تقديم : الصحراء مجتمعات و ثقافات

تقديم : الصحراء مجتمعات و ثقافات

استحوذت الصحراء على فكر الكثير من الكتّاب والمفكرين سواء كان ذلك قديما، أو في الوقت الحالي، لما تشكله من تنوع ثقافي وما تحمله من أفكار، ومعالم، وكنوز مختلفة من عادات وتقاليد، ومعتقدات، ولهذا اتجهوا نحو دراسة مجتمعاتها وثقافاتها المختلفة. من هذا المنطلق؛ اخترنا في هذا العدد عشر مقالات منشورة بمجلة إنسانيات باللغتين العربية والفرنسية، وقد تّم ترجمة المقالات المكتوبة باللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، بغية الوصول إلى نقاش موضوعي أوسع حول قضية الاهتمام بالصحراء والانفتاح على رؤى أخرى.

شكلّت الخصوصيّة السوسيوثقافية التي تتميز بها الصحراء الجزائرية حافزا لاهتمام الباحثين بها، حيث تطورت الدراسات وتبلورت فكرة "البحث في مجال الصحراء" بداية من رحلة المستكشفين، والرحالة الأدباء، ورجال الدين، والتجار، والعلماء... الذين اختلفت مقاصدهم وأهدافهم، فدوّنوا مذكراتهم اليوميّة وملاحظاتهم الإثنوغرافية التي تزايدت في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ واصفين لنا صحراء الجزائر الشاسعة ونمط معيشة سكانها وكل ما يتعلق بتراثها الثقافي والاقتصادي ومجالها السكاني والحضاري. ومن أهّم من كتب عن الصحراء الجزائرية، ج. أ. بول، رحلة "ذكريات عن الجزائر أو رحلة في إفريقيا خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 1838"[1]، وجورج روبرت "رحلة عبر الجزائر"[2] وغيرهما ممّن سجلوا لنا أحداث رحلاتهم.

لطالما كانت الصحراء مكانا ملهما للكثير، أين تلتقي الحقيقة بالأسطورة، والواقع بالخيال، ومن الممكن أن يكون هذا المزج بين الواقعية والشاعرية هو ما جعل الصحراء -ثيمة للدراسة- تحظى باهتمام عديد من المفكرين والعلماء والمتدينين. يلمس فيها الباحث في المجال الاجتماعي والثقافي الفروق القائمة بين الشعوب واختلاف ملامحهم الجسدية والثقافية وغيرها من مظاهر الحياة المختفلة. ويجد فيها المتدين موضعا للخلوة والتأمل في الكون والحياة. وبهذا نالت الصحراء دورها في اكتساب المكانة الروحية في عالم التصوف، فاشتهرت بأوليائها وأضرحتها وزواياها، ما يؤكده الروائي الليبي ابراهيم الكوني[3] في وصفه للإنسان الصحراوي بأنه "صوفي بالفطرة، يجد سعادته في الحيرة الدائمة والتقلب في المعاناة".

وفي هذا السّياق، تعالج مقالة رشيد بليل "زناتيّو ڤورارا، أولياؤها والأهلّيل" مجموعة من المصادر الشفهيّة التي تدور حول مواجهة نموذجين مختلفين: الأول متمثلا في الأولياء المحليين وما يدعون إليه من قيّم إسلامية، والثاني مرتبط بممارسات "الأهليل" وطقوسهم المختلفة. إذ يؤكد صاحب المقال أنّه بالرغم من حرص المتدينين على التشبث بالتعاليم المكرسة إلا أنّهم يقبلون بعض الممارسات الثقافية المتداولة.

وتطرق عثمان بلميلود في مقاله "صورة الصحراء العربية في المخيال قبل ظهور الإسلام"، إلى أهميّة الصحراء منذ القِدَم، واقفا عند مضامين بعض القصص المتداولة عن الصحراء في الكتب المقدسة والتي نجد فيها العديد من الدلالات الأسطورية والمقدسة.

ويضيئ مقال عبد القادر خليفي "الماء وطقوسياته في منطقة القْصُور" في الجنوب الغربي الجزائري جوانبا من حياة سكان الصحراء، كون اعتماد هؤلاء في حياتهم اليومية على زراعة الأرض وتربية الحيوانات؛ جعلهم يولون أهمية كبيرة للماء، وذلك من خلال ما يحمله تراثهم الشعبي من حكايات وأمثال وحكم وأساطير ومعتقدات وغيرها من التعابير الشعبية حوله. وهذا العنصر الحيوي في المنطقة الصحراوية اكتسى طابعا مميزا في المخيال الشعبي.

ما تحمله المنظومة الصحراوية من زخم مخيالي ما هو إلاّ انعكاس إبداعي لما يعيشه الإنسان الصحراوي وما يواجهه في حياته اليوميّة بغية التأقلم مع واقعها ومسايرة ظروفها. ولهذا تحفل الذاكرة الجماعية الصحراوية بمجموعة من الصوّر والتمثلات الرمزية مع حضور مكثف للحكايات والأساطير التي نسجتها مخيلته، فكان حضور الماء والواحة والولي في المخيلة الاجتماعية حضورا قدسياً.

أدّت مسألة المقدس والسلطة الرمزية عند بعض الفئات الاجتماعية الصحراوية كفئة "إسْلَمَنْ"، دور الوسيط في المجتمع التارڤي، لما يمثلونه من رمز للسلام باعتبارهم ينحدرون من سلالة الأشراف. وهو ما تطرقت إليه فايزة صديق أركام في مقالها "الفضاء المقدّس والسلطة الرمزية في الصحراء: تأثير الشُرْفَة المرابطين الوافدين من "إيسوك" في تسيير مدينة الأهڤار" والذي أشارت فيه إلى التمثلات المحليّة لممارسات رجال الدين الطوارق أو ما يطلق عليهم باسم "إنسْلَمَن" وعلاقتهم مع سكان الصحراء .

أمّا على مستوى الفضاءات العمرانيّة شهدت مدن الصحراء في الجزائر نماذج متباينة على المستوى الهيكلي والتوسع السكاني، ما أثّر على خصوصية الصحراء وسكانها، وهو ما أشار إليه عابد بن جليد في مقاله " أولاد سعيد، واحة نخيل ڤورارة: التنمية المحليّة وإعادة تشكيل مجتمع تقليدي " حيث تطرق إلى التّحولات والتغيرات الجغرافية في واحة أولاد سعيد بمنطقة تيميمون إثر استخدام الدولة لمؤسسات عصرية واتخاذ إجراءات جديدة منها إعادة ترميم القصور والفڤارة وحماية البيئة. 

تطرق عبد القادر حميدي، في مقاله "تطور حي دبدابة بضواحي بشار إلى مركز تنشيط" للتّحولات البنيوية داخل السكنات على مستوى التركيبة الحضرية لمدينة بشار بشكل عام، وحي "دبدابة" بشكل خاص، وذلك بسبب النمو الديموغرافي. وقد أدى هذا التطور إلى التسريع في نمو الكثير من التجمعات السكنية، والتحول داخل البنية الاجتماعية، ما فرض عليهم واقعا جديدا لم يكن موجودا من قبل عند سكان الصحراء.

والملاحظ أنّ هذا التطور لم يراعِ في بعض الأحيان خصوصيات المنطقة، وهو تحديدا ما تعرض له عبد الله خياري في مقاله "أزمة الواحات التقليدية في الصحراء الجزائرية: واحة طولقة نموذجا" أين ركّز على أهمية الواحة في الفضاء الصحراوي ومنها واحة "طولقة" بإقليم الزيبان الغربي، منوّها بمكانتها الاستراتيجية، خاصة بعد تعرضها إلى أزمات منها: التوسع العمراني، ونقص الماء، وتراجع الإنتاج الفلاحي، وهجرة السكان، وتضاؤل إشعاع الزاوية العثمانية.

وضمن الموضوع نفسه جاء اسهام بدر الدين يوسفي في مقاله الموسوم بـ: "مدينة أدرار وفق السياق الحضري الجديد: نحو إعادة تنظيم المجال الجهوي للأقاليم الصحراوية الجنوبية الغربية للجزائر"، متناولا التّحولات داخل المجتمع المحلي للصحراء مؤخرا -أدرار نموذجاً- وهذا بعد ظهور نشاط الخدمات والتجارة الجديدة، ما سمح لها بالاندماج داخل الشبكة الحضرية الوطنية. ومن أهم التّحولات التي طرأت على المجتمع المحلي تراجع دور الزوايا والأعيان (الشُرفى والمرابطين) من ناحية؛ وتنامي مكانة "الحراطين" من ناحية أخرى، وذلك في ظل السلطة الإدارية المنظمة للخدمات الاجتماعية والاقتصادية.

ولم تقتصر أزمات الصحراء على التحولات المجالية والعمرانية؛ وإنما تعدى ذلك إلى انتشار ظاهرة الهجرة في مدن الساحل الصحراوي، وهذا ما تعرض له عبد القادر خليفـة في مقاله
"مهاجرو دول الساحل في مدن الصحراء الجزائرية: من مسار عبور إلى فضاء استقرار (مدينة ورڤلة - الجزائر)" والذي تناول فيه من خلال مقاربة أنثروبولوجية ظاهرة الهجرة ومسار المهاجرين الأفارقة في مدينة ورڤلة.

قيمة الصحراء الرمزية والتراثية هي ما جعلت الباحثين يولون لها هذا الاهتمام من خلال الدراسة والتحليل، كما جاء في مقال أندري لارسونو حول "الصحراء وهوامشها، موضوع دراسي محدّد: نحو تجديد الأبحاث حول المناطق المتصحرة"، أين أبرز إسهامات الباحثين من مختلف التخصصات والمقاربات حول إشكالات مختلفة تتعلق بطبيعة نظام الصحراء البيئي والسوسيوثقافي، وما يترتب عنها من تحولات وتغيرات، ما يدل على انفتاح توجهات البحث نحو التفكير في مجالات تنفرد بها الصحراء.

وفي الأخير، نشير إلى أنّ هذا العدد من دفاتر مجلة إنسانيات ينضاف إلى سلسلة الأعمال والإنتاجات المعرفية التي تناولت دراسة الأقاليم بصفة عامة ودراسة الصحراء بشريا وجغرافيا بصفة خاصة.



[1] Bolle, J.-A. (1839). Souvenirs de l’Algérie ou relation d’un voyage en Afrique, pendant les mois de septembre de d’octobre 1838. Angoulême : Imprimerie de J. Brouisse.

[2] George, R. (1891). Voyage à travers l’Algérie. Notes et Croquis.1886-1887. Paris : imprimerie G. Rougier.

[3] ابراهيم الكوني، كاتب ليبي أمازيغي، مواليد سنة 1948، ولد بواحة غدامس في ليبيا، درس الآداب في معهد جوركي للآداب بموسكو.

Text

PDF

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact