن طريق إقطاعات من أموال الجمعية.

و توقعت الجمعية إنشاء مكتبة و تنظيم ندوات ترمي إلى "الرفع المتزايد للمستوى الثقافي لأعضائها و إلى ترقية الرغبة في العمل بينهم.

إلى جانب هذه الأهداف التي كان يرمي إلى تحقيقها تلاميذ المدرسة الصادقية توقعت جمعيتهم تنظيم نشاطات ما بعد دراسية. إن مثل هذه النشاطات ستكون مثمرة إذ اعتبر على باش حامبة أنه "إذا تمكنا من غرس الرغبة في العمل بين مواطنينا و وفرنا الوسائل الضرورية لذلك، و إذا تمكنا من توعية الجماهير بنشر الأفكار الحديثة و تعميم العلوم، نجحنا -وقتها- في إيقاظ الهمم و عجلنا تحولنا إلى وضعية أكثر ملاءمة بمستلزمات العصر، وضعية تساعدنا على دعم نضال من أجل الحياة أصبح أشد قساوة في هذا البلد" [9].

هكذا، نلمح قيما جديدة كالوطنية و الرفاه المادي للمواطنين و قيم الرقي و العمل تحل محل القيم القديمة في المجتمع مثل الورع و الوازع الديني و ازدراء الحياة الدنيا. لعل هذا "التفكير الجديد" الذي أشار إليه على باش حامبة، كان وراء نشاط قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية سواء داخل الجمعية الخلدونية أو الجمعية الصادقية.

برامج العمل

كانت برامج عمل الجمعيتين متكاملة بل متشابهة. و أشرفت شخصيات بارزة على الجمعيتين أو على الأقل شاركت في نشاطاتهما. على سبيل المثال، كانت اللجنة التي تم انتخابها يوم 3 ديسمبر 1905 على رأس الجمعية الصادقية تضم على باش حامبة الذي عرض أهدافها و محمّد الأصرم و أحمد الغطاس و رشيد بن مصطفى. و كان هؤلاء في نفس الوقت أعضاء اللجنة المديرة للجمعية الخلدونية و يتضح التكامل أو التشابه بين الجمعيتين في أن الندوات التي كانت تعقد هنا و هناك تناولت موضوعات واحدة مثل الصحة و النظافة، القانون العقاري، الفقه الإسلامي و القانون الفرنسي، الاقتصاد السياسي، الاقتصاد الزراعي و التنظيم القضائي في تونس.

و إذا نظرنا إلى محتوى هذه الندوات و الدروس التي كانت تنظمها الجمعيتان، لاحظنا أنها تبدو غير هامة، إلا أن ذلك رأي السلطات الاستعمارية التي كانت تسعى إلى ممارسة مراقبة شديدة على نشاطاتهما. هكذا فقد أبدت هذه السلطات تحفظات، عند ايداع القانون الأساسي للجمعية الصادقية، يصدد الفقرة الأخيرة من المادة الثانية التي تنص "على أنها (الجمعية) ستنشيء مكتبة و تنظم دروسا و محاضرات و تصدر نشرية بهدف تعميم الثقافة".

خشيت السلطات أن تنمو تيارات معارضة داخل هذه الجمعيات فألزمتها بتقديم إذن مسبق على نشاطاتها و ربطت المساعدة التي كانت تمنحها إياها بدرجة ولائها للحكم الاستعماري. هكذا جلب الوزير فوق العادة و المفوض لدى الاقامة العامة انتباه المدير العام للشؤون الداخلية بتونس في رسالة يقول فيها : "يخشى السيد المدير العام للتعليم العمومي أن تكون اتجاهات المجلة التي تسعى لجنة الجمعية الصادقية إلى إعادة إصدارها غير موالية لفرنسا و يقترح الامتناع عن مساعدتها طالما لم يتأكد ولاءها لسلطة الإقامة العامة" [10].

ماهي الأخطار التي مثلتها هاتان الجمعيتان ؟

في ظل الاستعمار، يعتبر إنشاء جمعيات تهدف بشكل صريح إلى اليقظة الاخلاقية و الفكرية للأهالي، في حد ذاته، تحديا لسلطة الحماية التي يفترض أنها تسهر على تحقيق هذه اليقظة.

و استحال على النخبة المثقفة، نظرا لعددها المحدود و اعتبارا لميزان قوى كان يتجه -تدريجيا- إلى ترسيخ دعائم الاستيطان، أن تقترح مشروعا سياسيا يرمي إلى إعادة النظر في السيطرة الاستعمارية. لهذا السبب، أعتمدت موقفا شرعيا إذ تخيلت أن نظام الحماية الجديد قد يعمل على تطهير المؤسسات في البلاد اقتداءا بالديمقراطية الفرنسية التي اعتبرتها نموذجا يحتدى به.

غير أن سلطة الحماية كانت تفتقد إلى الوسائل الكفيلة بتنفيذ سياسة موالية للتونسيين. في غالب الأحيان، كان نشاطها يواجه موقف المتفوقين المعادي لكل اصلاح في اتجاه هؤلاء. أمام تهاون السلطة، أخذت مجموعة من التونسيين على عاتقها تحقيق ما أسماه الشاذلي خير الله "وصية خير الدين الأدبية" "و لا يتوهم أن أهلها (أروبا) وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمزيد خصب أو اعتدال في أقاليمهم… و لا أن ذلك من آثار ديانتهم… و إنـما بلغوا تلك الغايات و التقدم في العلوم و الصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي و تسهيل طرق الثروة و استخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة و التجارة. أما الأمة الاسلامية فكانت عظيمة إذ كانت حرة و ذات علم ثم تراجعت أحوالها بسبب التزمت و الجهل "[11].

وجدت هذه الرسالة مناصرين من قبل الأجيال الأولى للصادقيين أمثال بشير صفر، على بوشوشة و الأخوين باش حامبة، خير الله بن مصطفى محمد الأصرم و غيرهم و كذلك من قبل شيوخ الزيتونة المصلحين بصفة خاصة سالم بوحاجب و قد ساهم هؤلاء و أولائك في النشاطات الثقافية التي كانت تنظمها الجمعيتان قبل أن يقبلوا على تأسيس حركة سياسية سنة 1907 تمثلت في حركة الشباب التونسي.

كان التعليم أحد القضايا الكبرى التي خاضت من أجله النخبة المثقفة نضالها. في البداية، اتخذ هذا النضال شكلا فرديا ثم أضحى مطلبا رئيسيا لحركة الشباب التونسي. نتوقف عند مظهرين اثنين من هذا النضال: تأسيس الكتاتيب القرآنية العصرية و ما أطلق عليه إسم النضال من أجل البكالوريا.

تم تأسيس أول كتاب عصري سنة 1906 بالعاصمة تونس بمبادرة من خير الله بن مصطفى، وراء هذا التأسيس سببان على الأقل:

- لسدّ النقص الخاص بالمدارس و بالتالي التصدى لضعف نسبة التمدرس لدى المسلمين التونسيين و هي حالة فرضتها مراكز القوى في السلطة الاستعمارية التي كانت تخشى "إقبال الأهالي على الدراسة" على حدّ تعبيرها.

- إعطاء التعليم الإبتدائي التونسي مضمونا يختلف عن مضمون المدارس العربية الفرنسية التي أنشأها لويس ماشويل : المدير الأول للتعليم العمومي بالمستعمرة التونسية ابتداء من 1883. كان تدريس اللغة العربية قائما بهذه المدارس غير أن الغلبة كانت للغة الفرنسية و ثقافتها و هما وسيلتا التفرنس أو بالأحرى إدماج الشعوب الخاضعة للسيادة الفرنسية. في هذه الحالة تتخذ اللغة الوطنية و الدين الاسلامي قيمة استكشافية، لأنهما عاملا التعبئة ضد العدوان الثقافي الأجنبي.

في الحالات المتباينة، تشكل المدرسة رهانا و إن أرادت السلطة أن تبقيها في وضع محايد وهمي إذا أعتبرنا دور التنشئة الاجتماعية الذي تضطلع به كل مدرسة. فكانت السلطة الاستعمارية و المتفوقون في البلاد يعلمون ذلك جيدا. لقد كان المتفوقون ينظرون إلى الجمعيات الثقافية كالجمعية الخلدونية و كأنها بؤر قادمة لمقاومة الاحتلال الاستعماري. كتب فيكتور كارنير، الناطق باسم حزب المعمرين و رئيس الغرفة الفرنسية للفلاحة، قائلا : "لو قامت انتفاضة في تونس لخرجت هيئة أركانها من الجمعية الخلدونية [12]" و وصف أندريه سرفييه من جانبه الدروس التي كان يلقيها بشير صفر في الجمعية الخلدونية بهذه العبارات "إلى جانب الحفلات الرسمية، لم يترك محروسونا أية فرصة لانتقاد العادات الأروبية و أخلاقنا، و للتنويه بأمجاد الإسلام السابقة ثم لاستعراض مراحل حركة النهضة و اليقظة التي شهدتها تركيا و مصر. لقد برع السيد بشير صفر، المكلف بدروس التاريخ و الجغرافيا التي كان يلقيها مجانا، في هذا النوع من الممارسات. فكان يسهب في ذكر الأحداث التي كانت تسيء إلى عظمة الأمة الفرنسية و كرامتها و بلغت به الجرأة النضالية إلى توظيف الوقائع اليومية للتعريض بمواطنينا و الاستهزاء بما كان يسميه "أحكامهم المسبقة". فقد كان المعمرون الفرنسيون موضع سخرياته و تهكماته؛ كما كان يسخر من " غلظتهم" و "كبريائهم" و "جهالتهم". أما المستمعون له، الذين حملهم التعليم الديني لجامع الزيتونة على التعصب، فقد كانوا ينفجرون بالضحك عند حديثه عن المعمرين"[13].

يصف نص أ. سرفيه - أكثر من غيره - ذهنية النخبة المثقفة خلال هذه الفترة الزمنية، كما يساعدنا على إدراك شكوك المتفوقين إزاء التونسيين الذين كانوا يتابعون - أو يريدون - الدراسات العليا في الجامعة الفرنسية. بهذا الصدد، لاحظ "كارنيار" مايلي "إن أخطر أعدائنا هم أولائك الشبان المنحدرين من الأسر البرجوازية و الذين ربتهم مديرية التعليم على الطريقة الفرنسية… و لو قامت انتفاضة في تونس لكانوا على رأسها" [14].

هكذا، بدأت المعركة من أجل تحسين تعليم التونسيين. و كان أعضاء الجمعيتين : الخلدونية

و الصادقية ينتهزون الفرص المناسبة لنقد وضعية التعليم في المدرسة الصادقية التي تحولت إلى مؤسسة لتكوين الموظفين بدل أن تعد تلامذتها إلى المهن الحرة كما أراده لها مؤسسها. فقد أوضح محمد الأصرم في مؤتمر المستعمرات الذي انعقد بمرسيليا سنة 1906 أن مهمتها انحصرت " في إمداد مصالح الدولة بالمترجمين و الأعوان البسطاء".

و في مجلس تحسين التعليم بالمدرسة الصادقية الذي تأسس بموجب مرسوم 28 مارس 1906، نوقشت مسألة الباكالوريا لأول مرة. فقد طالب التونسيون من حكومة الحماية أن تسهل الوصول إلى المهن الحرة و أن تمد التلاميذ الأكثر استحقاقا بمنح التعليم العالي و أن تضمن للطلبة الذين تابعوا دراسات ثانوية أو جامعية الحصول على مناصب مناسبة في المصالح العمومية. في الواقع، لم تتحقق هذه المطالب التونسية إلا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ استقرت السلطات الاستعمارية و حزب المعمرين على معارضة زيادة عدد التونسيين الحاصلين على الشهادات. فقد كانت ترى أن ارتفاع عددهم في المستعمرة سيؤدي إلى هيمنتهم على دواليـب الإدارة و الاقتصاد كان ذلك رهانا لا يمكن الاستهانة به.

و شكل التونسيون الحاصلون على الشهادات خطرا آخر في نظر السلطات الاستعمارية، إذ كانت تعتقد أنهم سيتكفلون بالـنضـال المعادي للاستعمار و سيعملون على تنظيمه.

لقد حدث ما توقعته السلطات الاستعمارية داخل المدرسة الصادقية، إذ عاد إلى تونس عدد من التلاميذ القدماء الذين أنهوا دراساتهم الجامعيـة بفرنسا و أصبحوا أساتذة بالمدرسة المذكورة أو أعضاء عاملين بالجـمعية الخلدونية و الجمعية الصادقية و لقنوا تلامذتهم أفكارهم الثورية آنذاك. أفضى هذا التكوين شبه المدرسي إلى تغذية النشاط السياسي في المدرسة و في البلاد و أشرف عليه شباب كانوا متأثرين بمواقف أساتذتهم. و اتضح ذلك عند اعتقال الأستاذ علي بلهوان، فكان رد تلاميذ الصادقية أن اعتبروه قدوة لهم و لقبوه بزعيم الشباب كما تؤكده الشهادات المختلفة.

علمت الحياة بالعاصمة التونسية التلاميذ القادمين من الأقاليم معنى التنظيم. إن التردّد على الجمعية الصادقية و الجمعية الخلدونية و مخالطة طلبة العاصمة دربتهم على الحياة الجمعوية. في هذا الاطار، كان الاحتكاك بالزعماء الوطنيين و نشاطاتهم داخل المدارس –مثل المدرسة الصادقية

و الجامعة فيما بعد- قد بلور شيئا فشيئا وعيهم السياسي.

في الحقيقة، اهتمت هذه الجمعيات بالنشاطات الثقافية. يقدم محمد مزالي شهادة على ذلك في مذكراته، إذ كتب يقول " بالمنستير و أثناء العطلة، كنت أناضل في صفوف "الشبيبة و الأدب"، فلم أكن أنهل من الكتب الـعربية و الفرنسية التي كانت تزخر بها جمعيتنا فحسب، بل كنت كذلك، ألقي محاضرات تناولت موضوعات أدبية و اجتماعية. و بمساعدة رفاق لي، كنت أنشط فرع المسرح بالجمعية و أنظم رحلات إلى الأقاليم التونسية مرة في كل نصف شهر"[15].

و غالبا ما كانت هذه النشاطات الثقافية تخفي نشاطات سياسية. كم من مرة، عرضت هذه الجمعية أو تلك، مسرحيات بهدف جمع التبرعات لتمويل خزينة حزب الدستور الجديد.

إضافة إلى العروض المسرحية، فسحت المحاضرات و الندوات مجال التعبير للشبيبة، فكانوا يلقنون للكبار و الصغار المعارف التي كانوا يتحصلون عليها في الثانوية أو الجامعة. لنستشهد - مرة أخرى - بمذكرات محمد مزالي :

"أثناء العطلة الجامعية، كنت أقبل على الاتصال بخلية بالمنستير لحزب الدستور الجديد، و قضيت ساعات طوال في دكان عمي: ش ج الأمين العام للخلية، أستمع للمناضلين و أناقشهم. و بحكم رئاستي لجمعية الطلبة المنستيريين، كنت القي محاضرات و أشرف على مناقشات و أنظم رحلات. فكنت أتناسى جامعة الصربون و محاضراتها لأنغمس في بيئتي بهدف تعميق انتمائي إلى الحضارة الإسلامية و بخاصة إيقاض وعيي بخصوصيات الشخصية التونسية و تاريخ بلادي و تقاليدها الأدبية و إسهامها الهام في ترقية الفنون و الآداب و العلوم التي ميّزت العالم العربي الإسلامي… لقد كنت أبحث عن كل أمر يغذي عزة انتمائي إلى الأمة التونسية. لهذا، كانت النشاطات الاجتماعية و الثقافية تأخذ مني وقتا هاما. استحضر ذكريات فياضة ترتبط بهذه الفترة. ففي شهر سبتمبر من سنة 1949

و خلال محاضرة علنية ألقيتها بالمنستير تحت عنوان " حقيقة يجب أن تعرف" نددت بالطريقة الاستعمارية في كتابة التاريخ، إذ تعلمنا زيفا في المدرسة الصادقية، أن فرنسا اضطرت إلى احتلال تونس لتوقيف غارات "جحافل جبل خمير" المتكررة على المستعمرة الفرنسية في الجزائر. و في يوم ما و أنا طالب بجامعة الصربون، كنت سعيدا لحضور درس للأستاذ "بياررينوفان" المختص في تاريخ العلاقات الدولية. فقد كان يتحدث في مدرج ديكارت عن السياسة الفرنسية على إثر حرب سنة 1870 و أبرز استنادا إلى الوثائق أن انتصاب الحماية الفرنسية على تونس كان عملا تم تدبيره بين الجمهورية الفرنسية الثالثة و ألمانيا البيسماركية و انكلترا. مثل هذه المعلومات الثمينة، لم يكن في وسعي الاحتفاظ بها إذ استغلت أول فرصة أتيحت لي، لإفادة الشباب التونسي بها"[16].

يتضح من هذه الشهادة أن العلاقة بين الثقافة و السياسة كانت وثيقة في القرى التونسية خلال عهد الحماية الفرنسية. لقد كان تأسيس الجمعيات الثقافية و الرياضية وسيلة استفادت منها المنظمات السياسية لبسط نفوذها داخل المجتمع الـتونسي. كان تلامذة الثانويات، أثناء العطلة، يشعرون بأنهم مكلفون بتحقيق مهمة مقدسة يحدوهم في ذلك شعور وطني واضح، إذ طالما قرأوا على جدران مدينة تونس شعار " حب الوطن من الإيمان" لهذا، اعتنقوا العمل السياسي.

إن التاريخ السياسي، كما حاولنا تفسيره و على حد تعبير ج.ف.سرينلي، هو "في الوقت نفسه تاريخ السلوكات و الذهنيات و الثقافات و الأفكار"[17].



ترجمة :

الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات العدد 8، ماي-أوت، 1999 .

[1] Sirinelli, J.F. (1988), Génération intellectuelle : khâgneux et Normaliens dans l’entre deux guerres, Paris, Fayard, p. 12.

[2] راجع التوطئة بقلم فيبر من كتاب

Moraze, C. (1948), Trois essais sur histoire et culture, Paris, A.colin, p.VI-VII. (Cahiers des Annales 2).

[3] الوزير خير الدين ، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، طبع لأول مرة بتونس سنة 1867 و عرف عدة طبعات منها الطبعة التي حققها و قدم لها المنصف الشنوفي، الدار التونسية للنشر سنة 1972، ص. 337، و قد ترجم الكتاب إلى الفرنسية و نشر سنة 1867 و أعيد نشره تحت عنوان:

Essai sur les reformes nécessaires aux Etats musulmans, présenté et annoté par Magali M. (1987), Aix en Provence, Edisad, p.155.

[4] Julien, C-A. (1967), « Colons français et Jeunes Tunisiens (1882-1912) », Revue française d’Outre-mer, tome L 14, p. 107-108.

[5] Cf. Servier, A. (1913), Le péril de l’avenir, le nationalisme musulman en Egypte, en Tunisie, en Algérie.- Constantine, Boet Ed, p. 76.

[6] Lasram, M. (1973), L’enseignement supérieur musulman : la khaldouniyya à Tunis", Tunisie-Actualités (3), spécial, VIIe année, p. 35.

[7] Cité par Khayrallah, C., Essai d’histoire et de synthèse des mouvements nationalistes tunisiens. Le mouvement Jeune Tunisien, Tunis, Bonici Ed, p. 26.

[8] المصدر نفسه، ص. 35.

[9] المصدر نفسه، ص. 46.

[10] Archives de la sûreté nationale, Tunis, n°81.

[11] Khayrallah, Ch., op.cit., p. 20-23, Voir aussi. Colombe, M. (1962), Trois aspects des institutions de l’Islam au XIX ème siècle, in Etudes d’orientalisme dédiées à la mémoire de Levi Provençal, Paris, Maisonneuve-Larousse, Ed, t.1, p. 99-100.

[12] Cité par Julien., Ch.A., Colons, p. 120-120.

[13] Servier, A., op.cit., p. 91.

[14] Cité par Julien., Ch.A., op.cit., p. 114.

[15] Mazali, M. Al-S. (1984), La parole de l’action. Conversation avec Xavière Ulysse, Paris, Publi-Sud Ed, p. 33.

[16]Ibid, p. 48.

[17] Sirinelli, J-F. (1990), Intellectuels et passions françaises. Manifestes et pétitions au XXème siècle, Paris, Fayard Ed, p. 13.

العائلة، عاداتها و تقاليدها بين الماضي والحاضر : الظاهرة الإحتفالية بالأعياد نموذجا

إن دراسة أي تركيبة اجتماعية لا تتحقق بمعزل عن دراسة التركيبة الشاملة للمجتمع الذي تنتمي إليه، كما أن البحث في الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لهذه التركيبة لا يتم أيضا دون معرفة عناصره البنيوية الصغرى المكونة لها.

إن التركيبات الاجتماعية عديدة و متنوعة ومتفاوتة الدرجة والمستوى في علاقاتها بالمجتمع ككل، غير أن العائلة تعتبر من أهم هذه التركيبات التي في اعتقادنا - على الأقل- تشكل منبع الكثير من هذه التركيبات (المدرسة – المؤسسـة العمالية...)، و ذلك لطابعها المميز بشريا، ثقافيا، اجتماعيا، بيولوجيا... و لدورها الأساسي و الحساس في تحريك المجتمع و تغيير اتجاهه. إن العائلة بكل ما تحمله من دلالات مختلفة هي الخلية القاعدية و النواة المنتجة للمجتمع و لكيانه الروحي و المادي.

سأحاول في هذه الدراسة أن أقف بالعائلة على ضوء ما تفرزه حركيتها ضمن الفضاء الاجتماعي و الثقافي للعادات و التقاليد المحلية ماضيا و حاضرا.

لقد اخترت هذه الوقفة و هذا الإطار المعرفي من أجل الإجابة عن السؤال التالي: كيف هي حال العائلة بين الأمس و اليوم في علاقتها بعاداتها وتقاليدها الموروثة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تختلف من باحث إلى آخر وذلك وفق المنهج المختار و وفق الهدف و مقصدية السؤال وكذا طبيعة البحث في حد ذاته.

لقد ركزت على موضوع العائلة و علاقتها بالعادات و التقاليد وذلك قصد الوقوف على طبيعة العائلة ثقافيا واجتماعيا بين زمني الماضي و الحاضر، لأن العائلة -الأسرة- العربية، شأنها شأن المجتمع العربي، تمرّ بتغيرات ذات أهمية بالغة ألقت بظلها على تركيبته العضوية. فقبل بضع سنوات وفي الوقت الذي كان مجتمعنا مجتمعا قرويا محافظا على المبنى الأسري التقليدي- حيث كانت الأسرة النواة التي تدور حولها كل القضايا الحياتية و الاجتماعية- نراه يمر في السنوات الأخيرة بتطور سريع في مجالات ونواحي مختلفة مثل البنية الفردية الأسرية والبنية الاجتماعية والاقتصادية و السياسية، ما أدى إلى تفتت و إضعاف العلاقات و الروابط بين أبناء الأسرة الواحدة، و هذا بدوره أدى إلى إخلال التوازن داخل الأسرة وخارجها [1].

لقد خلق هذا التغيير على مستوى المسار الاجتماعي و الثقافي للعائلة عدة إشكاليات، لعل أهمها: كيف يمكن للعائلة ذات النمط المحلي أن تعيش حاضرها بعاداتها و تقاليدها الموروثة من الزمن الماضي؟

لقد تفطن علماء الأنتروبولوجيا، و علماء النفس وكذا علماء الاجتماع إلى ذلك الرباط الروحي الذي يربط حركية العائلة بعاداتها و تقاليدها على مرّ الزمن والذي قد يشكل المخبأ الدائم الذي يعود إليه الفرد عند كل أزمة أو كبوة ليجد فيه الأمن و الاطمئنان حماية لذاته و لهويته الثقافية والاجتماعية المعرضة في كثير من الأحيان إلى هزات عنيفة و هجومات مدمرة. فقد كانت فضاءات العادات والتقاليد المادية منها وغير المادية عنوانا و ملجأ تستر فيه شخصية العائلة، كما كانت رمزا للعائلة في خضم المعارك الاجتماعية والثقافية التي تخوضها يوميا أمام الممارسات الجديدة وخاصة منها تلك التي يسودها و يسيرها مبدأ التضاد والتناقض والتدمير.

فبفعل عامل الاتصال و المواصلات و التفتح، فإن العائلة المحلية مرشحة ثقافيا و اجتماعيا للتعامل مع نمطين جديدين للممارسات الثقافية و الاجتماعية الجديدة:

- عادات و تقاليد جديدة تحمل بين طياتها مبدأ الاندماج والمسايرة، قد لا تؤثر سلبا على الكيان العائلي المحلي.

- عادات و تقاليد جديدة تحمل بين طياتها مبدأ التضاد و التغيير القوي، قد تؤثر سلبا على سلامة الكيان العائلي المحلي.

و قد اعتبر علماء الفولكور أن مقياس حضارة و هوية العائلة هو بمقدار ما تنتجه من عادات و تقاليد خاصة بها من جهة، و من جهة أخرى، هي بمقدار ما توليه من اهتمام ومحافظة على عاداتها وتقاليدها الأصلية و اللصيقة بكيانها الروحي والمادي ومصدر هويتها الثقافية والحضارية عبر مراحل تاريخها الطويل، لأن العائلة كمجتمع صغير يخضع أفرادها في تفكيرهم و اتجاهات سلوكهم إلى مجموعة من التنظيمات المكتسبة و المعروفة باسم الثرات الإجتماعي أو الثقافة و الحضارة هي جميع مرادفات مدلول واحد يشمل ما يوجه الحياة الإنسانية من جوانب مادية و غير مادية، من عادات وتقاليد وقيم و لغة و نظم اجتماعية. إن هذه القوة الاجتماعية في كل مجتمع تختلف عن غيره من المجتمعات بما يميز كل مجتمع ويؤثر في حياة الأفراد وهي تحيط تفكيرهم واتجاهاتهم وسلوكهم بإطار عام يتحركون في محيطه و بوحيه [2].

إن الهدف من هذه الدراسة، كما حددناه سابقا، هو البحث في واقع العائلة بين الحاضر و الماضي على ضوء واقع العادات و التقاليد العائلية المحلية و المعروفة تاريخا و ممارسة، أو بلغة أخرى، هل العائلة المحلية تعيش حاضرها بماضيها؟ كيف؟ و لماذا؟

ليس المهم هنا أن نسرد كل العادات و التقاليد العائلية المحلية لأنها عديدة و متنوعة، تتعدى طاقاتنا و طاقات هذه الأوراق، ولكن لا يسعنا القول إلا أنها مست كل جوانب الحياة الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية و السياسية و الفكرية من شعر و غناء و رقص و لباس و طبخ و أعياد و حفلات و فن و زخرفة و نحت و حرف و أعراف... فهي ممارسات أنتجها الوجدان الشعبي تلبية لرغباته المعاشة، فظلت حية بحياته، تتحرك بحركاته على مدى تاريخه الثقافي و الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي المحلي، بكل ما تمتاز به و ما تحمله بين طياتها من عراقة و أصالة و واقعية و جماعية، فهي تتعدى الوظيفة التي أراد أن يلبسها إياها البعض حين حصروا ذكرها و الحديث عنها في مناسبات الفرجة و التسلية و إبراز ما فيها من طابع العجائبي و الغرائبي. فهي غير ذلـك، إنها تترجم نمط تفكير و فلسفة شعبية و تدابير مادية و معنوية من أجل مجابهة متطلبات الحياة. لقد ظلت العائلة المحلية محافظة على عاداتها و تقاليدها، تحياها و تعيشها بدون هوادة و لا انقطاع. و ما قد يسجل من حين إلى آخر من عادات وتقاليد جديدة في الفضاء المحلي، فإن أغلبه لم يقتحم هذا الفضاء بصمت، فقد صاحب هذا الدخول و هذا الاقتحام صراعات نفسية و اجتماعية و ثقافية عنيفة كادت أن تدمر العائلة و تفتت عناصرها إلى درجة التطاحن و العداوة و الانقسامات الفكرية و الثقافية و حتى الإيديولوجية، و قد نتج عن هذا التداخل ظهور لدى العائلة المحلية عادات و تقاليد لا هي تقاليد و لاعادات بالية، و لا هي تقاليد و عادات يعتمد عليها الناس في كل شاردة أو واردة، يتمسك الناس بقسم منها و يتخلون عن أقسام أخرى، ينسخون نسخا و يحورون بعضها الآخر [3] .لعل ما يميز العائلة المحلية أنها عائلة في مرحلة الانتقال من النمط التقليدي أي الخاضع لقواعد و لعلاقات ثقافية و اجتماعية تقليدية إلى نمط عائلي جديد يريد لنفس الحداثة و العصرنة فكرا و سلوكا من الناحية الاجتماعية و الثقافية الاقتصادية.

إن هذه النقلة العائلية من نمط إلى آخر لم تكن سالمة و لم تكن بريئة أو مجانية، فقد أصابت الذات العائلية في عمق كيانها و في جسدها الاجتماعي و الثقافي، حيث زلزلت بنيتها الداخلية وفتت عناصرها منتجة بذلك في كثير من الأحيان صراعات عنيفة بين الفرد و العائلة و المجتمع الأمر الذي أدى في كثير من المواقف و المواقع إلى بروز ظاهرة الازدواجية الثقافية و الاجتماعية في بعض الممارسات لدى العائلة الواحدة التي أصابها تمزق و انشقاق بين عادات و تقاليد محلية و عادات و تقاليد دخيلة أو جديدة سواء المستحدثة منها محليا أو المستوردة بلغة أهل الاقتصاد.

إن الممارسات اليومية تكتشف بوضوح هذه الازدواجية التي قسمت كيان العائلة الواحدة إلى كيانات مختلفة، حيث أن كل كيان يعمل على إبراز نمطه المفضل متسترا وراء شعارات مختلفة:

فالكيان الأول، يدعي الأصالة و التراث و الهوية و الانتماء، و في اعتقاده لا يتحقق كل ذلك إلا بالتمسك القوي بالعادات و التقاليد الأصلية و المحلية و ممارستها ممارسة حقيقية حسب متطلبات الأحداث لأن العادات و التقاليد و الأعراف هي حالات معنوية ذات علاقة روحية عميقة الجذور بنفسيات الناس و قيمهم الثقافية و الاجتماعية. فهي ساكنة في ضمائرهم و منعكسة في أساليب سلوكهم [4] . فالعادات و التقاليد هي حكمة الشعب و بالتالي ليست إشارة إلى الماضي و ليست زائرا وافدا من بيئة أخرى: إنها تنتمي إلى مجتمع الذي تتفاعل معه و يفيد منها، و إلى اللحظة التي تحقق بها وظيفة حيوية و إنسانية من وظائفها الكثيرة، إنها ليست حلقة من سقط المتاع، و ليست عائقا من عوائق التقدم[5].

أما الكيان الثاني، فإنه يدعي العصرنة و الحداثة والتجديد، في اعتقاده أن هذه العادات و التقاليد بالية وقديمة، و لم تعد تلبي متطلبات العصر الجديد، كما أنها تعرقل نشاط الفرد، و تقف حاجزا أمام كل مبادراته للإنطلاق نحو أفق جديد مغاير. إن هذا الكيان يرى في النمط الجديد نموذجه الإيجابي و بالتالي يعمل جاهدا من أجل تبنيه و استراده و العمل على تطبيقه و ممارسته على أرض الواقع المحلي. كما يعتبر في رؤيته الفكرية و الإيديولوجية أن الحديث عن العادات و التقاليد الأصلية حديث ماضوي، تراثي، سلفوى متحجر.

و مهما يكن من أمر، فلقد ظلت العائلة التلمسانية تعيش و تمارس كثير من عاداتها و تقاليدها حاضرا كما مارستها وعاشتها في الماضي، و لم تر فيها أبدا عائق من عوائق التقدم العائلي، بل اعتبرتها رمزا للأصالة وللتمسك وللإنتماء.

قد لا يتسع هنا المقام لذكر كل العادات و التقاليد العائلية التي ظلت حية وممارسة في الوقت الحاضر وما يصاحبها من ممارسات و طقوس و اعتـقادات قد تصل بها أحيانا إلى درجة التقديس، غير أننا سوف نحاول الوقوف على مظهر من مظاهر هذه العادات و التقاليد العائلية و الذي استمر حيا منذ القديم حتى الوقت الحاضر الذي زادها قوة و حيوية. و هو مظهر الاحتفالية المرتبطة بالأعياد حيث أن من طبائع العائلة التلمسانية ميلها و حبها الشديد للظاهرة الاحتفالية، فهي تحتفل بطريقة خاصة بكل الأعياد الدينية و الاجتماعية و العائلية و تحضر لها تحضيرا ماديا و معنويا، بل تعمل جاهدة على خلق و إبداع أعياد أخرى جديدة و محلية.

فبالرغم من المشاكل و الصعوبات الاقتصادية و المالية و الاجتماعية، و بالرغم من اقتحام نماذج احتفالية جديدة،فإن العائلة التلمسانية تقدم أعيادها و تصر و تؤكد على ضرورة الاحتفال بها.

إن نظرة سريعة لسجل الأعياد و الاحتفالات المحلية التلمسانية يترك المرء يحس بمعنى العيد و معنى الاحتفالية في الذاكرة الشعبية التي تحتفظ بجغرافية زمانية و ثقافية و اجتماعية لكل عيد و لكل حفلة: فمن عيد الفطر،إلى عيد الأضحى ثم باقي الأعياد الأخرى: كيوم عاشوراء، المولد النبوي، السّبوع،الولادة، الختان أو الطهارة، الخطوبة، الزواج، عيد الميلاد، رأس السنة الميلادية، رأس السنة الهجرية، الناير، الذهاب إلى الحج أو العودة منه، النجاح في الامتحانات، ختم الولد للقرآن، صوم الأطفال لأول مرة، الدخول و التنقل إلى الدار الجديدة، أعياد خاصة بالأولياء..إلخ.

يعتبر الاحتفال بالأعياد من القيم الثابتة للحياة الاجتماعية المحلية حيث أن "للعيد نكهة خاصة يدعو الناس إلى التوقف عن العمل و القيام بأعمال غير مجدية على الصعيد المادي، العيد يدفع الناس إلى التمتع بالحياة و الاحتفال بالعلاقات الاجتماعية خارج إطار العلاقات الاقتصادية، لذلك فالشحنة المعنوية التي يتمتع بها العيد حاجة إنسانية يشعر الناس عفويا بضرورة التمسك بها[6]".

إن ظاهرة الاحتفال بالأعياد و تخليدها، تعد محطة اجتماعية و نفسية و ثقافية ضرورية في حياة العائلة التلمسانية التي تعلن من خلالها انتماءها الديني العقائدي، لأن أغلب هذه الأعياد طبعت العائلة نفسها بطابع ديني مقدس.

إن محافظة العائلة التلمسانية على الظاهرة الاحتفالية بالأعياد ماضيا وحاضرا و الإصرار عليها مرتبطة في أبعادها الاجتماعية والثقافية بمرجعية دينية و ذلك لما يصاحب هذه الممارسة من أعمال خيرية اجتماعية جماعية، فالاحتفالية فرصة للقاء و التقارب و التماسك الاجتماعي من جهة، و من جهة أخرى فرصة لإثبات الذات الجماعية و إثبات الهوية الثقافية.

إن حديثنا عن العائلة و الظاهرة الاحتفالية بالعيد، يتعدى في حقيقة الأمر الجرد الإحصائي لكل الأعياد و ما يصاحب كل عيد من تحضيرات مادية و معنوية كالطبخ الخاص، أي كل عيد تخصص له مأكولات و أطباق خاصة، و كذا اللباس التقليدي حيث أنه لكل مناسبة لباس خاص بها، بالإضافة إلى الطقوس و المعتقدات ذات الصلة بكل عيد و مناسبة. إن مقصدية حديثنا تريد أن تبحث في ذلك السر الروحي و الثقافي و الاجتماعي الذي خلى العائلة تصر و تؤكد على هذه الاحتفالية و هذا التعلق بها على مر السنين و صمودها رغم الصعوبات المادية و المالية من جهة و رغم دخول ممارسات احتفالية جديدة في ثقافتها. لقد ظلت العائلة تمارس احتفاليتها مكيفة ماضيها بحاضرها بكل ما يحمله من دلالات دينية و اجتماعية و ثقافية و نفسية، لأن العيد يصبح مناسبة اجتماعية و مرآة تنعكس فيها طموحات و أماني المجتمع، يبقى الإعتبار الديني قائما، و لكن همّ المحتفلين بالعيد يتبلور حول قضايا اجتماعية و ليس حول قضايا روحانية. هنا يصبح لكل عيد معنى اجتماعيا مميزا... و كأن بالأعياد تأتي لتشد أواصر هذه المؤسسة (العائلة)، ففي العيد تجتمع العائلة، تشرب و تأكل، تجمع صغارها بكبارها في إطار بروتوكول معين من الزيارات، و للعيد كذلك معان اجتماعية تضامنا من الجماعة[7].

و خلاصة القول، إن ما أردنا أن نقوله في هذا الإسهام و هو أن العائلة المحلية قد تعرضت لتطورات اجتماعية و ثقافية و اقتصادية عميقة أكسبتها عادات و تقاليد جديدة مع الزمن الجديد و الطرح السياسي

و الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي الجديد، غير أن هذه التطورات و هذه التغيرات ظلت عاجزة في أن تصيب بعد مظاهر الثقافة المحلية و المتمثلة في بعض العادات و التقاليد اللصيقة للذات المحلية، حيث ظلت العائلة محتفظة و محافظة عليها معتبرة إياها جزء من كيانها الروحي و العقائدي الأمر الذي أدى بها إلى تقديسها واعتبار عدم الاحتفاء بها أمر سيء و مرفوض اجتماعيا و ثقافيا و حتى عقائديا.



الهوامش

* مقال سبق نشره في مجلة إنسانيات، العدد 4، جانفي-أفريل 1998.

[1] أبو حميدة، مرعي مريم. (1991)، قراءة في الواقع التربوي و الثقافي للطفل الفلسطيني، مجلة البيادر، ع 6، منظمة التحرير الفلسطينية، ص. 109.

[2] شرابي، هشام. (1985)، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، بيروت، المطبعة الأهلية للنشر و التوزيع، ص. 20.

[3] معتوق، فردريك، التقاليد و العادات الشعبية اللبنانية، طرابلس، لبنان، مطبعة جروس برس،ص. 5.

[4] العنسى سعود، بن سالم، العادات العمانية، مطبعة التراث القومي و الثقافة، ص. 11.

[5] يونس، عبد الحميد. (1973) دفاع عن الفولكلور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص. 39.

[6] معتوق فردريك، ص. 82 .

[7] المرجع السابق، ص. 93 .

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact