المحلي في احتجاج : المواطنة و هي تبنى حالة القبايل

المحلي في احتجاج : المواطنة و هي تبنى حالة القبايل

مقدمة

لم يتم أبدا منذ استقلال الجزائر سنة 1962، إعطاء مثل هذا المقدار من الأولوية إلى سؤال المحلي و المناطق لقد أدت أحداث القبايل لربيع و صيف 2001، إلى تسليط الضوء على الوقائع المحلية. و لكن حرّكت أيضا لدى فاعلي "القيادة الجماعية"[1] إرادة الاحتجاج من أجل تجسيد أشكال قديمة لتنظيم المجتمع، كبديل عن مركزية الدولة و عن أشكال التسيير السياسية و الإدارية التي تتضمنها. و بالفعل، يُعبر احتجاج القبايل[2] سنة 2001 ­و لكن أيضا بمختلف مناطق الجزائر، حتى و إن كان ذلك بشكل متقطع­،[3] ذو الكثافة الكبيرة بطريقة عجيبة عن الفارق بين مركز الدولة و بين المناطق الداخلية.[4] صارت أدوات التحديث السياسية و الأشكال الجديدة للتعبير السياسي الموضوعة في الميدان منذ الاستقلال -بما في ذلك الأحزاب- محل شك و مستهدفة من طرف المحتجين على مستويات كبيرة و بشكل منظم.[5] و إذا كان الاحتجاج في المناطق الأخرى و بعد انتفاضات مدمرة (على المستوى المادي) من غير نفس و سرعان ما ينطفئ، فإن الأحداث قد اتخذت في حالة القبايل منحى آخر و مدّة لا نظير لها في تاريخ الجزائر بعد الاستقلال.

بالفعل، كانت الصدمة ذات عنف نادر و أدت و سائل القمع المستعملة من طرف الدولة من أجل تقليص الاحتجاج إلى مآس حقيقية، أوشكت عواقبها الإنسانية و السياسية على التأثير و لمدة طويلة في العلاقات بين هذه المنطقة و بين مؤسسات الدولة. إنه لسابق لأوانه أن نجري تحليلا دقيقا لحركة الاحتجاج هذه، و التي لم تعرف إلى لحظة اشتغالنا على هذه الدراسة[6] حلا للعقدة، و التي على أي حال تبقى دائما فاعلة نسبيا.

1. على المسار الكرونولوجي : إعادة اختراع العرش

و مع ذلك، يظهر لنا أنه من الممكن، ابتداء من ملاحظة الأحداث الخاصة بشهر ماي، جوان و جويلية، أن نناقش على سبيل التقديم لإسهامنا بعض مناحي هذا الاحتجاج. و الأكثر بروزا من وجهة نظرنا، هو شكل و طريقة التنظيم اللذين يمنحهما جزائريو مناطق القبايل لأنفسهم و البراديغم الفاعل عند اللجوء إليهما.

و إذا كنا منتبهين بشكل ملموس للكرونولوجيا، فإن بني دوالا Beni-Douala هي مركز الانفجار الذي مس كل القبايل، إذ فيها اتخذت محاولة التنظيم الأولى شكلا، بمعنى في حوالي 21، 22 أفريل 2001،[7] حيث يتعلق الأمر بولادة تنسيقية لمجالس القرى على مستوى دائرة بني دوالا في عجالة المواجهات.و بمقدار ما تعممت أحداث الشغب في غياب إطار للوساطة، بمقدار ما تظاهرت مجالس القرى في مختلف أرجاء القبايل، فرأى مشروع تنسيق أكثر اتساعا النور. لم تتمكن ردود فعل الأحزاب السياسية الأكثر تجذرا في منطقة القبايل، من أن تتحول إلى فعل سياسي يتبع بشكل صحيح ما أخذ شكل ثورة حقيقية. يمكننا أن نفهم وبشكل قبلي أن هذه الأحزاب، بما فيها RCD وFFS * كانت في الواقع مشلولة بسبب حجم الحركة و عدم توقع حصولها، شأنهما في ذلك شأن المؤسسات الرسمية التي هجرت المجتمع، تاركة المكان للمواجهة بين محتجين أغلبهم شباب، لا يستمعون للخطابات السياسية و بين قوات الأمن و التي تحت وقع براديغم مكافحة الإرهاب، لم تتردد في اللجوء إلى الطرق الأكثر تطرفا، بما في ذلك استعمال أسلحة الحرب، خاصة في المناطق الريفية (البلدات الصغيرة). تم إنشاء في 09 ماي، و بعد اجتماعات تمهيدية، مجلس فيدرالي لـ عرش الأربعاء ناث إراثن Larbaa-Nath-Irathen الذي ضم قرى بلديات الدائرة التي لها نفس الاسم. و خلال الأسبوع الأول من شهر ماي تظاهر أيضا عرش أث جناد Ath-Djenad، ثم عرش أث غبري Ath-Ghobri. و يصير لمدينة تيزي وزو في 04 ماي تنسيقية لمجالس الأحياء. و لا بد من التنبه إلى أن الأحياء لم تُمثل كلها و أن بعضها سيفرض و بسرعة سيطرته.[8] و أكثر الممثلين مُختارين من المنتخبين. و قد فرضت الحالة الطارئة قانونها الخاص، ما جعل تنسيقيات البلديات و الدوائر تتأسس بسرعة. و في اللحظة المُؤسسة، أي إلى غاية "المسيرة السوداء" بتاريخ 21 ماي 2001، يرافق هذا النوع من التنظيم و يحاول توجيه الاحتجاج و المواجهات القاتلة و شديدة العنف. و تأسست في 17 ماي 2001 على مستوى ولاية تيزي وزو تنسيقية العروش، الدوائر و البلديات (CADC) بـ إيلولة أومالوIloula-Oumalou . و في الأخير، فإن ولايتا بجاية وبويرة تنتظمان بطريقة مختلفة، لأن المجالس البلدية فيهما تأسست عموما تحت مسميات مختلفة (مجالس مواطنين، مجالس شعبية). و بالتحديد، فإن الشكل المُطالب به بكثرة في ولاية تيزي وزو و قبايل جرجرة هو العرش. و نشير إلى أن الشكل المسمى بـ "العرش"، ليس هو الشكل المهيمن في هذه المنطقة من القبايل و من باب أولى في مختلف أرجاء المنطقة الكبيرة التي تتكلم القبايلية -ولايات بجاية، بويرة وتيزي وزو-. و نشير أيضا إلى أن تعبئة و توحيد البلديات القروية في جنوب جرجرة (بويرة)، كان أكثر تعقيدا و حصل غالبا فيما بعد. لا يجب على الوحدة اللغوية لمجمل القبايل أن تخفي الاختلافات، خصوصا في المسار التاريخي للمناطق الفرعية المُكونة لهذه الجماعة.[9] 

و سنسجل أن شكل التنظيم في الأصل مؤسس في ولاية بجاية، و بالخصوص في المدينة ذاتها على توحيد الطاقات النقابية و النضالية (تلك الخاصة بأقصى اليسار غير المنظم في حزب). و تحمل اللجنة الشعبية للولاية في أسلوبها علامة سياسية و توجها منقطعا عن توجه العصر الذهبي و عن التوجه الجماعاتي المرفوض من طرف "القيادة الجماعية" المؤسسة في تيزي وزو. و بعد 14 جوان، فإن مجالس التنسيق لبلديات بجاية ستضع اللجنة الشعبية لولاية بجاية CPWB ** مع الأقلية.[10]

و بالرغم من ذلك، و منذ بداية شهر ماي، صار مصطلح "عرش" المعروف جيدا و المُتعود عليه أيضا في مناطق كثيرة من الإقليم الجزائري هو من تُسلط عليه الأضواء، هو الأكثر تداولا و هو الذي يصف حركة الاحتجاج بــ (مواطني "العروش"). و قد وحّدت الصحافة لغتها بسرعة، مستعملة المصطلح بكثافة و بطريقة منهجية و لكن مع قليل من الرقابة. و ستجعل استعماله مشهورا، مع تأثير مُهيكل على إدراك حركة الاحتجاج.[11] يوجد بوضوح فارق بين الكلمة و بين الشيء المفترض الإشارة إليه، هذا من جهة. و من جهة أخرى، يوجد تناقض قليلا ما يُشار إليه بين الكلمة و الشيء الذي تشير إليه بالأمس و بين ما تعنيه اليوم عادة، أي المواطنة.

أن تكون لجان القرى التي لها القدرة على استعادة شكل تجمعت، هي دافع متوفر و متجلّ في هذا الاحتجاج، هو شيء لا يمكن أن يُدهش، ما عدا أنه يجب الإشارة إلى الاختلافات من حيث الحيوية حسب مناطق القبايل! جبال القبايل القديمة و جرجرة هي مناطق حافظت و حيّنت بشكل أفضل هذه الأشكال التنظيمية. إن بقاء القرية مرجعا أساسيا في الحياة الاجتماعية و كونها الوحدة السياسية و الاجتماعية الأكثر أهمية في القبايل، شيء مقبول من طرف الأنثروبولوجين و علماء الاجتماع و الملاحظين المنتبهين للمجتمع القبايلي! ولكننا نعرف أنه إذا كان العرش ("القبيلة") يحدد انتماءات مجالية و رمزية، فإنه لم يكن أبدا هيئة منظمة مستقرة و حاسمة في التسيير اليومي للمجتمع القبايلي. يتعلق الأمر، كما يشير إلى ذلك ر. بازغانا و أ. صياد بقسمة و طبوغرافيا ذات حدود مبهمة على مستوى جنيالوجيا الأنساب.[12] و من ناحية أخرى، لا بد من تسجيل أن "تجماعت 12" التي هي سلطة قبلية ليس لها استمرارية مثل المجلس القروي و هي لا تظهر سياسيا إلا في حالة الصراعات الداخلية بين القبائل. أما بالنسبة للــ تقبليت، بمعنى "اتحادية القبايل"، فإن ميزتها الاستثنائية (الصراع شديد الحدّة، خاصة بين القبائل) لا تعينها أيضا كسلطة مستقرة. و مع ذلك، يوجد في القبايل تقليد مُؤالف، و خصوصا عند الاستثناء و عند الشدّة كما حصل سنة 1857 (مقاومة الاحتلال الفرنسي) و خلال التمرد الكبير سنة 1871 مثلا.

بلا شك، يجب اعتبار أنه و متى وجودت علامة و طبوغرافيا حتى و إن كانت ضبابية، فإنه يكون للذاكرة معالم من أجل الحفاظ على آثار العرش. لقد شوهت التقسيمات الإدارية المفروضة من طرف الاستعمار أو أبعدت إلى حد ما هذه المعالم.[13] و بالرغم من ذلك، لم تمح كلية رسوخ الحدود و الأقاليم، و علّمت طرق التّعرف على الجماعات. و لكن فيما يخص موضوع تنظيم و تسيير الحياة الاجتماعية القبايلة، فإن تدارث ("القرية") تحافظ و تحيّن دوافعها عند الاتصال بحداثات القرن 20.[14]

لقد بينا في مقال آخر،[15] كيف تتفاوض التوترات بين أشكال التنظيم القروي القديمة و الحديثة. و أشرنا أيضا إلى أن استرجاع التقاليد أو إعادة اختراعها في قبايل سنوات التسعينات، هو في الآن نفسه ثمرة الطعن في أشكال تسيير المجتمع من طرف الدولة و هو كذلك خطوة تتجه إلى طلب متزايد لتدخل هذه الأخيرة في المجال الاقتصادي و الاجتماعي. هنا، نستعيد و لحسابنا الأطروحة المُدافع عنها من قبل ج. فافرت J. Favret في وقته و التي يظل له أهميتها الأكيدة اليوم.[16] و مع ذلك، فإننا أشرنا أيضا إلى أن وضعية أزمة التسعينات قد زادت من زخم إعادة استرجاع التقاليد. و من أجل تماسكها، قامت المجتمعات القروية في مواجهتها للثورات المهددة، بتحيين أدوات المراقبة الاجتماعية المستمدة من السجل التقليدي. و التي كما لاحظناه أيضا ليست من غير إكراه، بالنسبة للأفراد، خاصة الشباب الضحايا الرئيسيين لانهيار دولة­الرعاية. إن الانسحاب في حالة الترقب نحو القرية، يجعل من هذه الفئة من السكان طاقة تدميرية[17] ­في منطق الجماعة­ سارعت القرى إلى التحكم فيها أو على الأقل منحت لنفسها الوسائل من أجل فعل ذلك. يخفي البراديغم الجماعاتي الفاعل ضمن هذا المسعى التطلعات الفردية تماما و معها دوافع المواطنة التي سنعود إليها. و في المقابل، لا تسمح لنا ملاحظاتنا بأي حال من الأحوال بالقول أن العرش في الحالات الراهنة (سنوات التسعينات) مسجل حتى ما بين سطور مسعى استرجاع التقاليد. إن الديناميات المحلية هي أولا قروية من حيث التنظيم. إن الصراعات و التوترات هي بين القرى، حيث أن التنافس من أجل الحصول على الخيرات و المصادر يُعقد في السياقات القروية. و الحقيقة هي أن كل قرية قبايلية تُعرف طوبوغرافيا (القرية س التابعة لـ أث Ath كذا) من غير أن يؤدي ذلك إلى شكل ملموس من التنظيم و الولاء. والبلدية في نظرنا، هي بدورها عنصر ذو معنى ضمن مرجعيات الهوية.

و ظهر لنا أنه قد تم ضمن الأحاديث و الخطابات التي قمنا أنفسنا بجمعها و سماعها خلال ربيع 2001، التفكير في العرش بجدية كبديل عن الأشكال الحديثة لتنظيم المجتمع. و تم تعبئة المُتاح لمواجهة حالة تشارف الفوضى على الأقل، أي تعبئة الهيئات القروية حيثما يكون لها الحيوية لتجنب الحالة الطارئة. لقد حُيّن التقليد الاتحادي أيضا بواسطة القرب الفيزيائي، أي بناء على إلزام طبوغرافي أساسا. و لكن بقدر ما أتاحته لنا ملاحظاتنا، لم نكتشف إطلاقا أي نوع من "الاسترجاع للقبيلة" في القبايل سنة 2001. لا وجود عند تنصيب المجلس الاتحادي لـ عرش ناث إراثن في 09 ماي 2001، لأي عنصر يشير مثلا في التمثيل المُخطط له إلى إعادة تفعيل "تجمعت 12". تتوافق مجالس و مكتب الخمسة و العشرين عضوا مع تنظيم ذو نمط جمعوي، أكثر ما تتوافق مع تنظيم ذو نمط قبلي. لا يشير تكوين الجمعية العامة -ممثل من كل قرية- إلى تمثيل من نمط تقليدي يؤول إلى أوكال (حكماء) أو إلى أمقران (الأكبر سنا) و لكنه يشير إلى أشخاص شبان نسبيا. و حسب معلوماتنا، لا يظهر أن هؤلاء مؤثرين بوجه خاص داخل قراهم أما الإنابة التي خُصُّوا بها فهي ظرفية. كما أنه أيضا لا يوجد يقين بأن ترجع القرى إلى قرارات الهيئة الجديدة إلا من أجل متطلبات القضية، أي ما تعلق في هذه الوضعية بحالة الطوارئ. لا تظهر لنا مسألة رفض الولاءات السياسية التي كانت ذات شأن كبير منذ شهر أفريل 2001، كشيء جديد. لقد كان علينا تفسير كيف أن الظرف السياسي المحلي، قاد الجماعاتي القروي بداية من سنوات التسعينات إلى تسيير التفكك السياسي بتقديم مبادئ التماسك الجماعاتي المأخوذة من السجلات القديمة و المُحَسّنة.[18] يتعلق الأمر بالفصل بين السياسي و بين الشؤون القروية اليومية، أكثر ما يتعلق بتوضيح حقيقي للولاءات لصالح تماسك مهدد ضمن منطق الجماعة، هذا وفق ما كُتب عن نهاية الشأن السياسي في كثير من الأحيان. من الجدير التكلم عن استبعاد الشأن السياسي في شكله المتحزب أكثر من التكلم عن استبعاده الجذري. كذلك، لسنا متعجبين تماما من تكرار هذا المسعى في احتجاج 2001. و من باب أولى، فإن الشيء المبحوث عنه أكثر عندما يكون الوضع دراميا و شديدا، هو التماسك و مقدار أدنى من الإجماع. و يجب أيضا أن نضع في الاعتبار أنه كانت للأحزاب السياسية صعوبات جمّة لتوجيه غضب الشباب أثناء أحداث جوان 1998 -اللاحقة لموت المغني معطوب لوناس- و التي أسفرت عن أسبوع من الشغب. لكن، احتجاجات المنتخبين المحليين مهما كانت ارتباطاتهم الحزبية، بما في ذلك المناطق الأخرى من الجزائر، ترجع إلى حدّة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السكان والتي لم يتمكن المنتخبون من حلها، لأنه لم تكن لهم الوسائل لذلك ولعدم وجود استراتيجيات جدّية أو لأسباب متعلقة بتسيير ريعي لخيرات المجتمع. في الواقع، يتجلى سحب الثقة بشدة، و بشدة أكثر من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يمر بها البلد. تجد أشكال التسيير من الأعلى نفسها أيضا محل مساءلة و مطالبة بمشاركة أكثر من الأسفل. من الممكن للقبايل، التي تكون الديناميات القروية فيها أكثر تأهبا و معاد تفعيلها بشكل أحسن، أن تُقدم موضوعيا ملمح منطقة، أين يكون لإعداد البدائل انطلاقا من المحلي و من إعادة التأهيل فرصة قوية لإيجاد أرضية ملائمة.[19] و يبقى من الواضح في جزائر الألفية الجديدة، أن نفكر في هذه البدائل.[20]

تسمح لنا هذه المعاينات القليلة، بالقول أن الاستعمال التعسفي وغير المراقب لمصطلح عرش،[21] وما تقترحه الاستعمالات الحديثة لوسائل الإعلام، وبالخصوص إعادة تملك البراديغم الجماعاتي الملحق بـ العرش من قبل "القيادة الجماعية" للاحتجاج، بعد فترات الطوارئ، أدى إلى تعتيم كلي للوقائع الإمبريقية ولرهانات التغيرات الاجتماعية الجارية.[22] و ينطبق الأمر أيضا على الخلط العجيب بين البراديغم الجماعاتي وترجمته في أشكال التنظيم و بين المطالبة المتزامنة بالمواطنة.

ويوجد بالكيفية نفسها ثغرة بين التعبير الإمبريقي للاحتجاج وبين أشكال التسيير والترجمة التي يضعها فاعلو "القيادة الجماعية" محل التطبيق. من الجلي في الأخير، وجود فارق بين صورة المحلي، "بلد القبايل"[23] وإدماجه في ممارسة الفاعلين وبين واقع تعابير الاحتجاج، خاصة في بداياته. وما يخلق المشكل فعلا، هو أنه عندما يكون في نمط التنظيم المُعتمد، براديغم العرش بالمعنى التقليدي بصدد التطبيق، فإنه حينئذ وفي الواقع الاجتماعي لا يتمفصل مع شكل تنظيمي ملموس. تعمل "القيادة الجماعية" كـ "عرش صغير"، في واقع اجتماعي مخترق ربما[24] بذكرى العرش، غير أنه لم يعد يعمل وفق هذا السّجل. و هذا حتى إذا كان يمكن في مواجهة أدوات التحديث المحكوم عليها بأنها قليلة الفعالية، بزوغ يوتوبيا لسعادة عذبة مفقودة في ظلّ حام لحكم ساخن ( العرش) (ضد حكم بارد من طرف الدولة) أصيل وفي متناول اليد. يُخفي في نظرنا تيار التعاطف في الجرائد وعند رجال السياسة أو لدى الجامعيين مع حركة العروش، في الآن نفسه تعقيد الوقائع والتغيرات الجارية ويخون أيضا غياب تفكير عميق حول البدائل فيما يخص تسيير المجتمع. وإذا كان واضحا أنه لا يمكن أن نمسح طاولة الماضي، فإنه من الصعب أيضا استدعاءه ميكانيكيا، إلا إذا أردنا أن نجعل منه أداة نتحكم فيها. من وجهة النظر هذه، يجدر الإشارة إلى أن المطرقة الإعلامية حول العرش أحدثت وبشكل يقيني ترويجا لآثار منفرة عن القبايل ("مسترجعة قَبَليتها") والتي ليست تأثيراتها ملموسة بقدر كاف ولكن في نظرنا، فإن فعاليتها السياسية رهيبة أكثر من الشعار القديم لـ "المس بالوحدة الوطنية".[25] و من غير ادعاء حل هذه المسائل، فإننا سنناقش هنا بعض الجوانب من أجل محاولة فتح مسار للتفكير.

2. الاحتجاجات وبناء المواطنة

الحيطة الإبستمولوجية ضرورية من أجل حل تعقيد المسائل المطروحة من طرف احتجاج ربيع 2001. هذا الأخير، ليس سهل القراءة إلا حين نتفق على المستوى السوسيولوجي والأنثروبولوجي على مساءلته انطلاقا من الإشكالية التي تفتح زاوية المقاربة. بالفعل، إذا اقتصرنا على طرح المشكل خارج سياق شامل، أي ذلك الخاص بالتغيرات الجارية أكثر من عشرية من الزمن في الجزائر، يوجد حظوظ أكبر ألا نفهم هذه الحركة إلا من حيث أنها مجموعة معزولة، تؤكد على خصوصيتها وتطالب أن يُعترف بها بما هي كذلك. بالإضافة، ومن هذه الزاوية، فإنه من الممكن كما هو الحال في بعض الترجمات السياسية إنشاء استمرارية مع الاحتجاجات التي عبّرت عنها القبايل منذ حوالي أربعين سنة، إن لم يكن أكثر إذا أضفنا أزمة 1949 داخل التيار الوطني الجذري، أي حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية PPA-MTLD.[26] في حين، يظهر لنا أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك، حيث أن طبيعة الاحتجاجات و ملمح الفاعلين والظروف التي حصلت فيها هذه الاحتجاجات ليست متطابقة. وما يبقى في المقابل مستقرا هو القاعدة الهوياتية القوية، خصوصا بالنسبة للاحتجاجات الأكثر حداثة، وبرغم وجود فروق دقيقة حول هذه المسألة، إلا أن الإعراب عن المحلي والمركزي مطروح بشكل مختلف في الوقت نفسه في عالم المثقفين والفاعلين، في واقع المجتمع الجزائري وفي الجماعات المحلية ولكن أيضا في وضعية البناءات السياسية، خاصة فيما يتعلق بتحديد مفهوم المواطنة، بمعنى أشكال المشاركة في الفضاء العمومي وتسيير الشؤون العمومية و أيضا أشكال التعبير عن الانتماء إلى الوحدة الوطنية.

1.2 مواطنة الدولة - الوطنية،[27] تراجع التعددية و الاحتجاجات الهوياتية

ينقل التاريخ السياسي للجزائر، خاصة تاريخ بناء ثم تأكيد الحركة الوطنية الجزائرية بعد ذلك، فكرة عن الانتماء، مؤسسة على أولوية الرابط السياسي و الوحدة السياسية المدعمة بمرجعية لغة مشتركة و قيم دينية متقاسمة. لا بد و بشكل طبيعي الإشارة إلى أنه تم صقل أيديولوجيا الانتماء في الشّدة التي تسبب فيها الاستعمار و المتحولة إلى فعل في الثورة الوطنية. يُتًرجم "التأميم" الذي تطرحه الحركة الوطنية بمختلف تشكيلاتها في المجتمع، بواسطة حلول وسطى مع الوقائع الإمبريقية ذات الحيوية الحقيقية على المستويات الثقافية أو بشكل أعم فيما يتعلق بالتضامن و بالانتماءات الخاصة. بالفعل، تُظهر سوسيولوجيا الأحزاب السياسية الوطنية، خصوصا حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية، أن إدراجهم كأدوات تحديث و مشروع مجتمع هو نتاج تفاوض و صفقة مع الجماعات الخاصة و مع الوقائع الاجتماعية المتنوعة.[28] تشهد تماما حالة القبايل و حالة مزاب على هذه الوضعية. لقد أظهرنا في مقالات أخرى، كيف انصهر التيار الوطني الجذري، أي حزب الشعب الجزائري و حركة انتصار الحريات الديمقراطية، في قسوة اللامساواة و ضمن شبكات تضامن المجتمع القبايلي من أجل التفاوض على إدماجه في هذا المجتمع، و كيف أن هذا الأخير، و في ظروف الشدة و التعارض مع الآخر و الهيمنة، أجرى تسوية ترجمة الرسالة السياسية الجديدة، من غير التخلص من العوامل الثقيلة المؤسسة للرابط الاجتماعي. و بالنسبة لفاعلي الاحتجاج الاجتماعي، فهم مرغمون على الانفصال عن انتمائهم الخاص بسبب المشروع الذي يحملونه و الذوبان في الآن نفسه في قسوة المجتمع المحلي، حين يتعلق الأمر بأن يكونوا فعّالين بشكل ملموس، بمعنى إدخال الأدوات الجديدة للتنظيم السياسي و الرسالة المتضامنة معه. إن الغموض مُستحضر في الغالب و حاضر بالقدر نفسه عند الفاعلين و في الواقع .و لكن، يجب الاعتراف بأن رؤية مصير المجتمع و تمثل الجماعة الخاصة تنزل من الأعلى، أي أنها تدرك الوقائع الإمبريقية و الفريدة انطلاقا من الأمكنة و الفئات الأكثر مركزية و الأكثر شمولية و ليس من الفئات المحلية. عندما يتم هكذا التماس التجماعت على سبيل المثال في عمل نشر الرسائل السياسية، فذلك ليس بالضرورة من أجل ما يمثله و لكن من أجل ما يمكن افتراضيا أن يصيره في المشروع الجديد، بمعنى وسيلة تحديث يجب عليها أن تتجرد من خاصيتها الجماعاتية المتشددة و الخاصة. إن "الوطن الصغير" ليس له من معنى إلا في تمفصله مع "الوطن الكبير" من خلال التفاوض، بالنسبة لهذه الفترة من تاريخ المشروع الوطني. حالة المزاب و حالة النزعة الإصلاحية البيوضية ذات دلالة أكبر لتمفصل المحلي انطلاقا من مشروع شامل و مركزي. تبقى المحافظة على المجتمع الإباضي و أسسه الجماعاتية، حاضرة بقوة في مسعى النزعة الإصلاحية المزابية. و عندما ترتبط هذه الأخيرة مع النزعة الإصلاحية لـ عبد الحميد ابن باديس المؤسسة أساسا على انتماء شامل أو بالأحرى عالمي ( أمة)، فإنها تضمن اندماج المجتمع الصغير في مجتمع وطني وشامل.[29]

تشير هذه الأمثلة التي حلقنا عليها سريعا، في العمق إلى أن مشكل علاقة الانتماء الخاصة مع الانتماء الوطني و التوترات المرتبطة به، تُحَل في التوافق و المشقة. و قد صار هذا ممكنا بواسطة ظرف الهيمنة الاستعمارية من جهة و بواسطة إعداد المشروع الوطني المُؤسس على أولوية الانتماء إلى وطن بصدد البناء من جهة أخرى. يؤدي هذا المشروع أيضا إلى تأثير كبير للنماذج الغربية، فيما يخص في الآن نفسه التحديث السياسي و الدولة-الوطنية في طبعتها الفرنسية واليعقوبية(Jacobine) ، بمعنى المركزية. يتأسس الفارق الدقيق و المهم في الحالة الجزائرية، بواسطة رسوخ بنية العامل الديني الذي يتشكل كرابطة حيوية، إلى جانب اللغة العربية.[30] تحمل كل التيارات السياسية للحركة الوطنية الجزائرية، هاتين المرجعيتين اللتين أعدّهما الإصلاحيون الجزائريون و فرضوهما في الحقل الاجتماعي والثقافي لتلك الفترة. وبكيفية ما، ترتسم المواطنة على نمط الدولة-الوطنية، بشكل ضمني و تُبرر بالمصائر المشتركة للجماعات و التي تُنزل بحكم الضرورة، المُطالبة و الاعتراف بالانتماء الخاص إلى الدرجة الثانية. إن الحقائق الإمبريقية، بمعنى كيفيات التماهي الملموسة و تنظيم التضامن و ترجمته في الصراعات إلى ولاءات أو في استراتيجيات السعي إلى بلوغ مراكز في المجتمع أو في السلطة (أو فيما هو قائم، أعني الهيئات الإدارية للثورة) هي بصدد التطبيق و التحيين. و يصرح محمد حربي بهذه المسائل بقدر كبير من التفاصيل.[31] و لكننا و بالرغم من ذلك، سنسجل أن ثقل الجماعاتي بالمعنى المقصود للتعبئة و إعادة تفعيل التضامن و جعله إقليميا، تُقرأ من الأعلى إلى الأسفل وفق عرض نازل من أعلى. والبرهنة مُقدمة من طرف نزعة الولايات الجهوية. إن الولايات وبالخصوص الولاية الأولى (الأوراس - نمامشة) والولاية الثالثة (القبايل)، مرتبطة بوضوح بإقليم مكون تاريخيا على المستويات الثقافية و اللغوية. و لكن موضوع التنافس السياسي خلال الثورة و بعد الاستقلال، هو السلطة أو تقاسم السلطة. و هذا ليس لصالح الكيانات الخاصة المُمَثلة في الأوراس و القبايل و لكن لصالح الأمة الجزائرية.[32] يتعلق الأمر ببناء مركز الدولة الذي هو على المحك، أين يمكن لكل واحد أن يفرض تواجده وعلامته، أكثر ما هو إعادة تأهيل الانتماء الخاص (القبايلي، الشاوي...). و يتم تعبئة الولاءات المرتبطة بالجماعات الخاصة، انطلاقا من الفئات المركزية و مكان سلطة مركزية. في العمق، لا يُمثل المحلي و لا الانتماءات الخاصة عند فاعلي الثورة الجزائرية حقيقة في ذاتها، و من باب أولى لا يمثلان بديلا للبناء السياسي المستقبلي. من الصعب اليوم القول مثلا أن الأزمة البربرية سنة 1949 هي ترجمة لاحتجاج قوي على براديغم الدولة-الوطنية التي ترتسم من خلال التيار الوطني. و من الصعب أيضا دعم أن تكون مواجهات صيف 1962 التي عبأت الولايات، تُترجم تعبيرا عن الانتماء الخاص، لأن التحدي الذي واجه الجميع هو السعي للسلطة المركزية و ممارستها باسم جميع الجزائريين. و من هذا الموقع، يدرك فاعلو المرحلة كل من المحلي والمنطقة أو الجماعات الميكروسكوبية المنتمية إليها. ليس ادعائهم على هذا النحو أمر بالغ الأهمية إلى هذا الحد و لكن المَبحوث عنه هو تمفصلهم على المستوى الشامل. و تلميحا، تلوح في الأفق صيرورات التأميم التي تميز عمل و مشروع الدولة-الوطنية بعد 1962. و من أجل أن نختتم هذه النقطة، ينبغي الإشارة إلى أنه بالنسبة للأجيال التي قادت أو عايشت هذه اللحظة التاريخية، فإن هذه العناصر هي قوى جد موجهة لتنشئتهم السياسية. و تشهد بيوغرافيا بعض الفاعلين ببراعة على ذلك.[33] و من جهة أخرى و داخل الحركة الوطنية، أنتجت تعاسات الصراع من أجل السلطة باللجوء إلى الولاءات المحلية، خوفا متعذر استئصاله و خشية للخصوصيات و التي تترجمت إلى الإنكار المنظم للانتماء الخاص، خاصة إذا كان هذا الأخير يرتكز في الآن نفسه على المرجعية اللغوية و على الإقليم، كما هو الحال بالنسبة للقبايل. في الوقت نفسه الذي يدعم فيه الخوف من الفتنة الفئات من النمط اليعقوبي (Jacobin)، فإنه يشكل بعد 1962 البناء السياسي المرتكز على التأميم الاستبدادي الهادف إلى القضاء على "استمرار" الماضي في جوانبه التنظيمية. و من جهة أخرى، أُجريت صيرورة التأميم الثقافي من الأعلى بطريقة استبدادية، بهدف المحو الكلي للتعابير الخاصة لصالح ثقافة دولة مؤسسة على الوحدوية اللغوية و وحدوية المرجعية الدينية التي هي أسلوب رجال الدين كما أعلن عنها الإصلاحيون. بارتكاز الدولة-الوطنية على الحزب-الدولة (ج ت و/ FLN)، فقد و حّدت الحقل السياسي أيضا بإقصاء كل تعددية. صار التأميم ممكنا بواسطة السيطرة على شبكات التعليم بما فيها تلك المتعلقة بالمؤسسات الدينية التقليدية و تلك التي بدأها الإصلاحيون. تشكلت في الواقع ثغرة بشكل دائم بين حركة المجتمع الحقيقي، تعابيره الثقافية، معيشه اللغوي، تنشئته الاجتماعية و أشكال تضامنه و بين ثقافة الدولة شبه المُوحَدة. تحدد الدولة في الآن نفسه الانتماء إلى الوحدة الوطنية و الشروط الضامنة له. و تأتي صورة دولة-الرعاية من أجل مضاعفة صورة الدولة-الوطنية. تهدف الدولة بواسطة إعادة توزيع الخيرات (الريع البترولي بالخصوص) إلى فرض الاندماج الملموس لكل الجزائريين في الوحدة الوطنية. بالإضافة، من المفترض للنموذج من النمط الاشتراكي أن يضمن المساواة بين كل الجزائريين، خاصة في موضوع الحصول على العلم، الصحة، التشغيل و السكن...و في المقابل، حددت الدولة في نهاية الستينات أشكال المشاركة في تسيير الشؤون السياسية، خاصة بوضع مجالس محلية منتخبة، حتى و إن كان الاختيار يحصل في الصفوف التنفيذية الحزب-الدولة. يستعير هذا النموذج الكثير من فئات النموذج الجمهوري في القرن 19م مع مفاهيم إضافية محددة، بما في ذلك، رفض التعددية السياسية و أسبقية الدين في تعريف الانتماء. و من ناحية أخرى، فأن تحديد ثقافة عمومية مشتركة فيما يخص الانتماء، يكون إعدادا حصريا من طرف الدولة، خصوصا بالنظر إلى تشكيل الذاكرة المشتركة و التاريخ المقنن و المصحح من الأعلى. في الواقع، يسمح الريع البترولي على مدار الستينات و السبعينات، بتنفيذ هذا النموذج. من وجهة نظر مركزية، يُحَل التوتر بين المواطنة من الأعلى وبين الحقائق الإمبريقية الحاملة للاختلافات، التطلعات الخاصة و الوعي بالتعسفي الناتج عن البناء السياسي المُطبق، بإعادة توزيع الريع وبضبط اقتصادي من طرف الدولة و تسيير استبدادي للمجتمع. يرتكز محو الاختلافات أيضا على مسلمة مفادها أن التحديث يؤدي على المدى الطويل و القصير إلى محو التقاليد، و بالتالي وبكيفية ما إلى محو كل ما تقترحه كخصوصيات ثقافية ولغوية. في هذا السياق، يكون إبعاد التمازيغت إن لم يكن منعه في حقل الاتصال السياسي، مضاعفا برؤية للثقافات المحلية المحكوم عليها بأنها أقليات جانحة و التي تُحول تعابيرها المسموح بها إلى فولكلور. إن الأقاليم الداعمة، بما فيها القبايل و أقاليم أخرى، هي موضوع منع من الأعلى (برامج تنمية خاصة) و أصبت التصرفات الاحتجاجية المستترة متهمة أو مقموعة. سيصبح الاحتجاج أصما أكثر في المجتمع القبايلي. ستصير الحيلة في قلب المقاومات الثقافية هي البحث عن نظير تعويضي. و تكمن الحيلة في استعارة طرق احتجاج غير سياسية من أجل إثبات الاختلاف و انتزاع الثقافة العمومية المركزية المفروضة. و سنجد في سنوات الستينات أمثلة ملهمة في الأغنية و استعملها الاجتماعي و السياسي. و بنفس الطريقة، أُعيد استثمار الرياضة، و خصوصا كرة القدم و صارت مكانا تتحقق فيه صناعة قوية للرموز المثيرة لخصوصية الجماعة. و بقوة أكثر، وجدت المقاومات أرضية ملائمة في الحقل الخاص، و الأكثر دلالة فيه هو المحافظة على تنشئة اجتماعية بواسطة اللغة الأم. في الأخير، فإن التحديث ليس مستنكرا و لكن مُطالب به و مُعاد استثماره بكثرة، خاصة من زاوية الحصول على العلم.

في البداية، تظهر بوضوح عند حاملي العلم إرادة إعادة تأهيل اللغة الأمازيغية في فضاء مركزي، أي في الجزائر العاصمة و جامعتها بالخصوص.[34] و المفارقة، أنه ليس وحدهم المستفيدين من التحديث بواسطة الحصول على الدراسات العليا، هم الذين يُرسمون الاحتجاج الهوياتي الذي سيأخذ شكل انفجار في مطلع 1980 و لكن المستفيدين أيضا من التحديث بواسطة الوظائف المضمونة بكيفية واسعة في تلك الفترة. و بشكل مفارق أيضا، فإنه قد تم التعبير عن هذا الاحتجاج في جامعة ضاحية - تيزي وزو- و في مدينة متوسطة مُشَكلة ثقافيا في قلب إقليم.[35] تشارك الجامعة و المدينة المعنية هما جزء من فعل سياسة نشر شبكة التكوين العالي و سياسة نشر النسيج الصناعي و التعمير التطوعي المُتّبعة من قبل الدولة. سيكون برهانا على نقص فطنة مفضوح، في حالة ما إذا دعمنا أطروحة المنطقة المهملة من قبل الدولة، على الأقل إلى منتصف الثمانينات. يوجد بلا شك مناطق أخرى أكثر تفضيلا، و لكن يوجد الكثير ممن هم أقل تفضيلا من القبايل، حتى و إن اعتبرنا اليوم أن هذه المنطقة و على صورة البلد لم تستطع أن تستقر اقتصاديا في التنمية.[36] أكدت حركة الاحتجاج على الآثار الصاعدة للتحديث من الأعلى و على حدود مواطنة الدولة–الوطنية و بالتالي، حدود صيرورات التوحيد و التأميم. لم يكن لنموذج الاندماج الكلي و الاستبدادي ليحل لمنفعته الخاصة التوتر بين هذه الفئات و بين تلك التي هي بصدد التطبيق في المجتمع. لم يتم تحقيق التماثل.

لا بد في هذه الأثناء من إصدار بعض الفروق الدقيقة. يأتي الاحتجاج الهوياتي سنة 1980 في وضعية اقتصادية و اجتماعية مختلفة كلية عن احتجاج 2001. بالرغم من الاختلال في الاقتصاد المخطط له، الاختلال في توفير الشغل، في السكن و المواد الغذائية المنخفضة الثمن و المدعومة...فإن ذلك لم يثقل الآفاق. يُعدّل التقاط الريع لصالح الجماعات أو الأفراد ذوي الامتيازات بواسطة موقعهم في دواليب السياسية و الإدارة، لأن الدولة تضمن اتجاه الأسفل صفة إعادة التوزيع. و من ناحية أخرى، فإن أشكال التسيير الاستبدادي و الاستثناءات المنجرّة عنها، هي خلال سنوات السبعينات أقل فأقل تقلبا، حتى و إن لم تكن موضع احتجاج على المستويات السياسية الهامة. و لذلك، أمكن لحركة 1980 من الزاوية السياسية و الثقافية أن تفتح ثغرة بوضعها محل السؤال مواطنة غير فعالة، أو كما يفسر أ. توران، فإن الفرد في حد ذاته مكون من مراكز السلطة "التي تحدد و تسير أدواره".[37] في الواقع، يعود كل مشكل مواطنة الدولة-الوطنية المدعومة بنموذج اقتصادي توزيعي و بنظام سياسي أحادي، إلى واقع أن الأفراد متصورين كوعاء أكثر ما هم متصورين كفاعلين بالمعنى الذي يعطيه أ. توران لمفهوم الفاعل، بمعنى فاعلين منتجين للحياة الاجتماعية و للتغيير.[38] الانفصال الأول الذي أحدثه احتجاج 1980 يتمثل بالضبط في انبثاق المطالبة بمشاركة الأفراد كفاعلين.[39] أما الانفصال الثاني، فمتمثل في طلب الاعتراف باللغة و الثقافة الأمازيغية كبعدين من الثقافة الوطنية الجزائرية، بهدف إعادة تحديد طرق الانتماء إلى الوحدة الوطنية و ذلك بإعادة تأهيل الأبعاد الخاصة و الاختلافات الإمبريقية التي يشهد التاريخ عليها. توترت الدولة من أعلى فئاتها اليعقوبية، لأن القضية بالضبط ليست مسألة جزئيات، لكنها حالة عميقة تهز الأساس نفسه للبناء السياسي و علاقاته مع المجتمع و الأفراد. سيصير النقاش المُفتتح في هذه الفترة و الصراعات المتكررة بشكل لا يمكن إنكاره، موسوم بمسألة مركزية هي: هل من الممكن أن نكون جزائريين في الاختلاف؟ و هل يوجد انتماء وطني يعبر عن هويات شاملة، مشتركة و انتماءات خاصة؟ يشير في نظرنا طرح هذه الأسئلة بصراحة، إلى اهتزاز اليقينيات المبنية تاريخيا كما أشرنا إليه سابقا. وهناك منذ منعطف الثمانينات، شيء آخر بصدد التشكل، خصوصا السؤال عن كيف نكون جزائريين بشكل آخر من غير اللافعالية و من غير استهلاك النماذج المؤسساتية المفروضة؟

يجب أن نؤكد في سياق هذه الفترة، على بعض الجوانب المهمة والمخفية من طرف قراءات استدلالية لحركة 1980 أو بواسطة استعمالات ترجع إما إلى الجدال أو بابتذال أكثر إلى التعويذة السياسية.

  • بالإجمال، ليس الاحتجاج الهوياتي سنة 1980 في وضعية استذكارية بالنظر إلى المجتمع القبايلي. بالعكس و بسبب أشكاله التنظيمية، ملامح و عوالم فاعليه، مساراتهم و بسبب تمفصله مع المحلي، فهو أساسا جزء من وضع مستقبلي و هو يستعير الكثير من سجل الحداثة السياسية.[40] بالفعل، ستتبلور حركة 1980[41] حول نواة فاعلة،[42] مرتكزة أساسا في ثلاثة أماكن مركزية هي الجامعة، المستشفى و المؤسسة الوطنية للأدوات الإلكترو-منزلية (صونيليك Sonelec). لنلاحظ أن هذه المؤسسات كانت محتلة من طرف المحتجين، حيث كانت الشعارات الأساسية و الأعمال محضّرة على هذا المستوى. على المستوى السياسي، ليست اللجان في الموقع، خصوصا موقع الجامعة،[43] أحادية و لكنها مكونة من مختلف الحساسيات.[44] لقد كانت الائتلافات شاقة،[45] و لكنها محضّرة بالفعل، و بعد نقاشات طويلة في بعض الأحيان. بالإضافة إلى أن هذه الأماكن المركزية للاحتجاج ليست مشكّلة من سلطة­مضادة ولكن مشكّلة من أماكن­مضادة للنقاش السياسي، ما يمثل في ظروف المرحلة و على هذا المقياس، شيئا لم يسبق له مثيل. و تكمن قوة هذه الحركة بالضبط في مثاليتها و في التأثيرات الناجمة في مجتمع مترقب لقطب احتجاج.[46] لقد تتحقق التمفصل مع القرى و المناطق المحلية الداخلية للقبايل. إن طلبة المركز الجامعي[47] و عمال المنطقة الصناعية لواد عيسى[48] هم أهم المروجين لتوزيع الشعارات و المناشير المُعدة في الفضاءات المركزية[49] للاحتجاج. و كانت الهياكل القروية المخفية في هذه الفترة تتناوب الرسائل و الشعارات. و كان التمفصل يتم انطلاقا من الأماكن المركزية المُحددة في تيزي وزو و التي تستقطب حركة الاحتجاج. إذا كان يتم استحضار التجماعت في النقاشات الدائرة في تلك الفترة، و إذا كان الجماعاتي حاضرا فيما بين السطور، فإنه لا يظهر لنا أنه يمثل البراديغم الذي يهيكل التفكير و يُهيكل شكل الاحتجاج اللذين يستمدان أهم آمالهما من تجاربهما الأكثر عالمية و شمولية. لا تتصور هذه الحركة المحلي في ذاته، بل كما يجب أن يتمفصل مع الشمولي و الحداثة الضرورية المحيطة. إننا لا نعتقد أيضا أنه يتم في عالم الفاعلين تصور المركزية كنقيض قضية بالنظر إلى المحلي. و بطريقة ما، فإن تمثل المحلي عند فاعلي هذه الحركة ينزل هو أيضا من الأعلى نحو الأسفل، أي انطلاقا من الفئات الأكثر عالمية و شمولية. لا بد من القول أيضا أن مساراتهم التائهة كلها، تُشكل آفاق ثقافية لما هو أبعد من المحلي.[50]
  • يعتبر ثقل النخب بواسطة المعرفة و ثقل الجامعة خصوصا شيئا أساسيا في حركة 1980. و يضع النضال خلال الاحتجاج حدا للريبة التي أحاطت دائما بــ "الإطارات" المُتصورين كموظفين للدولة، حيث يُعتقد أنهم قادرون على خدمة مشروعها أكثر ما هم قادرون على معارضته. و ستلتف حول النخب طوال جزء كبير من سنوات الثمانينات، و ساطة بين المحلي و المركزي.

و لكن، سيتم في ظروف الفترة، تثمين الوضعية الاجتماعية لحاملي التعليم العالي بواسطة الحصول على العمل و المسكن...و إلى غاية نهاية الثمانينات كان للمتخرجين من مؤسسات التكوين على الأقل فرص شغل و مشروع حياة على مستوى مدينة متوسطة كـ تيزي وزو التي هي المحلي بالتأكيد و لكن الحلقة الأولى من المحلي. يلوح التحويل الجهوي لسوق العمل في الأفق (سنوات الثمانينات) و لكن آمال الذهاب أبعد موجودة و تظل ممكنة انطلاقا من هذه الدائرة الأولى للمحلي.[51] إذا، يمكن أن نعتقد أن كثافة حضور الشباب في الدوائر السفلى أو العميقة للمحلي (محلي المحلي) ليست ذات ثقل على الأقل من حيث الحضور الدائم. و أخيرا، فإن الشباب الذين ينخرطون في الاحتجاج الذي انفجر سنة 1980، هم بالضرورة حاملين من الناحية الوجودية لأمل معقول من وجهة نظر الظرف الشامل، من أجل تحقيق مشروع حياة هو بالنظر إلى القرية و إلى العائلة مستقل نوعا ما. هذا، حتى و إن كانت الروابط تظل قوية إلى حد ما. تسمح إقامة المحلي-الجديد و تسمح الأجرة بأن يكون للأفراد قدرا من الاستقلالية. و تظل صيرورات الفردنة فيما بين السطور ممكنة أيضا في القرب من المحلي. و نسجل أيضا، أن الفتيات في ظروف الثمانينات، يصلن بسهولة أكثر إلى التكوين العالي (القرب من الجامعة[52]) و إلى العمل (الجاهز محليا). بالإضافة إلى أن هذه الوضعية تسمح بأن يكون للشباب آمال الزواج، وبالتالي حياة عاطفية عادية (متطابقة مع المعايير). و إذا كان من الطبيعي ألا يتحقق هذا للجميع، فلا بد من الاعتراف مع ذلك بأن الاتجاه العام يتحدد بهذه الطريقة.

  • كانت مدة شغب ربيع 1980 جد قصيرة -من 20 أفريل إلى 25 أفريل- و الذي حصل بعد احتلال قوات الأمن للمقرات الرئيسية المشغولة من طرف المحتجين،[53] و ذلك وفق وحشية لا نظير لها.[54] و كرد فعل، يتركز هذا الشغب في تيزي وزو أساسا، ما يُبين وزن هذه المدينة في تنظيم الاحتجاج من جهة و المدى الذي تأخذه كقطب جهوي من جهة أخرى. و لكن في غياب التأطير، تتوقف المواجهة. لن تحمل الإطارات القروية مشعل اللجان التي قادت الحركة، حتى و إن كان فعلهم التعبوي سيتواصل و ترتسم مسبقا إعادة التفعيل التي تعيدهم إلى الواجهة في حوالي نهاية الثمانينات و سيتم مع إعادة فتح الجامعة في 17 ماي 1980، إصلاح قيادة العمليات بهدف تحرير الأشخاص الموقوفين خصوصا.[55]
  • سينتقل الاحتجاج بعد 1980 إلى المجتمع، لأن صناعة الرموز و السلوكات التي تهدف إلى إثبات الخصوصية الهوياتية، مدركة بوضوح جدا في الحقل الثقافي و الثقافة المحلية. و تهدف المساعي إلى إعادة استثمار التاريخ (صناعة الذاكرة) و الثقافة (المسرح، الأغنية...) و تثمين استعمال و تعليم اللغة الأمازيغية، مشيرة إلى أن أشكال التماهي تُترجم في الواقع إلى تصرفات و طقوس جديدة، خاصة تلك المتمثلة في الاحتفال كل 20 أفريل باللحظة المُؤسسة للاحتجاج. و سيتم محليا في غضون عشرين سنة تنشئة جيل آخر، ضمن وفرة الرموز و في انتظار الاعتراف بهويته. و لكن الظروف العامة ليست هي نفسها، بحيث سيؤدي في الغالب اجتماع مجموعة من العوامل إلى ربط التعابير الهوياتية بمسائل (اجتماعية و اقتصادية) و رهانات سياسية تتجاوز الإطار المحلي الدقيق...يجب من وجهة نظرنا، على قراءة الاحتجاجات أن تأخذها بعين الاعتبار.

في الإجمال، لا تتوقع حركة احتجاج 1980 تشيء ماضي المحلي و لكنها تسلط عليه الضوء باعتباره ذاكرة. إنه يشتغل مع براديغم ليس من النمط الجماعاتي. بالعكس، الحداثة السياسية هي في قلب مسعى الاحتجاج. يوجد في هذا الأخير إعادة تأهيل المجتمع المحلي الحقيقي على مستوى هويته، و بالتالي هناك حد من نمط مواطنة الدولة-الوطنية. تتمثل الإرادة في التأثير على هذه الأخيرة و إضافة إليها بعد تاريخي مخفي. و مع ذلك، لا يوجد في الشعارات، الخطابات و المسعى بدائل عن الدولة المركزية التي يتم استيقافها و التي يتوجه إليها طلب الاعتراف. و في المقابل، ليس التحديث من الأعلى موضع سؤال، ما عدا من خلال طلبات للتدخل أكثر في الجانب الاقتصادي و السياسي. في الفهم الكلي للحركة، فإن الشغب و المشادات العنيفة هما أقل دلالة للغاية من الوسائل السياسية المستعملة بشكل واسع في الطرق الجديدة بالنسبة لجزائر تلك الفترة. و بنفس الطريقة و كما سبق أن أشرنا إليه، فإن الاحتجاج الجدالي مع السلطة السياسية انطلاقا من إعداد ثقافي و سياسي، لم يقصي أبدا الاختلافات، إذ يحاول تحقيق ائتلافات بينها. و أخيرا، يوجد في سياق الفترة صراعات ولاء داخل الانتماء أقل من محاولات جعل الأمور مجتمعة و لكن في وضعية يمر فيها الاعتراف بالآخر و بالمجتمع الشامل، بالاعتراف بخصوصيته و رفض الإقصاء و رفض الوصم.

2.2 داخل المحلي : كيف نصنع المواطنة في الجماعاتي ؟

1.2.2 نهاية اليقينيات الكبرى والإثبات الهوياتي : سنوات الممكنات

في نظرنا، وضعية القبايل سنة 2001، مختلفة تماما كما هي على العموم وضعية الجزائر، على المستويات السياسية، الثقافية و الاقتصادية. تؤدي الأزمة الناجمة عن نضوب الريع منذ منتصف الثمانينات إلى صدمة اجتماعية، حيث تعبر انتفاضة 1988 عن حجمها و تنذر بانكسارات، لم يكن لأي أحد أن يشك في حصولها أو يقيس مداها بكل دقة. أحدث الانفتاح السياسي و ممارسة الحريات الديمقراطية قطيعة مهمة، فقد صار الجزائري ذاتا و فاعلا في التغيّرات. بالنسبة للمصائر الاقتصادية و الاجتماعية، يكشف انفجار حرية التعبير خلال السنوات ما بين 1989-1992 عن كثير من المخاوف عند العدد الكبير، أكثر ما سجّل إعادة بناء حقيقي للعيش المشترك الذي عبر عنه الهوس من أجل النقاش السياسي و إنشاء الجمعيات و الأحزاب. وفيما يتعلق بالهوية الثقافية المميزة لمناخ تلك الفترة و التي يترجمها دستور 1989، فهناك قبول التعددية السياسية و لكن هناك أيضا انقباض في شريان تقليد يعقوبي. و على الأقل يشير تصاعد الإسلاموية التي هي بصدد التكون منذ السبعينات إلى انفصالات في أشكال التماهي لدى الأجيال الجديدة و نقل النقاشات السياسية على أرضية الهوية و نهاية الهويات الإيديولوجية الكلاسيكية التي عاشت عليها الجزائر حتى مطلع الثمانينات. سيتم بكثافة توجيه دوافع المواطنة ذات الحيوية و الشدة الأكيدة و سيتم عسكرتها من قبل الإسلاموية التي تفرض في الحقل السياسي فئاتها و حججها التسلطية و تدفع كلا من الدولة و الأحزاب السياسية إلى التعبير و التّحدد بالنظر إليها. و تؤدي هذه الوضعية على مستوى الانتماء، إلى تقوية النزعة اليعقوبية (Jacobinisme) التي هي بصدد التطبيق في مشروع الدولة.

في هذا المناخ، المُعاد على نحو بسيط، تُترجم النزعة من أجل الثقافية البربرية بداية بازدهار الجمعيات الثقافية. لم تتمكن الحركة الثقافية من تحقيق الاستقلالية السياسية، رغم محاولات عدة مثل محاولة جويلية 1989 (جلسات حركة الثقافة البربرية MCB)، و التي هي بشكل كبير بحث عن توحيد المبادرات أكثر ما هي بحث عن الهيكلة السياسية. اختار في فيفري 1989 بعض الأعضاء الفاعلين في الحركة الثقافية المسار السياسي بإنشاء حزب ت ث د/ RCD.

و هذا الأخير في ترشحه للتنافس السياسي على المستوى الوطني، يقترح أيضا - وكارتداد- أن يحمل المسألة الهوياتية إلى أبعد من الجماعة القبايلية و إقليمها. و في الوقت الذي أدرج فيه حزب ج ق إ/FFS ذو المنشأ الأكثر قدما و ذو الحضور القوي، الاعتراف بالهوية البربرية، امتص جزء كبيرا من الطاقة من أجل الثقافة، خصوصا ذلك الذي يتعرف على نفسه في جلسات جويلية 1989. و يترجم هو الآخر إرادة منح بعد وطني للاحتجاج البربري بدمجه في المشروع السياسي، الذي لا يتوجه تحديدا إلى جماعة خاصة. ينبغي و بدون الدخول في التفاصيل التي تثقل كلامنا، أن نشير إلى مجموعة من الوقائع المهمة:

1) يتوافق مسعى النخب المناضلة في العمل السياسي، مع منطق الدفع نحو المركز الذي يميل إلى أن يتحدد بالنظر إلى السعي إلى مواقع في المركز السياسي. تمر إعادة تأهيل الجماعة الخاصة و بالخصوص إعادة تأهيل هويتها، عبر بديل يخص المجتمع الشامل. إن المشروع تكاملي.

2) موضوعيا، يصير المخزون المعبأ في الفعل السياسي حول الهوية مصدرا للصراعات السياسية.

3) بشكل مفارق، في الوقت الذي يتفاقم فيه النقاش حول الهوية الجزائرية في الفترة التي كان للإسلامويين ضغط قوي، فإن التوجه محليا هو نحو تفتيت و انحسار التجارب من أجل النزعة الثقافية تحديدا، المُهَيمن عليها بشكل واسع بواسطة التوافق على الاستراتيجيات السياسية، كما تشهد على ذلك الصراعات المريرة بين أجنحة الحركة الثقافية، خصوصا بين سنوات 1994-1995.

4) أدت الخلافات و المشادات السياسية في المجتمع القبايلي على مدار سنوات 1989- 1994، إلى صدمة موجة قوية هددت التلاحمات القروية المُحافظ عليها بمشقة، في مقابل إعادة تفعيل التقاليد و التوافق مع وسائل التحديث الجديدة. يبتعد المسعى عن المركز و يهدف إلى إعادة تأهيل الجماعاتي. و يبدو لنا أيضا، أن تصرفات مستمدة من محافظة عاطفية و وقاية الجماعة من الانحلال، أثرت بشدة على أفعال المحتجين في بداية التسعينات.

5) في جانفي 1990، يفوز تنظيم مسيرة كبيرة في الجزائر العاصمة بدعم قوي، طالبت المسيرة خاصة بإعادة الاعتبار للأمازيغية كلغة وطنية و بتدريسها، و كانت المسيرة بمبادرة من جماعة من المناضلين من أجل الثقافة خارج الإطار الحزبي. يستجيب السكان في سنة 1994 و بنفس الطريقة لنداءات جناحي الحركة الثقافية البربرية (MCB)،[56] و يستجيبون بنفس المقدار للمسيرات و الإضرابات، خاصة بالنسبة للاحتفال بـ 20 أفريل. في النهاية، و عندما يرسل جناحا الحركة الثقافية البربرية نداء في سبتمبر 1994 من أجل مقاطعة الدراسة، يتوحد رغم ذلك سكان القبايل و بلا ممانعة كبيرة حول فعل مُكلف. لم يكن ليحصل هذا الإجماع بكل وضوح إلا حول براديغم من نوع جماعاتي و عاطفي و ليس بالتوافق حول سياسية حزبية أو برامج سياسية موضوعة محل منافسة. و الأمر ذاته ينطبق على تعبئة جمهور الناخبين الذي يتجاوز بشكل واسع جمهور ت ث د/RCD، لصالح سعيد سعدي في ولايات القبايل الثلاث سنة 1995.[57] تُبين هذه الأمثلة أن المجتمع القبايلي يعيد في الأوقات الاستثنائية تفعيل الولاء الجماعاتي ("نحن قبايل قبل كل شيء").

6) و على النقيض، فبترجمة الأحزاب السياسية للخصوصية المحلية في طلب الاعتراف و لكن بجعلها خاضعة للانتماء إلى حساسياتهم السياسية الخاصة، أي بتعديلها على اختيار فردي و سياسي محض، فإنها تجد نفسها موضوعيا في وضعية هلاك بالنظر إلى البراديغم الجماعاتي. إن الجدال و الصراعات السياسية مترجمة هكذا كصراع للهيمنة السياسية على الجماعة، مدعما في ذلك بمزايدة حول من الذي يكون أكثر مشروعية من أجل تمثيل القبايل. يُفاقم في نظرنا غياب إطار مستقل للتعبير الثقافي في سنوات التسعينات من الثغرة بين العمل السياسي و انبثاق التصرفات المستمدة من الحداثة السياسية المؤسسة على اختلافات و صيرورات الفردانية (الاندماج شرط فردي)، هذا من جهة و من جهة أخرى بين الترقب المستمر للاعتراف بالهوية الثقافية للجماعة و الذي يشتغل مع براديغم كلي يُعيّن التصرفات باسم الانتماء إلى الجماعة.

بالإجمال، تتحرك معطيات المشكل بشكل معتبر على مدار الفترة الممتدة بين 1989-1994. و الإحباط باق دائما و بشكل جلي، بالنظر إلى الاعتراف المُنتظر و الذي يغذي انعزالا دفاعيا راسخا بشأن التحفظ و الذي يمنح الاتساق و القوة إلى أعمال الاحتجاج، مهما كانت حساسيات المبادرين السياسية. بالإضافة، ينبغي الإشارة إلى أنه على مستوى الدولة هناك فروقات دقيقة و أكيدة، مدركة في مقاربة المسألة الثقافية على العموم. إن التنوع الثقافي للجزائر مُستحضر أحسن نسبيا كما أن التنوعات اللغوية مأخوذة بعين الاعتبار، لكن بدون ترجمات واضحة و هي بالخصوص ليست شرعية إلا عندما يتم تأميمها، بمعنى دمجها كتراث مشترك لكل الجزائريين، و ليس خاصا بجماعة ما. في الواقع و ضمنيا، إن براديغم المواطنة و الدولة-الوطنية و الخوف من الفتنة هما جد فاعلان في المقاربة الجديدة. تُجبر الضغوطات القوية للقطاعات الإسلاموية أو تلك المتعلقة بالشرائح السياسية المعادية لكل إعادة بناء مقاربة مسألة طرق الانتماء و طبيعة الرهانات السياسية و التقسيم الشديد للحقل السياسي، زعماء القضية على البحث عن المصادر القابلة للتعبئة أكثر ما تجبرهم على البحث عن البدائل المبنية بجدية والمفكر فيها و المتقاسمة من قبل العدد الأكبر و التي تحدث التمهيد للتقدم المعقول. ستؤدي عوامل كثيرة خلال نهاية عشرية التسعينات إلى التلاقي بين توترات هوياتية قوية و بين بلورة ثورة خرساء ذات إسهاب اجتماعي أكبر و ذلك ما بين سطور المواجهات الدامية.

2.2.2  عندما يتذبذب العالم : سنوات التمزقات الكبرى

يحدث الاحتجاج الهوياتي إذا في نهاية السبعينات، في سياق تبقى فيه بوضوح على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، آمال الاندماج و/أو الترقية الاجتماعية بواسطة المعرفة بالخصوص، ضمن جدول أعمال الممكن، إن قيمة نهاية الثمانينات أكبر بسبب الممكنات التي توحي بها القطيعة السياسية سنة 1998. إن الاحتجاجات هي إذا نتاج فاعلين مندمجين اجتماعيا بشكل أقل نسبيا أو في كل الأحوال هي نتاج الذين لهم آمال قوية في أن يكونوا مندمجين اجتماعيا. الفاعلون من ناحية أخرى، هم في الغالب على مسارات مخصبة بالنقاشات حول المسائل التي تتجاوز الحدود الوطنية. هذا هو الحال بالنسبة للهويات الإيديولوجية اشتراكية/رأسمالية، للقسمة شمال-جنوب، تعاسات الحرب الباردة، ضرورة التصنيع و اللحاق بالركب[58]...ليست نهاية الاستعمار و الوطنية حقيقيتين بعيدتين بالنسبة للجيل المنبثق على ساحة الاحتجاج السياسي و الهوياتي في نهاية السبعينات و تتميز نهاية الثمانينات من جانبها، بنهاية كل هذه اليقينيات و من وجهة النظر هذه، فإن البيئة العالمية هي أيضا في خضم الطفرة.

لم يعرف الجيل الذي خرج إلى الشارع في ربيع 2001 لا زمن اليقينيات الوطنية الكبرى و لا زمن المواجهات الإيديولوجية الكبرى سنوات 1960-1970 و الذي له في الطفولة أو في وقت الشباب المبكر، ذكريات أكتوبر 88 و سنوات الشغور المفروضة من طرف كبار السن سنة 1995 (مقاطعة الدراسة في القبايل). بالإضافة، إلى أن عشرية التسعينات هي تلك المتعلقة بالتمزقات الكبرى الناتجة عن المواجهة الداخلية ذات العنف الذي لا مثيل له بالنسبة لأجيال احتجاجات سنوات 1970-1980. و بنفس الطريقة، فليست صورة دولة-الرعاية حقيقة واضحة بالنسبة لهذه الأجيال الجديدة، إلا على المستوى التربوي، على الأقل في المرحلة الابتدائية من الدورة التعليمية. إن الممكنات تنحصر بشكل مُعتبر. و علاوة على ذلك، و هذا شيء أساسي، فإن الهويات تتحول أكثر فأكثر إلى الداخل:

1) واحدة من نتائج نقل مؤسسات التكوين إلى الريف و إعادة تأهيل الفضاءات المحلية و الجهوية. تتوفر المناطق القبايلية على جامعتين كبيرتين (بجاية وتيزي وزو).[59] و تدفق المهارات داخلي المنشأ، لأن البحث عن الشغل عند نهاية الدراسة أو التكوين، يتم ضمن هذه الحدود.[60]

2) وهذا مفروض فيما يخص السكن، بسبب إشباع المراكز العمرانية الكبرى ذات التوجه الوطني و لكن مفروض أيضا بالنسبة لغياب عروض العمل، خصوصا بعد إعادة هيكلة الاقتصاد بعد سنوات 1989-1990.

3) و بدورها، فإن المدن ذات التوجه الجهوي مثل تيزي وزو هي أقل تزويدا فيما يتعلق بالسكن و فرص العمل. و إذا مثلت هذه الفضاءات في الظروف المثلى للاندماج، الدائرة الأولى للعودة إلى المحلي في سنوات السبعينات و بداية الثمانينات، فإنها تمثل في ظروف نهاية التسعينات و في أحسن الأحوال، فضاء لحركات تأرجح يومية قوية انطلاقا من المناطق الجبلية الداخلية.

4) أصبحت هذه الأخيرة من الآن فضاء مرغمة على الانتظار (انفجار المراكز الحضرية الصغيرة للجبال يجلب شيئا فشيئا النشاطات الصغيرة للخدمات بالنسبة للإمكانات المشكلة من مستويات إعادة التأهيل المختلفة)، ولكن صارت أيضا فضاء لجوء في حالة غياب الموارد الذاتية والمسكن. في حالة النقص والهشاشة، تطرح الدائرة العميقة للمحلي والقرية والعائلة الكبيرة نفسها كملاذ أخير.

5) لكن، في نفس الوقت الذي تنغلق فيه دائرة المحلي بشكل ملموس على الأفراد، فإن كل شيء يحمس الطموحات الفردية.

6) وهذا هو حال الصور "التي تسقط من السماء" (الباربول/الهوائيات المقعرة)، منتجات تملأ الأرصفة، موسيقى، ألبسة...، ولكن أيضا حال طرق العيش. يترجم الشباب المنزوي في الدائرة العميقة للمحلي ذلك بتصرفات و بتنشئة اجتماعية (أنظر على سبيل المثال إلى الجمعيات) يتردد صداها مثل العديد من الوسائل المتنافسة في الوسط القروي المنتج لمراقبته الاجتماعية الخاصة. يمنح هذا الأخير فضاءات و لكنه يجعلها خاضعة لقيم الجماعة و يرشح نفسه للحد من الدوافع و التطلعات الجديدة على مستوى الأفراد، من أجل المحافظة على النظام القروي. ما يؤدي في النهاية إلى مضاعفة التوتر بين البراديغم الشامل و الكلي و بين إعادة التركيب الافتراضي للرابط الاجتماعي.

7) في الأخير، و من أجل قول الأشياء بطريقة سريعة، فإن الدولة في وضعية إعادة تعريف أشكال التدخل و الضبط الاقتصادي، هي أقل فأقل ميلا إلى الاستجابة للطلبات و هي ليست متصورة إلا في وظائفها السّيادية. تسود سنوات التسعينات وضعية الضرورة الأمنية، التي تعزز على الأقل عند شريحة من السكان، صورة قوة تتجاوز الأفراد بلا ثقل فعلي موازن. تتعرى العلاقة مع الدولة أو مع السلطة العمومية كلية. الحقرة المشجوبة بكثرة خلال ربيع 2001، تُعَرّف في مفهومنا بهذا التصور.

إننا نعتقد من أجل كل هذه الأسباب، بأن الاحتجاج الذي حدث في منتصف سنة 2001 ليس إعادة إنتاج مطابق لذلك الذي سبقه. و إذا أمكننا أن نكشف مقدمات الشغب في الفترة القصيرة من جوان 1998، فلا بد من تسجيل انفصالات نوعية و حتمية مع سنوات 1980 الثمانينات (أنظر أعلاه)، على مستوى طبيعة الحركة، الفاعلين (و أماكن المثقفين)، طرق الاحتجاج، السياقات و البراديغمات التي هي بصدد التطبيق في حركة الاحتجاج هذه.

3. أي قراءة لاحتجاج  2001؟

للأسباب المُقدمة أعلاه، تحمل حركة 2001 في صميمها هوية قوية داخل المحلي و الخصوصي، اللذين يشكلان بالنسبة للأفراد سياجا و يستفيدان من صناعة الرموز و من ذاكرة الصراعات التي حصلت. في المقابل، هذه التعابير هي بوضوح متشتتة أكثر، بقدر ما تشمل من وجهة نظرنا على اليأس وتمزقات عشر سنوات اضطرب العالم فيها. و علاوة على ذلك، فإن حركة الاحتجاج هذه موجهة أساسا ضد التجليات التعسفية للدولة، و هي توحي على مستوى تطلعات الفرد بكثير من دوافع المواطنة، أكثر ما توحي بثقل جماعاتي لاسيما في طريقة عملها.

1.3 دوافع مواطنية : "الصراخ" من أجل إسماع الصوت

"لقد قتلوا مسينيسا، يعتقدون أن كل شيء مسموح لهم. بالإضافة إلى أنه شاب مثلنا و الشباب في هذا البلد ليس لهم أي شيء، و الآن يقتلونهم...لا يمكن للأمور أن تسير هكذا. نحن كذلك نعرف كيف نصرخ...سَيَرون...سيسمعوننا...". قيلت هذه العبارات أثناء المظاهرات المنطلقة بـ تيزي وزو في 27 أفريل 2001 من تلميذ بالثانوية يبلغ من العمر 17 سنة. إنها تلخص بشكل دقيق وضعية زعماء القضية، أي أولئك الذين يعتقدون أن كل شيء مسموح به (ممثلو الدولة) و تلخص وضعية أولئك الذين لا يملكون شيئا و الذين يحسون بأن لهم الحق في الصراخ من أجل أن يُسمعوا صوتهم. في الواقع، تجاوزت مظاهرات شباب الثانويات (طلاب الثانويات) و التي سبقت الطوفان، كل أطر المراقبة المؤسساتية أو العائلية و القروية. تُتابع المظاهرات في مدن مثل تيزي وزو، من طرف مجموعات الشباب التي تشتغل على شكل عصابات منظمة على مستوى الأحياء و التي تنتقل إلى المواجهة مع قوات الأمن. توحي الشعارات و يوحي تنظيم المواكب بغياب إطار تنظيمي و بتدفق المطالب المتناثرة. هذه الأخيرة، ملتفة بالإطلاق حول شجب الحقرة، الإقصاء الاجتماعي و القمع.

و فيما بعد، أمكن للمطالب الهوياتية -عندما كانت المظاهرات مؤطرة أكثر- أن تظهر بوضوح و لكن دائما ضمن مجموعة من المطالب الاجتماعية و السياسية. إذا كنا منتبهين في الأساس للتعابير الإمبريقية، فإنها بالفعل حركة تعلن عن نفسها في البداية باعتبارها شريحة من السكان، (الشباب ما بين 16 سنة و25 سنة) الذين يشعرون بأنهم مقصين و مسلوبين من التحكم في مصائرهم ("لا نملك شيئا")، إضافة إلى واقع شعورهم بأنهم "محقورين" بمعنى "مسحوقين" بشيء ما يقع خارجهم. غزت هذه الشريحة من السكان الساحة العمومية مزحزحة كل الأطر للحلول محلها و إسماع صوتها للجميع. نلاحظ على سبيل المثال، أن لجان القرية أو الحي تحاول فقط في حالة ما إذا تم تجاوز عتبة مواجهة دامية، التدخل (نهاية أفريل وبداية ماي) من غير التمكن في الحقيقة من الحد من شدة المواجهة. على الأقل، ترافق لجان القرية حركة الاحتجاج طوال الأسبوعين الأولين من الثورة. و تهيمن بطرق كثيرة دوافع المواطنة في هذه اللحظة الأولى. و حسب فهمنا، فإن تقنية التعبير الأكثر ترجمة لانبعاث الفرد و الشاب بالخصوص، هي تملك الجدران التي عليها أزهرت في هذا الربيع النقوش الجدارية التي تمجد إرادة العيش بطريقة أخرى و ترغب في أماكن أخرى و التي تعبر أيضا عن اليأس. نقشان جداريان يعودان بطريقة متكررة على جدران جنوب المنطقة الحضرية لتيزي وزو، هما: « Dog life » أي "حياة الكلب" و "يمكن أن تطلقوا علينا الرصاص، فنحن أموات مسبقا". و هما بذلك يشيران بدقة درامية إلى انعدام الكينونة الاجتماعية. و في العمق، فإضافة إلى استعادة الصوت (إسماع الصوت) و استعادة الشارع (أن يصيروا مرئيين)، يتم عند هؤلاء النقّاشين على الجدران، التعبير عن سعي حقيقي إلى المعالم و إلى الاعتراف و الذي يهدف إلى فرض نفسه. نحن في و ضعية جديدة يتمنى فيها الفرد اعترافا ليس فقط فيما يخص الحرية و الحصول على الخيرات و لكن أيضا اعترافا بذاتيته و عاطفته. من وجهة النظر هذه، دلائل إمبريقية متعددة تدعم هذا المسعى. في بداية شهر جوان 2001، احتلت جماعات من الشباب مساكن اجتماعية فارغة بعد أن كسرت أبوابها. وضد كل موانع الرقابة الاجتماعية، وقف بعض منهم قرابة النوافذ ليلقوا دعوات للمارات: "لقد حصلنا أخيرا على مسكن، يمكننا أن نتزوج !!!". بلا شك هذه نادرة، و لكنها واقع قاس و تعبير عن الرغبة المتعالية عادة و المخفية ثقافيا و اجتماعيا، حيث ينفجر غير المباح به علانية و يرن كهدم لقنوات الطلب المقبولة في "العادة".

استعمال المتاريس من طرف مثيري الشغب من الشباب من أجل غربلة حركة المرور أو إعاقتها، هو بمثابة استيلاء فعلي على السلطة في الشارع من طرف الشباب الذين يعتزمون فرض أنفسهم، بما في ذلك عن طريق اللجوء إلى القوة. و بعد ذلك، يحصل تقسيم حقيقي للفضاء العمومي (بالخصوص بـ تيزي وزو) أحدثته جماعات من الشباب أقاموا فيه تجارتهم: "ليس لنا شغل، و بذلك فنحن نخلقه!"، هكذا يقولون. لا بد من ملاحظة أن طرق التنظيم الموضوعة في المكان بـ تيزي وزو خصوصا، مُتجاوزة تماما بواسطة هذه الممارسات. و بشكل ملموس، لا يتم ببساطة المطالبة بالبدائل، و لكن يتم تََرجمتها إلى سلوكات و إلى نماذج-مضادة. لا يهم كثيرا أن نصف هذه التصرفات و المناخ الاجتماعي الذي تنتجه. و لكن يتعلق الأمر بالأحرى، بفهم كيف أن الاحتجاجات تذهب اليوم إلى أبعد من "الانتفاضات" الريفية و تحاول أن تتأسس في الوقائع كأشكال منافسة لتنظيم الحياة الاجتماعية، و التي تنتهي المؤسسات الرسمية التي هي بلا سيطرة حقيقية على الواقع، إلى قبولها في نهاية المطاف (إن لم يكن في نهاية المطاف التعايش مع هذه الأطر). هذه الحركة تختلف من وجهة النظر هذه، عن تلك الخاصة بـ 1980 و عن الاحتجاجات المنتظمة، كتلك الخاصة بشهر جوان 1998.

لقد أصررنا على الجوانب التي يمكن أن تظهر أنها أقل دلالة بالنظر إلى المعاني العامة للمواطنة (الحقوق و الحرية...). يسمح لنا هذا الاختيار في العمق بأن نضع نصب أعيننا الإفلاس الذي تتضمنه هذه المعاني، التي ليس لها إلا توجه إدراك الجوانب العقلانية لعمل ما أو لاحتجاج ما. و مع ذلك، و بالنظر إلى الأسباب التي حاولنا توضحها في الأعلى، يحمل السياق الذي حصل فيه احتجاج 2001 مقدارا من المطالبات الثقيلة الملاحظة كلاسيكيا، أكثر ما يحمل دوافع تتعلق بالإثبات الفردي أو بأكثر دقة إرادات التعبير عن طلبات مستمدة من الذاتيات الفردية. يظهر لنا أنه من الممكن في تقاطع هذه العقلانيات و بالتالي في انفجار ظاهر، فهم انفجار شباب القبايل سنة 2001. لقد أشرنا أعلاه كيف أن المطالبة بالهوية ليست بالنسبة للفاعلين بارزة وجوهرية بالنظر إلى الوقائع، على الأقل فيما يخص الصياغات. و علاوة على ذلك، فإننا نلاحظ إلى اليوم استمرار النقاش، حيث يجادل زعماء القضية في مسألة أولوية المطلب الهوياتي. يظهر واضحا لنا أن هذا التساؤل يشهد على الشبكات الجامدة لتفسير حركات الاحتجاج في الجزائر الراهنة، و التي يتعلق بها الأمر هنا. في الواقع، تكون الدوافع و الذاتيات الفردية، بالنسبة للذين يفضلون المقاربة بأولوية الهوية، مُغفلّة تماما. إن أعمال الاحتجاج هي مُعَينة بواسطة الانتماء إلى جماعة القبايل. و ليس متخيلا بالنسبة لدعاة هذه المقاربة أن تثور القبايل كما يثور الجميع من أجل أسباب اجتماعية و اقتصادية و أن يتركوا بصمات ذاتيتهم في أعمال الاحتجاج (بما في ذلك الهوية الجماعية). و هذا ما يفسر أن حركة الاحتجاج منحصرة أساسا في القبايل، بالإضافة إلى حقيقة أنها ستكون تتويجا لانشقاق طويل نؤرخه الآن بـ 1949. تكمن المقاربة الثانية في دعم أطروحة ثورة هي بالأساس اجتماعية و سياسية و التي كان يمكن أن تحصل في أي مكان من الجزائر. و بالتالي، و في العمق تتفرد القبايل أكثر ما تذوب في المصائر المشتركة للمجتمع الكلي. سيحصل تخفيف المطالبة الهوياتية لصالح مسائل عملية أكثر. في الواقع، لا يتصرف الفاعلون حصريا وفق سجل أو آخر. في القبايل و في ظروف نهاية القرن 20، يُغرق الهوياتي الضمائر التي تم تغذيتها بواسطة الرموز، بإعادة تملك المعالم...، للأجيال الشابة التي تتأثر تنشئتها الاجتماعية بوعي الانتماء الخاص للجماعة القبايلية. بالإضافة، و قد أشرنا إلى ذلك، لا تعرف الأجيال الشابة و في غالبتهم الساحقة شيئا آخر، إلا الحدود الضيقة لمنطقة محلية. لقد شرحنا أعلاه كيف حصل تسييج المحلي. و لكن في المقابل، من الضروري أن نشير إلى أن هذه الأجيال الشابة المُسيّجة في المحلي تدرك أيضا انتماءها إلى الشامل، الوطني و الوطن الأكبر انطلاقا من المكان الذي يوجدون فيه. إننا لا نعتقد أن هذه الحركة -بالنظر إلى ما لاحظناه و سمعناه- تطرح (بالنسبة للولاء) مشكل صراع غير قابل للاختزال. على العكس، يُعاد بوضوح تأكيد الانتماء إلى الأمة الجزائرية، خصوصا بواسطة رفض الوصم.[61] إن الرفض المعارض لتنظيم دورة خاصة للباكالوريا لمناطق القبايل هو مؤشر قوي. سنلاحظ لاحقا أن هذا مُعاد تأكيده أيضا و بوضوح كبير بواسطة نصوص وشعارات التنسيقيات أو/و "القيادة الجماعية".

من غير الممكن موضوعيا أن نجري قراءة واحدة لا لبس فيها لحركة الاحتجاجات هذه دون أن نقاطع بين مقاربات الاستراتيجيات السياسية التي تريد فهم الجانب الأكثر ملاءمة من أجل الدفاع عن هذه الأطروحة أو تلك. الأشياء في الواقع هي بشكل كبير غير واضحة وغير محسومة و مبهمة أكثر و لا يمكن أن تكون مبسطة في نهج عقلاني بارد. لا يتصرف الأفراد-الفاعلون كما "يجب" أن يفعلوا و لكن كما في مقدروهم أن يفعلوا، أي كما يتمثلون أنفسهم وحيث هم موجودون. إن عقلانيتهم و دوافعهم هي في نظرنا مقدار من المفاتيح لفهم طرق الاحتجاج الجديدة في جزائر اليوم، حيث أدت نهاية الإيديولوجيات الكبيرة، نهاية دولة-الرعاية و آثار الاندماج في الرهانات الاقتصادية الجديدة، إلى التحول في المعالم الهوياتية و في القرب الفيزيائي و الإقليمي الأكثر وضوحا و أمنا، حيث يحاول الأفراد إسماع كلمتهم على هذا النحو. حين نحاول أن نكون منتبهين لتجارب أخرى، فإن هذه الوضعية ليست خاصة بالجزائر فقط، بل لعلها الحصة العادية لما نسميه بمجتمعات الديمقراطيات المتقدمة.[62] و الاختلاف يكمن في طريقة الإعراب عنها. و ربما المسألة في حالة الجزائر مرفوضة في مناخ درامي، حيث و بسبب غياب بدائل مدروسة و بسبب التوترات خلال الاحتجاج، فإنه يتم الرد عليها بتوترات من أعلى. هذه الوضعية، تخفي المشكلة المركزية المطروحة بشكل كبير في الواقع، في العيش المشترك و في الاختلاف. و بنفس الكيفية، فإن ثقل و قوة التطلعات الفردية هي أيضا مخفية بواسطة مساعي تريد من الأعلى توجيها استبداديا للتصرفات في المجتمع أو من الأسفل بواسطة طرق تنظيم تُحَيّن براديغم الجماعاتي، الذي ينتهي إلى فرض التصرفات و تقليص اختيارات الأفراد و الآراء الفردية إلى "الصوت الجماعي".

2.3 الأثقال الجماعاتية

على مستوى التنظيم (أنظر أعلاه) بينا كيف تظهر كرونولوجيا، مختلف التنسيقيات بكل أسمائها. تستعيد تعبئة لجان القرية و تنظيم الأحياء من بعد في المراكز الحضرية الكبرى، خصوصا في تيزي وزو، النمط الجماعاتي بطريقة أفقية تلقائية. لا تسفر لجان القرية حيث هي موجودة إلى ولادة سلطة قيادية، بل تؤدي إلى ولادة تنسيقية ليست بديلا عن القرى التي تحتفظ باستقلالية عملها. الإجماع هو طريقة أخذ القرار الأكثر استخداما. لا يُلزم المندوبون داخل التنسيقيات قراهم و لكن يحملون كلمتها و يرجعون إلى لجنة أو مجلس القرية من أجل الحصول على موافقتهما حول قرار ممكن على مستوى تنسيقية البلدية مثلا. حتى و إن كانت تنسيقة العروش، الدوائر و البلديات (CADC) لولاية تيزي وزو توصي و بقوة بانتخاب ممثلين "للمجالس العامة للقرى و الأحياء"، فإنه لا يوجد في الواقع يقين أن يكون الحال هكذا دائما. في العمق، إن البحث عن تمثيل حقيقي و شامل للجماعة هو المبدأ الذي يؤسس مسعى الحركة، و خصوصا أن هذا المبدأ في الحالة الطارئة و في الشدة يُشرعن الأعمال باسم الكل و بالإجماع و بلا خطر تعارض و جهات النظر. من الجدير الإشارة إلى أن هذا المسعى لحظة المواجهات القوية، قد تُرجم بالفعل بواسطة التوافقات و الإجماع اللذين جعلتهما الوضعية ممكنان للعدد الأكبر. بالإجمال، تتجلى بلورة الإحساس الجماعاتي في إسكات الانتماءات السياسية و إبعاد الولاءات الحزبية، و إخفاء ثمن النضال، خاصة بالنسبة للتجار، التلاميذ و الطلبة...يسحق ثقل الجماعة الخصوصيات الفردية و اختلاف الآراء. تَدَعّمت الهوية ذات الأولوية بالنظر إلى الجماعة، في الأطر التي تم تعيين الأفراد فيها. إن طريقة تنظيم المظاهرات هي المؤشر الأكثر دلالة لوجهة النظر هذه. قد نُظمت هكذا "المسيرة السوداء" في 21 ماي 2001 بـ تيزي وزو على شكل مربعات تبعا للانتماءات القروية أو تبعا لـ العرش. من الممكن أن يكون هذا النمط من التنظيم (غير المعهود)، و المُدفوع بالتزامات تنظيم الحشود، قد أجبر الأفراد على التماهي مع قريتهم أولا أو حيهم أو مدينتهم. إنه التحام يمحو الاختلافات الفردية و يُذوِّب الفرد في الجماعة. مؤشرات أخرى كثيرة تعزز ثقل مسعى يرجع إلى إعادة تفعيل النزعة الجماعاتية.[63]

الأكثر دلالة هو نمط اتخاذ القرار و الإكراه الظاهر أو الباطن من أجل ضمان تنفيذه و الذي هو بعيد عن متطلبات التعبير المواطني. في كثير من الأحيان يتم عند الإجماع اتخاذ القرارات في "الاجتماع السري المغلق"،[64] إذا يتم اتخادها داخل شيء ما مغلق. إن لفظا مثل لفظ "العرش" قد فرض نفسه من غير أن يكون معناه الحقيقي مصرحا به. إن براديغم الجماعاتي فاعل في طريقة الاشتغال هذه، بقدر ما يستعيد عظمة الكلمة الكلية و الشاملة للجماعة على حساب تلك الخاصة بالأفراد في اختلافاتهم. بالفعل، تصير الأصوات المتعارضة و النقدية مكبوتة و إذا كان العزل غير معلن بشكل صريح، فإنه يظهر بوضوح في المصير المخصص للأفراد الذين يتجاوزون إجماع "الاجتماع السري" المُفترض أن يمثل جماعة "بلد القبايل".[65] من أجل تبرير طرق تسيير حركة الاحتجاج هذه، تم العثور على الحجج مثل تلك الخاصة بالاستعجال و ضرورة التصدي للمواجهة الدامية. و مع ذلك، يظهر لنا بديهيا أن تبرير هذه الممارسات باللجوء إلى الطرق القديمة (إجماع مجلس القرية بالخصوص) هو في تناقض تام مع دوافع المواطنة المُعبر عنها، خاصة في الأسابيع الأولى من الاحتجاج.[66] إنه تناقض لا يمكن الدفاع عنه، خاصة عندما يتم شجب واقع كون السلطة السياسية تخيف الحريات الفردية و لا تقبل الاختلافات و الفكر النقدي. و هذه الأخيرة ليست أحسن إثباتا و لا مضمونة أحسن من طرف أشكال تنظيم هذه الحركة، بما أن الاتفاق هو ابن الإجماع و أن عظمة الجماعة و الجماعاتي، تحصر الحريات الفردية، خاصة و أن هذه الأخيرة ليست فعالة إلا بالانضمام الحر و الاختيار الحر و الاعتراف بالاختلافات. أصبح تعيين الأفراد بانتمائهم القروي أو بحيهم الحضري (و لكن كصورة عن القرية) قاعدة، لأن الفرد ليس شيئا و الجماعة هي كل شيء. و حول هذه النقطة، ينبغي التأكيد على حقيقة أن مشكل اللجوء إلى سلطات جوارية ليس هو الذي يطرح مشكلا، لأنه يمكن لهذه الأخيرة أن تكون بدائل للمواطنين من أجل مشاركة أحسن في الحياة العمومية. و لكن هذا ينطبق فقط بشرط ألا تُجدد هذه الهيئات الدعوات و القواعد القانونية المُعاد تفعيلها انطلاقا من التقليد الجماعاتي الذي يعيق انبثاق تعابير المواطنة بكل اختلافاتها، و هذا في حرية حقيقية للاختيار. في حين أنه في القبايل، تشير المعطيات الإمبريقية لحركة 2001 إلى توجه تجديد النزعة الجماعاتية المعيقة و التي تقف ضد التطلعات الفردية، مؤدية إلى ممارسات هي في تناقض فاضح مع الشعارات المصاغة من طرف الحركة.[67] يبين تحليل وضعية النخب بواسطة المعرفة من خلال بعض المؤشرات، كيف جرت الانتكاسات المُنتجة بواسطة تعبئة النزعة الجماعاتية خصوصا بالنظر إلى 1980.

يشهد بالفعل غياب الجامعيين والمثقفين بصفتهم الرسمية، في الوقت نفسه من هيئات "القيادة الجماعية" و من حقل التواصل،[68] ليس فقط على "استقالة"،[69] و لكن على تمثل مُشكّل حول ثنائية لا يمكن اختزالها بين إنتاج المعنى و العمل من جهة و استحالة التمفصل بين المعنى النقدي المُنتج من طرف أفراد و بين اتفاق الجماعة من جهة أخرى. لا يتسع العرش المأخوذ كوضع و كوسط فكري و ثقافي مع وجهات النظر الفردية، إنه يقوم بدور من أجل قول "ما يقوله الجميع" بالإجماع و عاطفيا و بما لا يقبل النقاش. خصوصا عندما يتعلق الأمر بجعل "بلد القبايل"[70] موضوعا للقول و التفكير عند الشّدة إضافة إلى الحالة الطارئة. إن الحكم الشعبي القبايلي الذي يقول ("كن كجميع الناس")، يجعل الوضعية ملائمة في السياق الجماعاتي، أي في الجماعة أو خارج الجماعة، في الشمول و الانصهار أو الإقصاء.

إن الميزة الأكثر لفتا لصمت النخب (بما هي كذلك) هي بكل دقة جد واضحة في إقصاء الجامعة، خاصة جامعة تيزي وزو كمنتدى و فاعل. لنشير إلى أن الطلبة شاركوا أكثر الأحيان من محلياتهم في الحركة، و الذين كلفوا في كثير من الأحوال كممثلين في قريتهم و حين ينبثق جامعي في دور قيادي، يكون ذلك في مكان إقامته أو في حيّه الذي يُوصله، يدعمه و يمنحه الشرعية و ذلك بسبب انتمائه أساسا إلى الجماعة المحلية.[71] الحالة الأكثر مشاهدة هي تلك المتعلقة بـ بلعيد أبرك من تنسيقية مدينة و بلدية تيزي وزو.[72] و في المظاهرات الكبيرة كتلك التي تعود إلى 21 ماي 2001 و المسماة بــ "المسيرة السوداء"، لم يكن للجامعة بصفتها الرسمية مربعها و كان يجب على الطلبة و الأساتذة الجامعيين أن يلتحقوا بمربعات عروشهم، حيهم أو قريتهم الأصلية. يمكنهم أن ينظموا مسيرات كالوظائف الأخرى و لكنهم لا يمكنهم أن يتفردوا في تلك الخاصة بـ العروش. باءت المحاولة الوحيدة للتنسيق بين لجان القرى و جامعة تيزي وزو بداية شهر ماي،[73] بالفشل. و عبّر بوضوح مندوبو لجان القرى عن رفضهم لقطب أو نواة جامعية قائدة.

إن أحداث الشغب التي دفعت بالطلبة الطلبة في منتصف ماي إما إلى "الصعود إلى الجبهة" (الالتحاق بصانعي الشغب) و أو الرجوع إلى منازلهم، أحدات لا سابق لها. صار يُنظر إلى بعض النشاطات البيداغوجية المستمرة في حرم بعض الجامعات كإهانة و خصوصا كمحاولة للاحتفاظ بفضاء مستقل بالنظر إلى الجماعاتي الذي هو في حالة عصيان. فيما هو أبعد من القراءات الاستراتيجية السياسية أو القراءات الظرفية في وضعية درامية، تشير هذه الوضعية في السياق المحلي إلى كسر و انتكاسة في الآن نفسه في مركز النخب بواسطة المعرفة و في الطريقة التي صار يُنظر بها إليهم، و بالتالي انبثاق تمثل جديد عن النخبة و تمثلات جديدة عند النخب. و كما أشرنا إليه سابقا، فإن النخب بواسطة المعرفة مرغمة سنة 2001 على العيش في الدائرة الأكثر عمقا للمحلي و في وضعية تبعية. إن استقلاليتهم مقلصة بشكل كبير و عملهم مُتجاوز دائما من قبل الانتماء القروي (لاحظ ما سبق). في الأخير، يثبت بكيفية جيدة غياب النساء في الفضاء العمومي للاحتجاج[74] و بالأخص من لجان القرى و التنسيقيات، أثقال الترسيمات التقليدية الفاعلة بشكل واسع، بالمقدار نفسه في الاحتجاج و في المجتمع بشكل عام.

3.3 ممارسة أخرى للسياسة ؟

كان لصوت الشعب (la vox populi) في سنوات 1970-1980 فن مستهلك متمثل في الفكاهة (و بالتالي السخرية) لترجمة رفضه للخطاب السياسي المدحي. و في الإجمال كان له طريقة هادئة للاحتجاج على "بوليتيك" المهيمنين. كثيرا ما نسمع في القبايل عن شخص يمارس الدسيسة و التشاحن الصغير، أنه يمارس السياسة. إنه نوع من الحذر الظاهر في الثقافة الجزائرية اتجاه ممارسة السياسة. الجزائريون مسلوبون بلا شك، و لزمن طويل من هذه الممارسة و قد طوّروا طرقا تُجرد الممارسات السياسية المهيمنة من أهليتها وتحقرها. تحيل السخرية و بطريقة معينة، إلى العلاقة الخارجانية مع الشأن السياسي و السياسة، اللذين يضعان نفسيهما فوق العدد الأكبر. إن الطريقة التي يُنظر بها للرهانات السياسية في قمة الدولة تُبرر صفة "البوليتيك" هذه باعتبارها دسيسة.

يظهر لنا الفهم الكلي لحركة الاحتجاج سنة 2001، أن هذه الخارجانية المعلنة بالنظر للعبة السياسي، تؤدي بالنسبة للعدد الأكبر إلى رفض في الوقت نفسه صورة الدسيسة هذه. و بالرغم من ذلك، فإن هذه الوضعية تشكل في الظروف الحالية المميزة بحرية التعبير و التنظيم السياسي، مفارقة. من الأكيد أن الذهاب إلى عمق هذه المسألة سيستغرق و قتا أطول. من الممكن في المقابل القول أن اللعبة السياسية في الخطابات و النقاشات و النصوص الرسمية لـ "القيادة العامة" للاحتجاج، مستبعدة بما أن ليس لها سلطة على واقع المجتمع و تطلعات السكان. يوجد على الصعيدين الوطني و المحلي تعبير عن خيبة الأمل بالنظر إلى الممارسة السياسية و التي لا يُنظر إليها كقوة مُوجهة للوساطة مع الدولة و منظمة لانحرافات تعسفية و/أو تسلطية لهذه الأخيرة. أحدثت بلا جدال المجادلات المتكررة في القبايل بين ت ث د/ RCDو ج ق إ/FFS و الاستراتيجيات الهادفة إلى السيطرة على المنطقة، ضجرا اتجاه اللعبة السياسية و تحديد هذه الأخيرة كدسيسة و ضربات مؤذية (انظر على سبيل المثال المجادلات حول مقتل المغني معطوب لوناس). بلا شك، ليس غريبا عن خيبة الأمل هذه، جمود بلديات حزب ت ث د/ RCD أو حزب ج ق إ/FFS مثل أقرانهم كالتجمع الوطني الديمقراطي RND و جبهة التحرير الوطنيFLN  أو الإسلاميين. الحقيقة المتفاقمة هي أن كثافة "قضايا" (الضربات المؤذية) فيما يخص المنتخبين المحليين و النشر الإعلامي لوقائع و تصرفات بعض النواب أو عضو مجلس الشيوخ و الامتيازات المرتبطة بوظائفهم[75]. و لكن أيضا الدسائس المفترضة أو الحقيقية في الدواليب المركزية للدولة، انتهت إلى إنتاج لتصور عالم سياسي مستقل بالنظر إلى المجتمع. و بذلك، فقد تم قطع كل الوساطات السياسية. و هذا يفتح الطريق إلى علاقة تمنح الأولوية للمواجهة و البحث ليس فقط عن فضاءات حوار و لكن عن سلطات-مضادة تهدف إلى إسماع صوتها للدولة هنا و الآن. و هذه الأخيرة -من الأهمية بمكان أن نشير إلى ذلك- منفصلة عن موضوع غضب المحتجين. إنه بالفعل، شعار "السلطة المجرمة" الذي ردده محتجو القبايل على طول ربيع 2001. و في الواقع، يتم مطالبة الدولة الجزائرية بالعدالة و التعويض و في نفس الوقت بالاعتراف بالخصوصية الهوياتية. بالفعل، و كما يعبر عنه عفويا المندوب القروي الشاب خلال الجمعية التأسيسية لكونفدرالية عرش ناث-إراثن: "...لا نريد أن نكون بديلا عن الدولة و لكنها ممثلة بشكل سيء من طرف الإداريين الذين ليسوا في مستواها...". يبدو أن ما هو مُطالب به في الظروف الاقتصادية و الاجتماعية الجديدة، ليس هو بالضرورة دولة أقل. على العكس، المُطالب به هو دولة أكثر و لكن في أشكال أخرى من التدخل. من البديهي أيضا أن هذه المطالبة صادرة عن الذين يحسون في ظل المعطيات الاقتصادية الجديدة أنهم مهددين أو مستبعدين. من المؤكد أنه يوجد في القبايل كما في مناطق أخرى من الجزائر مصالح تتحكم في المطالبة بدولة أقل. و هذه المصالح من وجهة نظرنا ليست خاصة بالأغلبية. تُسهم هذه المصالح من ناحية أخرى من خلال تعابيرها في المجتمع و بواسطة لعبة الاستراتيجيات الاقتصادية،[76] في تفاقم الانقطاع بين المطالب الاجتماعية و بين السياسة العمومية. إن عمل الدولة، لاسيما من حيث التنظيم هو محل تشويش من طرف هذه الرهانات، الشيء الذي يحفز هنا أيضا على البحث ليس عن الوساطات و لكن إلى إسماع الصوت مباشرة.

في العمق، يظهر لنا إذا أن هذه الاعتبارات ترِنّ كمقدار من المؤشرات للبحث عن طرق أخرى لممارسة السياسة و طريقة أخرى لتعريف السياسة، بمعنى طرق تنظيم المشاركة في الحياة العمومية.

ليس مستغربا من وجهة النظر هذه، أن تمتد حركة الاحتجاج القبايلية سنة 2001 كما في جميع الاحتجاجات العديدة عبر الجزائر، خارج اللعبة السياسة الحزبية و ضد أشكال السلطة المحلية أو المركزية وانطلاقا من أماكن ملموسة، جوارية و أماكن للاعتراف الداخلي كما هو حال القرية أو الحي أو المدينة. لم يعد الزعماء مختارين على أساس الوظائف ذات الصلة بالسياسة و برامج و مشاريع مجتمع...، و لكن على أساس الولاء للجماعة المحلية. يكون التماسهم إذا (أو الاعتراض عليهم في الحين) في متناول الأيدي و تكون العلاقة معهم شخصية.[77] بالفعل، إنها سلطات-مضادة تلوح في الأفق، و لكن في أماكن و أشكال تريد أن تكون في قطيعة مع تجارب، يظهر أنها لم تنتج إلا خيبات الآمال. هل يجب التعجب إذا من أن تقاليد و ذاكرة الماضي مدعوين من أجل إعطاء شكل و قوة لما يعرض نفسه كبداية، إن لم يكن إعادة التوليف أو على الأقل إعادة صياغة للعلاقة بالسياسي و بالسياسة؟ عند الاستماع بتأن لفاعلي احتجاجات القبايل و عند قراءة النصوص المُعدة من طرف "القيادة الجماعية"، يظهر من البديهي على ضوء هذه الاعتبارات، أن الفاعلين في بعض الأحيان و على حساب أعمال ارتجالية، قد سووا كل الجوانب التي أتينا على الإشارة إليها. و هذه بعض الأمثلة التوضيحية.

يظهر الإبعاد للسياسي و للسياسة عبر مبادئ CADC لولاية تيزي وزو[78] و عبر هدف حركة الاحتجاج الذي تحدده في:

"استقلال واستقلالية الحركة بالنظر إلى السلطة، الأحزاب السياسية و مؤسسات الدولة."

"رفض كل أشكال الولاء و رفض الاستعاضة عن الحركة بالتشكيلات السياسية."

" تمنع الحركة على نفسها التحول إلى حزب سياسي أو إلى رابطة أو منصة انطلاق أحزاب سياسية أو أي جمعية أخرى."

"حركة الثورة هذه ذات الماهية الديمقراطية و السلمية بإطلاق هي إثبات مواطني من أجل رفض الرضوخ و التعسف و الحقرة و الإنكار الهوياتي و ضد الاحتقار و النظام السائد لسلطة مافيا و نظام متعفن."

هذه المبادئ مصرح بها بنص يعبر بوضوح عن أسباب الاستبعاد هذه:[79]

" برهنت الحوادث الدرامية للقبايل على العجز الفاضح للمنتخبين و المسؤولين على كافة المستويات لمواجهة استبسال الدرك الوطني و قبالة القتل الوحشي للأبرياء" و" أمام حدث درامي من هذه الطبيعة، يجب على مجمل المؤسسات أن تسأل نفسها و تعود إلى معايير المواطنة". يحدد النص بدقة "أن إقامة الديمقراطية و النزع الواسع والفعلي للمركزية، يتطلب تفوق السلطات المنتخبة على السلطات التنفيذية و على قوات الأمن". و تجدر الإشارة إلى تكرار الإحالة إلى ممارسة المواطنة. هذه الأخيرة معرفة بالنظر إلى الممارسات المؤسساتية التي تشكل ثقلا موازنا.

في الممارسة، ليست بالضرورة هيئات تنسيق و تسيير الاحتجاج أكثر تماسكا دائما و لا أكثر تطابقا مع المبادئ المُصرح بها بواسطة النصوص كما أشرنا إليه في الأعلى. زيادة، على أن التوتر حول موقف رفض كل حوار و البحث عن إرضاء المطالب بلا أي نقاش و لا أي تنازل، إضافة إلى أنها تحافظ على توتر صعب إدارته بالطرق التي منحتها هذه الحركة لنفسها، فإنها تؤدي إلى طريق مسدود.

الخاتمة

برفض "القيادة الجماعية" ترجمة هذه المطالب سياسيا و إعلانها عدم أهلية الأحزاب السياسية في هذا المسعى، تفاقمت حالة الفراغ السياسي و تجمدت كل إمكانية بديلة من أجل تمديد النقاش حول "العيش المشترك" في التنوع. و هذا مع رجوع نقدي لطرق تنظيم المجتمع و المشاركة في القضايا العمومية، انطلاقا من أمكنة محلية و في الجوار. النقاش الذي شرع فيه فعلا خلال في الوقائع. بالإضافة، يظهر أن فاعلي "القيادة الجماعية" و بشيطنتهم الممارسة السياسية، قد نسوا الطريق الطويل للجزائريين و كلفة الانفصال المفروض من الأسفل فيما يزيد قليلا عن عقد من الزمن، تحديدا من أجل استعادة الحق في الاختلاف على المستوى السياسي. تمر ممارسة هذا الاختلاف في المجتمعات الحديثة بواسطة التنظيم السياسي، الولاءات المتعددة و أيضا بواسطة صيرورات الفردانية. ليست المواطنة تعويذة، بل هي بناء تاريخي وترجمة إلى ممارسات حقيقية في المجتمع. يظهر لنا أن هذه الصيرورة قد شُرع فيها في المجتمع الجزائري، حتى و إن كانت هناك أثقال من الأسفل. و التي لا يخرج احتجاج القبايل في 2001 عنها و قصور ذاتي من الأعلى، إضافة إلى فترة طويلة من التمزق الداخلي التي تعيق تقدمها.



ترجمة :

الهوامش

* صدر هذا المقال باللغة الفرنسية في مجلة إنسانيات، العدد 16 جانفي-أفريل 2002، ص. 55-97. 

[1] إننا نقصد بــ "القيادة الجماعية" التنسيقيات الموضوعة عين المكان بداية من 17 ماي 2001 على مستوى الولايات و بين الولايات. بالإضافة، و استطرادا فإننا نشير و بنفس الطريقة إلى تنسيقيات البلديات و القرى. هذه الصفة ليست تعسفية، إنها مقترحة بواسطة طرق اشتغال و اتخاذ القرار الموضوعة محل التنفيذ و المُتبناة من طرف التنسيقيات المعنية.

[2] المترجم: فضلنا استعمال مصطلح "القبايل" للتعبير عن مجموعة بشرية مميزة لها هويتها و ثقافتها الخاصة و الموجودة في الجزائر

و لم نستعمل مصطلح "القبائل" لتفادي كل لبس، لأن صاحب المقال يستعمل أيضا و بالفرنسية مصطلح Tribu (s) الذي يترجم في العربية بالقبيلة في المفرد و القبائل في الجمع و التي يربطهما صاحب المقال مباشرة بـ "العرش" le ‘arch في المفرد و بـ "العروش" ‘arouch في الجمع، في حين أنه يستعمل بالفرنسية مصطلح la Kabylie/Kabyle (s) عندما يتكلم عن المجموعة البشرية المذكورة آنفا.

[3] أنظر إلى أحداث شهر ماي و جوان في شرق الجزائر و احتجاجات الصيف و بداية الخريف في المناطق الأخرى.

[4] بقدر ما أن المدن الكبرى بالأساس، خصوصا الجزائر العاصمة لم تكن معنية بتفشي هكذا احتجاج.

[5] بواسطة أداة التحديث، فنحن نفكر خصوصا في الهيئات المنتخبة مثل المجالس الشعبية البلدية APC و المجالس الشعبية الولائية APW.

[6] أي سبتمبر-أكتوبر 2001. و نشير هكذا إلى نوع متقدم في إرادة الحوار المُعبر عنه خصوصا بواسطة النشرة الإعلامية لرئاسة الجمهورية لــ 23 سبتمبر 2001. إضافة إلى أنه ظهر في خضم الحركة انقسام بين "المنادين بالحوار" و بين "الراديكاليين" المناصرين لرفض كل تفاوض.

[7] تلقى رجل شاب في هذه المنطقة المحلية الصغيرة في الجنوب الغربي لـ تيزي وزو، اسمه قرماح ماسينيسا جرحا قاتلا في 18 أفريل 2001 في مقرات فرقة الدرك. ومات نتيجة جروحه في 20 أفريل بمستشفى بالجزائر العاصمة.

RCD * / التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية، FFS: جبهة القوى الاشتراكية.

[8] في الواقع، نشير إلى مبادرتين متنافستين في الأسبوع الأول من شهر ماي، من أجل تنظيم تنسيق أحياء المدينة. بالإضافة، إلى أنه فيما عدا بعض الأسماء المعروفة، خصوصا عبر التدخلات العمومية أو بواسطة الصحافة، فإن عناصر التنسيقية ليسوا معروفين في كل المدينة. و بعض الأحياء ليست ممثلة في التنسيقية و ليس لها حتى لجنة.

[9] هذا ما نشرحه في أطروحة دولة التي هي في صدد الإنجاز، خاصة بالنسبة للعلاقة مع الديني ومع مركزية السياسة...

** CPWB: اللجنة الشعبية لولاية بجاية

[10] إن مقالنا لا يتطرق لهذه المنطقة من حيث أن ميداننا المباشر للملاحظة هو ولاية تيزي وزو. و لكن من الواضح أنه من الجدير فتح طريق للتفكير والذي ما لا شك فيه سيسلط الضوء بدون شك كلية أكثر لتحليل حركة الاحتجاج هذه. أنظر إلى وجهة نظر فاعل مفيدة للغاية في:

« Deux questions à Bedreddine Djehnine. Pourquoi la gauche dérange », Le Régional, n° 1 (7-13 février 2002).

[11] أنظر حول مسألة ثقل وسائل الاتصال في حركات الاحتجاج الجماعية:

Lafarge, J. (1998), La Protestation collective, Paris, Nathan, coll, 128, p. 84-88.

[12] 11. Basagna, R. et Sayad, A. (1974), Habitat et structures familiales en Kabylie, Alger, CRAPE,. Sur cette question, il existe une littérature abondante, mais souvent répétitive à partir du travail de Hanoteau et Letourneux, La Kabylie et les coutumes kabyles, Paris, Challamel, 1893. Parmi les synthèses récentes, voir tout particulièrement, Mahé, A. (1996), Anthropologie historique de la Grande Kabylie, XIX-XXe siècle. Histoire du lien social des communautés villageoises, Thèse de sociologie, Paris, EHESS, On pourra relire avec attention Favret, J. (1968), Relation de dépendance et manipulation de la violence en Kabylie, L’Homme, vol. 8, n°4, p. 18-44. Mais aussi, pour une clarification sur la question de la tribu au Maghreb, Gellner, E. (1969), Système tribal et changement social en Afrique du Nord, Annales marocaines de sociologie, p. 1-20. Des ouvrages donnent, par ailleurs, des indications utiles pour comprendre le fonctionnement de la société traditionnelle en Algérie, Tillion, G. (2000), Il était une fois l’ethnographie, Paris, Seuil, (pour le cas de l’Aurès) ; Morizot, J. (1985), Les Kabyles. Propos d’un témoin, Paris, CHEAM, Sur les statuts et les positions au sein de la société kabyle traditionnelle, voir les indications et les lectures de Mouloud M. (1980), notamment l’introduction de Poèmes kabyles anciens, Paris, Maspero,. Enfin, pour la description d’un cas précis d’organisation en Kabylie, voir Servier, J. (1966), Un exemple d’organisation politique traditionnelle, les Iflissen Lebahr, ROMM, n 2,

[13] Voir Mahé, A., op.cit., Mais aussi, sur la situation au moment de la mise en place des centres municipaux, les nombreuses remarques dans l’Algérie du demi-siècle, synthèse Gouvernement général. Des indications précises montrent le poids des dynamiques villageoises dans les modes d’identifications. Et Morizot, J. (1962), L’Algérie kabylisée, Paris, CHEAM, Roberts, H. (1981), “Algerian Socialism and Kabyle Question Monographs”, in Developement Studies, 8, School of East Anglia, june.

[14] ما هو محمول بواسطة مائة سنة من الاستعمار و ما هو موضوع من طرف الدولة الوطنية الجزائرية محل التنفيذ من الأعلى.

[15] Salhi, M. (1999), « Modernisation et retraditionalisation à travers les champs associatif et politique : le cas de la Kabylie », Insaniyat, n°8, mai-août, p. 21-42.

[16] Favret, J. (1967) Le Traditionalisme par excès de modernité, Archives européenne de sociologie, vol. VII, p. 71-93.

[17] أنظر إلى مقالنا المذكور سابقا وأنظر ما يأتي به:

Kenzi, A. (1998), Tajm'at du village Leqlaa des Ath-Yemel. Étude des structures et des fonctions, Mémoire de magister, ILCA, Tizi-Ouzou, (particulièrement le volume II).

إن كارثة المخدرات وظهور تصرفات مرتبطة بالجنوح على أبواب القرى ولكن مطالبة الشباب أيضا بأشكال جديدة للتنشئة الاجتماعية بإدراج عوامل غير معهودة في الفضاء القروي. سنسجل أن عدد الانتحارات المصرح بها خلال سنوات 2000 و2001، كما هي كذلك مخيفة (حوالي 150) من حيث أن هذه الظاهرة تمس بالأساس الشباب وهي قروية أكثر ما هي حضرية. تشكل كل العناصر بالإضافة إلى البطالة القارّة علامات لشرخ كبير في الرابط الاجتماعي ولاهتزاز حقيقي للمجتمعات القروية التي تتصور ذلك كتدمير حقيقي للنظام القروي المُحافظ عليه بطريقة أو أخرى.

[18] Salhi, M. op.cit.

[19] أنظر إلى قراءة حول هذه المسألة في مؤلف:

Lacoste-Dujardin, C. (1992), Démocratie kabyle. Les Kabyles, une chance pour la démocratie algérienne.- Hérodote, n°65-66, p. 63-74.

[20] يظهر بالفعل أن الدولة قد اتخذت الإجراءات الاستعجالية لإعادة النظر في هندسة النظام المؤسساتي من خلال إطلاق التفكير عبر مجلس إصلاح الدولة. حاولت أحزاب سياسية من قبيل RCD و FFS تفادي الاقتراحات التي تهدف إلى مزيد من اللامركزية الإدارية.

[21] والتي صارت فألا إعلاميا.

[22] هكذا، فعندما نتكلم عن الإقصاء الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي لكل "بلد القبايل" يمحي خطاب حركة الاحتجاج تماما صيرورة التمييز الاجتماعي الحاصل في هذه المنطقة. من البديهي في الظروف الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، أن يكون جلب الريع، تفشي المضاربة على الأراضي ومكافحة شبكات الدعارة والمخدرات وسوق العملات، تكامليا intégratifs بالنسبة "للبرجوازيين الجدد" من القبايل ولكن يشاركون في استبعاد قطاعات كبيرة من المجتمع. تمر هذه الاختلافات أيضا من خلال المجتمعات القروية.

[23] Voir infra des éléments sur la construction de cette imagerie. De façon générale, sur la construction de l’imagerie de la région, voir notamment B. (1980), « L’identité et la représentation. Eléments critiques sur l’idée de région », Actes de la recherche en sciences sociales, Novembre, p. 63-72 ; Bertho, C. (1980), « L’invention de la Bretagne. Genèse sociale d’un stéréotype », Actes de la recherche en sciences sociales, novembre, p. 46-62 ; Mammeri, M. (1986), Les Mots, le sens, et les choses et les avatars de « tamurt », AWAL, p. 7-20.

[24] يبقى بالفعل أن نتحقق انطلاقا من وقائع دقيقة، ما إذا كان تذكر العرش يؤدي في مجمل القبايل إلى نفس التماسك فيما يخص التنظيم و الوصم الإقليمي. 

[25] أسهمت التلفزة بشكل معتبر في صنع صورة قبيحة عن هذه العروش التي "تغزو" الجزائر العاصمة (المدينة) والتي ترجع عند مجيء المساء إلى "منازلها" ليس بدون أن ننسب إليهم كما في 14 جوان بعض الأعمال المدمرة. ليس الوصم واضحا و لكنه مقترح.

[26] حول هذه الأزمة أنظر إلى:

Harbi, M. (1980), « Le FLN, mirage ou réalités », Jeune Afrique, p. 59-67 ; Carlier, O. (1986), La production sociale de l’image de soi. Note sur la crise berbériste de 1949, Les Nouveaux Enjeux culturels au Maghreb., Paris, CNRS, p. 347-371.

[27] تتميز مواطنة الدولة-الوطنية بالانتماء إلى مجتمع سياسي وطني و هي غير منفصلة عن الجنسية و عن الدولة-الوطنية، أين تكون الحقوق و الواجبات محددة من الأعلى. و تضمن دولة–الرعاية بطريقة كلاسيكية الحقوق، خصوصا من خلال هذه التدخلات في الجانب الاقتصادي و الاجتماعي. تستلزم أيضا هذه الطريقة في الانتماء مشاركة في الحياة السياسية. إنه بالطبع بناء تاريخي عرف تحريفات و تغيرات. أنظر فيما يخص مفهوم المواطنة و مناقشتها، بالخصوص إلى:

Constant, F. (2000), La Citoyenneté, Paris, Monchrétien, et un bon résumé du même auteur, (2001), « Quelles citoyennetés ? », in Sciences humaines, n°33, hors-série, juin-août, p. 46-49 ; Schnapper, D. (2000), Qu’est-ce que la citoyenneté ?, Paris, Gallimard, Folio actuel; Leca, J. « Individualisme et citoyenneté », in Birnbaum, Pierre et Leca, J. (1991), Sur l’individualisme, Paris, Presse de la FNSP, p. 159-209; Touraine, A. (1992), Critique de la modernité, Paris, Fayard, (en particulier p. 233-402), et « Le nationalisme contre la nation », L’Année sociologique, vol. 46, n 1, 1996, p. 15-41, Wierwoka, M. « Le multiculturalisme est-il une réponse ?», Cahiers internationaux de sociologie, vol VC, p. 233-260.

[28] Notamment S. op.cit., et, « Contestations identitaires et politiques en Algérie (1940-1980), le poids du local », Actes du colloque international Villes et territoires au Maghreb, Tunis, IRMC, (à paraître). Voir résumé in Cahiers de l’IRMC, n 1 ; Tassadit, Y. (1987), Poésie kabyle et identité. Qasi Udifella, héraut des Ath-Sidi-Braham, Paris, Ed. MSH, Stora, B. (1989), Les Sources du nationalisme algérien. Parcours idéologiques, origines des acteurs, Paris, L’Harmattan,.

[29] Salhi, M. Contestations…, op.cit.

[30] أنظر إلى وجهة النظر المُطَّورة من قبل:

Meynier, G. « Problématique historique de la nation algérienne », in NAQD, n 14-15, p. 25-54, et Lemenouer, M. « Conjonctures intellectuelles et notions de groupe », In NAQD, n°14-15, p. 55-65.

[31] Harbi, M. (1992), L’Algérie et son destin. Croyants et citoyens, Paris, Arcantère, et, (1980), « Le FLN, mirage et réalité », Paris, Ed. Jeune Afrique, Cf. également de nombreux exemples et détails dans l’ouvrage du même auteur, Mémoires politiques. Une vie debout, tome I : 1945-1962. Mohamed H., livre, par ailleurs, un document qui illustre le poids des réalités locales et des particularismes locaux pendant la guerre d’indépendance, « Des Aurès à Tunis. Le FLN-ALN face aux particularismes locaux », in NAQD, op.cit., p. 239-242.

[32] حول حرب الولايات، أنظر:

Harbi, M., op.cit., p. 335-387.

[33] أنظر بالخصوص إلى:

Aït-Ahmed, H. (1983), Mémoires d’un combattant. L’esprit d’indépendance 1942-1952, Paris, S. Mesinger,. Zamoum, A. (1993), Tamurt Imazighen. Mémoires d’un survivant 1940-1962, Alger, Rahma, L. Anne-Marie, Salah L. (1999), parcours d’un militant algérien, Alger, Dahlab. Voir aussi Lacheraf, M. (1998), Des noms et des lieux. Mémoires d’une Algérie oubliée, Alger, Casbah Edition.

[34] يظهر في المجالس الطلابية بداية السبعينات، -خصوصا تلك الخاصة بالإقامة الجامعية لابن خلدون - التوجه المدافع عن الثقافة البربرية. إضافة إلى ذلك، يشكل درس اللغة المقدم من طرف مولود معمري، نقطة حشد و تعرف هوياتي بالنسبة إلى طلاب القبايل بجامعة الجزائر.

[35] بشكل مفارق، وبقدر ما كانت أعمال الدولة بواسطة المخططات الخاصة للتنمية تهدف إلى اندماج المناطق بقوة أكثر في الوطني، فإن ديناميات إعادة تملك المحلي من الأعلى تؤدي إلى جعل المشروع يدفع بالأحرى نحو إعادة تأهيل المحلي. حول هذه المسألة أنظر إلى:

Lavergne, M. et Duvigneau, G. (1995), Monde arabe, le retour du local, Peuples méditerranéens, juillet-décembre, p. 5-30; Côte, M. (1993), La quête de l’autonomie locale, Peuples méditerranéens, op.cit., p. 123-132 et enfin, L’Algérie ou l’espace retourné, Constantine, Média-Plus.

[36] و لكن هذه مسألة أخرى يجب طرحها على النموذج الاقتصادي لسنوات 1970-1980 و على الاستراتيجيات الموضوعة محل التطبيق في تلك الفترة. يظهر أن س. شاكر و في نص موجه بلا شك إلى تغذية التفكير حول بديل آخر، لا يكترث إلى هذا الفارق الدقيق عند استعارة اختصارات قابلة للمناقشة: "إن الإخفاق على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي هو بمقدار كبير، بحيث نتصور بشكل سيء ما يمكن للقبايل أن ينتظروه من عمل دولة مركزية كانت خلال أربعين عاما عاجزة عن تحقيق قدر أدنى من التنمية لهذه المنطقة. و كل واحد يعلم أن القبايل تظل باقية على قيد الحياة بما تقدمه هجرتها الداخلية و الخارجية فقط. و من خلال الاستثمار المحلي الخاص و ليس بفضل كرم الدولة المركزية...".

in Réflexions pour l’autonomie de la Kabylie., Paris, Tamazgha, 2001. Pour une évaluation de la situation économique de la Grande-Kabylie, voir les articles de Bouguermouh, Ahmed et Oussalem, M-O. dans ce numéro, et notamment, Doumame, Saïd, Modernisation socio-économique et pesanteur socioculturelle en Algérie : le cas de la Kabylie, Thèse d’État, Université de Lille, 1993; Si-Mohammed, Djamel, Croissance urbaine, le cas d’une ville d’Algérie : Tizi-Ouzou. Impacts et développement sur l’arrière-pays, Thèse de 3e cycle, Université de Bordeaux, 1987.

[37] Touraine, A. (1992), Critique de la modernité, Paris, Fayard, p. 301.

[38] "لا يصير الفرد فاعلا بانفصاله عن نفسه، إلا إذا عارض منطق الهيمنة الاجتماعية باسم الحرية، حرية إنتاج الذات"، و يكتب أ. توران الذي يوضح مفهوم الفاعل: "عندما أكتب عن الفاعل، أي عن الفرد كفاعل، فمن المستحيل فصل الفرد عن وضعيته الاجتماعية. يجب على العكس معارضة الفرد المستهلك للمعايير و المؤسسات الاجتماعية للفرد المنتج لهذه الحياة الاجتماعية."

Ibid, p. 300-301. Et le sujet « est la volonté d’un individu d’agir et d’être reconnu comme acteur », p. 242. Voir aussi sur la question Lafarge, J. (1998), La Protestation collective, Paris, Nathan, p. 80-88.

[39] واحد من مطالب حركة 1980 هو ممارسة الحريات الديمقراطية.

[40] إننا نرتكز فيما يخص هذه النقطة على ملاحظات مباشرة في هذه الفترة وعلى إعادة بناء مسارات فاعلي هذه الحركة، انطلاقا من قصص الحياة، التي لا يمكن أن نقدم عنها هنا تفاصيل.

[41] ينبغي الإشارة إلى أن الاحتجاج في لحظته المؤسسة، لم يكن له رمز "الحركة الثقافية البربرية" والذي سيوضع في متناول المستعملين بعد ذلك. كنا حينئذ نتكلم عن "الحركة".

[42] و على خلاف ما تم عرضه سابقا ex-post، لم يكن هناك قيادة رسمية للحركة ولكن كان لها لجان على مستوى الأماكن الرئيسية للاحتجاج والتي كانت أعمالها منسقة فعلا.

[43] معدة في 7 أفريل 1980 بعد مظاهرة منظمة بالجزائر العاصمة، والتي سميت "اللجنة المضادة للقمع" لأن واحد من أهدافها هو تحرير الكثير من المتظاهرين الموقوفين بما فيهم الأساتذة والطلبة.

[44] جانب مخفي اليوم بقوة. نلاحظ هكذا حضور في "اللجنة المضادة- للقمع"، الجامعة وتيارات يسارية مثل PAGS [حزب الطلائعي الاشتراكي] و PRS [حزب الثورة الاشتراكية] أقصى اليسار و FFS. صحيح أن هذا الأخير حاضر بشكل أكثر وضوحا وأحسن تمثيلا. سنلاحظ أيضا أن فاعلين كثر في "اللجنة المضادة-للقمع" ليسوا مرتبطين عضويا بأي توجه سياسي.

[45] النصوص المُوزعة تشهد بوضوح على ذلك. الأول معد بالجامعة من طرف الجماعة الطلابية ويستعيد المطالبة باللغة الأمازيغية كنقطة مركزية، ما يضعه بوضوح في المشروع الاشتراكي ("الاشتراكية الصحيحة") ويستعيد مقتطفات عريضة من الدستور الوطني لسنة 1976.

[46] من الطبيعي، لا بد من اعتبار أن المشادات المتكررة حول المسائل المرتبطة بالإنكار الهوياتي قد سبقت بشكل كبير الحركة وأعلنت عنها.

[47] ليس حضورهم في القرى ضخما و دائما. إن لهم في تيزي وزو و تطلعات للعمل أو السكن بعد تكوينهم.

[48] تقع بشرق مدينة تيزي وزو. و هي تجمع مع تجدير مقرات المؤسسات الوطنية، حوالي 5000 عامل بمختلف مؤهلاتهم. لاحظ:

Maacha, D. (1991), Essai d’analyse des principes de localisation et de gestion des zones industrielles et d’activités en Algérie : le cas de la zone industrielle de Oued-Aïss, Magister, Université de Tizi-Ouzou,. Yacini, A. (1985), Les zones industrielles : un instrument d’aménagement du territoire : le cas de Tizi-Ouzou., Mémoire de fin d’études, Sciences de la Terre, Alger, USTHB.

و حسب هذه الدراسة، عاد 50 % من عمال هذه المنطقة الصناعية من فرنسا أو من مدن جزائرية. في هذه الفترة كان لــ 65 % من هؤلاء العمال إقامة دائمة محصورة في شعاع 30 كلم حول تيزي وزو، إذا نحو المنطقة الجبلية الداخلية.

[49] من الواضح أيضا أن تلعب هياكل حزبية مثل ح ق إ FFS دورا مهما.

[50] عاش أغلبية فاعلي 1980 أو عملوا على الأقل في الجزائر العاصمة أو في بلد أجنبي، و بطريقة أو بأخرى عاش كلهم و/أو شاركوا في نقاشات السبعينات أو في الصراعات النقابية و الطلابية لنهاية سنوات الستينات و بداية السبعينات.

[51] من الناحية العملية، تيزي وزو هي المركز السكني الحضري المهم منذ 1980. لا يزال التعمير المصغر La micro-urbanisation في الجبال في شكل مشروع. لا بد بالفعل من ملاحظة أن هذه المدينة تجلب الاستثمار الكبير لسنوات 1970-1980 وبالتالي، يتركز حولها حوض حقيقي للشغل. ويشجع السكن فيها التوجه نحو الاستقرار في المراكز السكنية الحضرية بجوار تيزي وزو أو في المنطقة السكنية الجديدة بجنوب هذه المدينة. أنظر:

Kitous, Samia, Processus de production des espaces centraux à partir d’un cas algérien, Tizi-Ouzou.- Magister, Alger, EPAU, 2001.

[52] يسمح القرب بممارسة الرقابة الاجتماعية، خصوصا بواسطة العائلة.

[53] هاجمت فرق CNS [الفرق الوطنية للأمن] في فجر في 20 أفريل الأماكن الرئيسية للاحتجاج، خاصة الجامعة. و في نفس اللحظة، تم اعتقال العديد من ناشطي لجان الاحتجاج. و تم إطلاق سراح بعضهم بعد أسابيع من الاعتقال، في حين أن 24 منهم تم اعتقالهم في سجن البرواقية (جنوب الجزائر العاصمة) إلى نهاية جوان.

[54] عرفت بعض المحليات مثل أميزور مواجهات قبل 20 أفريل.

[55] وُضعت الجامعة تحت المراقبة المباشرة للشرطة من فجر 20 أفريل إلى غاية 16 ماي في المساء. و بعد سلسلة من الجمعيات العامة، و التي كان بعضها عاصفا نوعا ما، تم التوصل إلى إجماع من أجل إنشاء ثلاثة لجان (المحبوسون، النشاطات و التنشيط الثقافي، دمقرطة الحياة الجامعية)، و متابعة الاحتجاج و استعادة العمل و الدراسة. نلاحظ أن النص الأخير المنبثق من الجامعة المحتلة مصاغ في 18 أفريل 1980. و المعنون "نداء الأساتذة الجزائريين للمركز الجامعي بـ تيزي وزو"، هو نتاج خمسة عشر أستاذ جامعيا مناضلا في "الجنة المضادة-للقمع". و المنشور في 19 أفريل، خاصة بالجزائر العاصمة، هذا النص المعروف قليلا و المُحال إليه نادرا، و إضافة إلى أنه يحدد أن الحركة بقدر ما تطالب بالاعتراف باللغة البربرية و الحريات الديمقراطية، فهي ليست "متجهة ضد اللغة العربية"، يشير إلى الربط الذي يقوم بها المؤلفون بين الجامعة و بين المنطقة: "إن التصعيد في القمع و التخويف. يجعل الأخطار الجدية لمداهمة الجامعة من طرف قوات الأمن قائمة. إن عملا كهذا يعني ليس فقط إقصاء مئات الطلبة و الأساتذة الجامعيين و لكن الإلغاء الصريح للمركز الجامعي كله، و إشارة إيقاف جدية لكل إمكانية للترقية الاقتصادية و الثقافية للمنطقة."

[56] تتشتت الحركة الثقافية البربرية إلى اتجاهين: MCB-التنسيقية الوطنية الممتدة عن التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية RCD و MCB-المجالس الوطنية، القريبة في غالبيتها من جبهة القوى الاشتراكية FFS و التي هي أيضا مخترقة في بداية التسعينات من طرف تيارات سياسية أخرى، خاصة من أقصى اليسار. و MCB-التجمع الوطني منشأ من طرف المنشقين عن RCD بعد حركة مقاطعة الدراسة بين 1994-1995، خاصة من طرف المغني فرحات مهني. كل هذه الاتجاهات هي اليوم بلا صوت و غير موجودة في الميدان كمنظمات فاعلة و راسية.

[57] من أجل التذكير، فالمترشحين الأربعة لرئاسيات 1995 هم ل. زروال، سعيد سعدي (RCD) ن. بوكروح )حزب التجديد الجزائري( و م. نحناح من الحزب الإسلامي حماس. يحصل سعدي على 8,94 % من الأصوات المعبر عنها، أي 996 835 صوتا. 85% إلى 87% من هذه الأصوات تم تعبئتها بـ القبايل أين تحول جمهور ناخبين جبهة القوى الاشتراكية )هذا الحزب قد دعا إلى المقاطعة( إلى س. سعدي. بالنسبة للانتخابات التشريعية في 1997، قام التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية بتعبئة 442 271 صوتا لحسابه، في حين حصلت جبهة القوى الاشتراكية على 527 848 صوتا. أنظر:

Fontaine, J. (1996), Algérie, « Les résultats de l’élection présidentielle du 16 novembre 1995 », Monde arabe, Maghreb Machrek, n 151, et Djerbal, D. (1997), « Les élections législatives du 5 juin 1997 en Algérie. Enjeux politiques, logiques et acteurs », Monde arabe, Maghreb-Machrek, n° 157.

[58] لم نشر بالقدر الكافي إلى حقيقة أن الاضطرابات السياسية الكبرى في الجزائر تتصادف مع إعادة تشكيل الخارطة السياسية في العالم. تعيد نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الاشتراكية تعريف الهويات السياسية وتنقل المواجهات الإيديولوجية على أرض الهويات. ينبغي مواجهة حقيقة أن الجزائر في وسط الثمانيات و بوسائل اتصالها في تلك الفترة، هي بالفعل حساسة للتغيرات الكبرى في المحيط الدولي.

[59] أنظر إلى معطيات في:

Akrour, S-M. (1996), Essai d’analyse des problèmes que posent la création, la croissance et la gestion d’une université en zone ru rale : cas de l’université de Tizi-Ouzou, Magister de sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou.

[60] أنظر إلى مؤشرات مفيدة حول هذه المسألة في:

Amrouche, K. et Amirat, F. (2000), Les rapports formation-emploi : cas des diplômés en sciences économiques de l’Université de Tizi-Ouzou, Mémoire de fin d’études, sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou. Ghellal, N. et Mokhtari, R., Insertion professionnelle des diplômés universitaires. Apports de l’Agence nationale de soutien à l’emploi des jeunes, Mémoire de fin d’études, sciences économiques, Université de Tizi-Ouzou, 2002.

[61] يدعو بوضوح قانون الشرف المعد من طرف CADC لولاية تيزي وزو في نقطته الثامنة 8 ممثلي الحركة إلى التعهد "بعدم إعطاء الحركة بعدا جهويا في أي صورة كانت".

[62] Von Barloewen, C. (2001), «Traditions, identités, et mondialisation. La culture, facteur de la realpolitik », Le Monde diplomatique., Touraine, A. (1998), « Les transformations sociales du XXe siècle », Revue internationale de sciences sociales, p. 187-193., Schnapper, D. « Comment reconnaître les droits culturels ? », Revue de philosophie et de sciences sociales, n°1, p. 15-35. Foucher, M. « Pour une géopolitique des identités en Europe », RPSS, op.cit., p. 349-358, Renault, A. « Le débat français sur les langues régionales »., RPSS, op.cit., p. 381-400. Touraine, A. (2001), « Critique…», op.cit., Sur le cas de l’Espagne, voir notamment « La question basque, confins, violence, confinement », Les Temps modernes, n 614. Et le numéro XXX d’Ethnologie française consacré à l’Espagne.

[63] هكذا، استنتج ممثل من قرية بترونة في مداخلته خلال اجتماع مجالس القرى و الجامعة: "تاقبليت، هي مشروع مجتمع". تقباليت، هي فيما هو أبعد من اللغة، "القبايلية" أي في الحقيقة الإيتوس التقليدي. انظر لاسيما شروحات:

in Mammeri, M., et Bourdieu, P., « Dialogue sur la poésie kabyle », op.cit.,

[64] معجم لاروس يعرف الاجتماع السري على أنه "اجتماع الكردنالات من أجل انتخاب البابا". كان يمكن لـ تجماعت نتودارت Tajm’at n tudert )مجلس القرى( أو أنجماع anajma’ )الاجتماع أو المجلس الكبير( أن يكون أكثر ملاءمة في سياق معاودة استعادة الهوية.

[65] لفظ "الخائن" مستعمل في الغالب من أجل الإشارة إلى الذين يعبرون علانية عن وجهات نظرهم. هؤلاء معينين للعقاب الشعبي بواسطة الإعلان المنشور. التسجيلات التلفزيونية للمداولات في "الاجتماع السري" و التي يمكن أن تعلن على الملأ، هي وسيلة قوية لتعيين "المعاندين" récalcitrants للعقاب الجماعي. 

[66] لقد تابعنا مثلا مسيرات طلاب ثانويات تيزي وزو، و هي على العموم مختلطة، تعبر لهجتها عن الحرية أو عن تنشئة اجتماعية حديثة تفوز فيها الرفقة بشكل واسع على كل رابط آخر للانتماء (القرية...).

 [67]يضع "يوم المدن و القرى الميتة" لـ 4 جويلية 2001 أمام النظر الأضرار الخطيرة التي مست حرية حركة الأفراد. و يُبين بالضبط الوضع على القائمة السوداء و النداءات العلنية الهادفة إلى عقاب (بالعزل) "المتحاورين" في حضن CADC خلال شهر جوان، جويلية. إضافة إلى صفة "الخونة" (الخبيث)، علاوة على ما تشير إليه من تحيين العقوبات التقليدية المخلة بالشرف، فإنها تبين بالضبط إفلاس الحرية و التعديلات الإجبارية التي يفرضها الأفراد على أنفسهم من أجل التأكيد على انتمائهم إلى الجماعة.

[68] يمكننا بلا شك أن نستخرج من هنا و هناك و جهات نظر متناثرة في الصحافة و لكن ليس من المداخلات المنهجية، الظاهرة و النقدية بصراحة. و لكن التي تجرؤ إذا على تحدي "الرأي الجماعي"؟

[69] أن نستقيل يعني أن نتخلى عن مهمة و في هذه الحالة، المهمة الأولى للمثقفين هي إنتاج المعنى.

[70] ما يمكن أن نفهمه في لحظة المواجهة الأكثر درامية من شهر ماي و جوان 2001. و لكن فيما هو أبعد، من الصعب مفصلة هذه الوضعية مع متطلبات المواطنة.

[71] من الممكن أن تكون وضعية الممثل تعود أيضا إلى المنزلة و إلى الكفاءة بواسطة المعرفة، و لكن هذه العناصر ثانوية بالنظر إلى أولوية الانتماء إلى الجماعة القروية أو إلى الحي الحضري.

[72] المدعوم من طرف حيه و الذي لا يتباهى أبدا بمكانته كأستاذ في جامعة تيزي وزو.

[73] هذا الاجتماع حصل في 8 ماي 2001 بمبادرة تنسيقية المجتمع الجامعي.

[74] كانت مظاهرات النساء في تيزي وزو و بجاية استثنائية و منتظمة. إنها لا تثبت قاعدة إقصائهم شبه الكلي من فضاء التعبير العمومي و من سلطات التشاور أو "القيادة".

[75] يجب بلا شك قياس تأثير هذه الكوارث الناتجة عن المجادلة حول أجور النواب و أعضاء مجلس الشيوخ.

[76] مُتعرف عليهم أكثر على أنهم دسائس و ضربات مؤذية على صورة البزنس الجديد و الممارسات الجديدة للحصول على الثروة بواسطة الريع و الاقتصاد غير الرسمي.

[77] تربط CADCلولاية تيزي وزو مثل تنسيقية ما بين الولايات interwilayas صفة الممثل ليس بعقد أو نظام داخلي و لكن بقانون الشرف.

[78]مبادئ مديرة للـ CADC لولاية تيزي وزو. أزفزن في 06/07/2001 و أسي-يوسف في 12/07/2001.

[79] شرح أرضية القصور. لربع ناث إراثن Larbaa-Nath-Irathen في 31/10/2001.

Text

PDF

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact