زمن التعليمات أو تناقضات كرة القدم الكولونيالية في الجزائر (1928-1945)

زمن التعليمات أو تناقضات كرة القدم الكولونيالية في الجزائر (1928-1945)

بلغت كرة القدم ضفاف البحر الأبيض المتوسط ما بين حدود نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، و يبدو أن الجزائر قد أدركتها هذه الرياضة سنة 1897 بخاصة، لما نشأ، ضمن البيئة الأوروبية، النادي الرياضي لحرية وهران (CALO)[1]، و في منطقة هي، فضلا عن ذلك، خاضعة أشد الخضوع للنفوذ الكولونيالي (أي الغرب الجزائري). و سترى النور، فيما بعد، العديد من النوادي بمختلف جهات الوطن و لكن بتشجيع من قبل الأوروبيين. و بإمكاننا، مع ذلك، الإشارة إلى بعض الجمعيات المسلمة القليلة التي تم تأسيسها آنذاك و من بينها جمعية مدينة معسكر في مارس 1913[2]. و قد طبعت هذه الهيئة ذات التكوين الأهلي- التي لا ترفض مبدأ الاختلاط مع الأوروبيين - كرة القدم الجزائرية منذ نشأتها الأولى بطبيعة الحال: تجمع إذا بهذه النوادي اللاعبون ذوو الأصل الفرنسي و الإيطاليون في الجهة الشرقية (قسنطينة) و الإسبانيون في الغرب الجزائري، كما أنشئت فرق مالطية: و أيضا فرق يهودية و "صهيونية"[3].

و يبدو أن تكاثر هذه الجمعيات كان، قبل انفجار الحرب العالمية الأولى، ذات أهمية بالمقارنة مع الظروف القائمة آنذاك، و قد رافق ذلك تنظيم المباريات الأولى، و منذ سنة 1913 جرت أول بطولة كروية حقيقية للجزائر.

و مع ذلك، فقد ظلت هذه المنافسة، على الرغم من شدتها و انضمام بعض الجمعيات الرياضية الجزائرية لإتحاد الجمعيات الفرنسية للرياضات البدنية (USFSA)[4] غير رسمية بشكل واسع. و لم يتم الإدماج الحقيقي للمنافسات الفرنسية، أو على الأقل ضمن الهيئات الوطنية، إلا غداة الحرب العالمية الأولى لما انخرطت الفرق الجزائرية في الفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم (FFFA)[5]، وقد تجمعت في ثلاث اتحادات[6] و انضمت سنة 1920 رفقة نظيرتيها المغربية و التونسية للبطولة الإفريقية و هكذا تم تنظيم، و لأول مرة كأس إفريقيا الشمالية سنة 1930. و لعل المستحدث والملفت للانتباه الذي ظهر بعد الحرب، يكمن في بروز فرق مسلمة عديدة نسبيا بالنظر للمرحلة السابقة، أي حوالي 18% من مجموع النوادي التي كانت تمارس نشاطاتها فيما بين 1923 و 1924. و من بين الجمعيات المسلمة التي تأسست في تلك الفترة، يمكن أن نشير إلى مولودية الجزائر العاصمة (MCA)، و هو أول نادي مسلم انخرط في الديمومة منذ نشأته في 7 أوت 1921. و لعل اختيار المولودية للونين "الأخضر و الأحمر"[7] يدفع بالقول إلى أنها لم تكن تنوي الاكتفاء بتشكيل ناد بسيط لكرة القدم في المستقبل، حتى و لو أن الدوافع التي كانت وراء ذلك في تلك المرحلة انحصرت في الجانب الرياضي و حسب[8] مثلما يُذكر بذلك يوسف فاتيس. و قد كان الإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران (USMO)، الذي نشأ في الفاتح من ماي 1926 من خلال انضمام و اندماج مجموعة من الجمعيات، يسعى لمواجهة العديد من النوادي الأوروبية التي كانت تشكل أقلية كبيرة في هذه الجهة من الوطن، كما كانت تمثل الأغلبية في محافظة وهران بالتحديد، هذا دون أن ننسى النادي الرياضي القسنطيني الذي كان أكبر ناد في البلاد تأسس سنة 1926[9].

كما تميز لدى الأوروبيين، النادي الرياضي لمدينة بلعباس (SCBA) بحصوله على بطولة شمال أفريقيا سبع مرات، وكان بذلك خصما عنيدا للإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران و للجمعية الرياضية لسانت أوجين الجزائر العاصمة (AS Saint-Eugène)، و الجمعـية الرياضــية لبـونــة (AS Bône) و الراسينغ الجامعي الجزائري (RUA) نادي أبناء الطبقة الأرستقراطية الكولونيالية[10]، و هو الأمر الذي لم يمنع، في أحد الأيام، ألبير كامو الشاب و هو ابن حي بلكور الفقير، من الالتحاق بهذا النادي المشهور.

و يبدو جليا، بالنظر للوضعية الكولونيالية آنذاك، أن تشكيل فرق مسلمة مدعوة للدوام كان يتجه بوضوح في اتجاه آخر، و لو أن هذه الفرق الأخيرة التي كانت لا تزال تتموقع في العشرينيات من القرن الماضي ضمن منظور مناصرة الأسرة المالكة بفرنسا، فإنها كانت تقدّر أنه بإمكان كرة القدم أن تمثل وسيطة قوية لنقل التوجهات الهوياتية و تثبيتها. و هكذا و بسرعة بدأت المقابلات الرياضية بين الفرق الأوروبية و الإسلامية تأخذ طابع المواجهات العنيفة أحيانا - سواء على مستوى المدرجات، مبرزة إحدى التناقضات الكبرى التي كانت تتسبب في طرح مشاكل مستعصية للسلطات الفرنسية التي سعت في السنوات اللاحقة لحلها بشكل أو بآخر. تمنت هذه الأخيرة من جهة، تطوير الرياضة باعتبارها وسيلة للتحكم في السكان؛ و قد صرح بذلك الجينرال قيرو (Guiraud) ذاته، الذي كان قائدا للقسم العسكري لمدينة وهران قائلا بوضوح: لا بد أن تكون الرياضة الرباط الذي يسمح بتوحيد الفرنسيين و المسلمين حول الرغبة ذاتها المتمثلة في الفوز و في الطموحات النبيلة، و ذلك بالقضاء على كل صراع ديني أو عرقي[11]. و لكن من جهة أخرى، كانت هذه الرياضة- و في مقدمتها كرة القدم- قادرة على أن تأخذ مسارا سياسيا واضحا و تعيد النظر في التواجد الفرنسي: إن مجلس الإدارة [لجمعية هلال- رياضة] الذي يشارك فيه أعضاء سابقون لحزب الشعب الجزائري [...] قد لا يكتفون في المستقبل بالبقاء في ممارسة الرياضة فقط[12]، إذ أن انتصار فريق مسلم على فريق أوروبي في الملعب، قد يأخذ دلالة أخرى مختلفة عن الدلالة الرياضية. و بالتالي أصبحت تطرح مسألة مراقبة النوادي و الجمعيات - إن لم يتعد ذلك إلى المباريات - من قبل الجهاز الإداري و البوليسي، و هو الأمر الذي يدفع بهذا الأخير إلى التدخل في ممارسة كرة القدم بداية من نهاية العشرينيات دون أن تشعر الفيدرالية الفرنسية لكرة القدم حقيقة بالانزعاج من هذا المسعى ذي الطابع السياسي السافر في المجال الرياضي، ذلكم في الوقت الذي كان فيه تشديد الخطاب على استقلالية الهيئات الرياضية عن نظيراتها السياسية يبنى بشكل واسع الحقل الرياضي، لكن دون الحقل الرياضي الكولونيالي بوضوح.

و بإمكاننا التذكير بسرعة من خلال محافظة وهران، مهد كرة القدم بالجزائر، بالسياسة المتبعة من قبل سلطات الجزائر الفرنسية؛ إذ تنقسم إلى ثلاث فترات: أولا فترة التشريع القمعي (1928-1936) و تأتي بعدها فترة التسوية (1930-1936) وأخيرا الفاصل الزمني القصير لحكومة فيشي (Vichy) المتمثل في فترة التنازل (1945)، دون أن يمنح هذا التسلسل التاريخي انعدام بعض التشابك بين الفترات.

كان ذلك غداة وقوع أحداث عنيفة خلال بطولة جمعية قسنطينة و التي شكلت، فيما يبدو، تفاقم واضح لمسار المواجهة، مما دفع بالحاكم العام للجزائر في 20 يناير 1928 إلى إصدار التعليمة رقم 1513-ب التي تمنع منعا باتا اللقاءات بين الجمعيات الرياضية التي تتكون من الأوروبيين والجمعيات التي تتكون من الأهالي[13]، كانت تهدف هذه التعليمة، فضلا عن هذا الإجراء، إلى التحاق الجمعيات الأهلية بنظائرها الأوروبية، و هو الأمر الذي يدفع بالفعل إلى الزوال التام لكل الجمعيات المسلمة.

و لأجل ذلك، كان الحاكم يحث السلطات المحلية المعنية باستعمال نفوذها و بسط كل تأثيرها لجعل العنصرين يندمجان[14].

و مع ذلك، لم تأخذ في البداية هيئات كرة القدم، و على رأسها الجمعية الوهرانية لكرة القدم[15]، بعين الاعتبار التعليمة الشهيرة، مما دفع بالمحافظ، فيما بعد، إلى تنبيهها[16] مشيرا في ذات الوقت إلى وجود قوة سلبية لا تأتي من الجمعيات المسلمة فقط. و فضلا عن ذلك، لم تتحقق النتيجة المأمولة، بحكم أن عدد الجمعيات المسلمة قد بقي مرتفعا، و إدراكا منه بصعوبة الحصول على ما كان يرغب فيه في أقرب وقت، سعى المحافظ، و دون التعطيل الكلي للمنافسات، إلى تجاوز الصعوبة من خلال فرض- بواسطة تعليمتين مؤرختين في 22 ماي 1930 و في 31 أكتوبر 1935- حصة ثلاثة لاعبين أوروبيين على الأقل، ثم حصة خمسة لاعبين في الفريق الأهلي الذي يلعب المباراة فعليا، لكن الهدف النهائي لم يتغير، أي الحصول على الانصهار بين الجماعتين. و قد تم - في هذا المجال -، تحقيق بعض النجاح، من قبل السلطات مثلما جرى في مدينة مستغانم و تلمسان و معسكر، لكن بعد ضغوطات متعددة، مما دفع بالجمعيات المسلمة إلى حل هيئاتها و الذوبان في النوادي الأوروبية.

و لإتمام الصرح في النهاية، جدد الحاكم العام أوامره بصرامة للمحافظين بمنع كل لقاء تشارك فيه فرق خالفت قانون الحصص، و هكذا لم يتم إجراء المقابلة التي كانت ستجمع بين فريق بلعباس (FC Belabésien) و النجم المسلم في 12 مارس 1931 و الشئ نفسه حصل[17] في 29 مارس 1936 بالنسبة للإتحاد الرياضي المسلم لوهران (USMO) الذي كان من المفروض أن يتقابل في ذلك اليوم مع النادي الرياضي لحرية وهران[18] و القائمة لا زالت طويلة. و مع ذلك، لم يذهب النجاح الذي حققته السلطات الحاكمة بعيدا. و لعل تزايد المعارضة الصادرة من مختلف الأوساط و تجاوزها بشكل واسع البيئة المسلمة، ضد هذه التعليمات المتعددة كانت قد تنجرّ عنها مضاعفات سياسية، مما دفع بالسلطات إلى التريّث. و قد تمّ تعليق العمل بالتعليمة رقم 1513-ب منذ سبتمبر 1934، و ذلكم خلال كل الفترة التي استغرقتها بطولة 1934-1935، و بطبيعة الحال فقد ذكّرت السلطات مع بداية الموسم اللاحق بنيتها الحازمة في تطبيق القانون[19] و منعت بذلك بعض المباريات، لكن و كما يبدو أن المعركة قد أخذت مجرى آخرا. إذ أصبحت الإدارة الفرنسية تواجه، بالإضافة إلى النوادي المسلمة، عداء صريحا من قبل الجمعية الوهرانية لكرة القدم، و بغض النظر عن التناقضات التي كانت تميز هذه الإدارة، فقد ضاعف من انزعاجها موقف بعض رجال السياسة ذوي الأصول المختلفة. و من بين النوادي التي قاومت بشدة هذه التعليمات المتعددة، نذكر هلال نادي السيقلي (Croissant Club Sigois) و بالأخص الإتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران. كان هذا الإتحاد من النوادي الكبرى، إذ كان يضم في صفوفه 900 شريكا تقريبا، و معتمدا من قبل وزارة الحرب في 9 أكتوبر 1932 و تابعا للفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم و لفيدرالية أخرى (FFBB). و يمكن في هذا الصدد تعداد مجموع الجوائز و المكافآت التي حصل عليها الإتحاد، و هو أمر عظيم، إذ أنه تحصل على لقب بطولة القسم الشرفي و شارك في المباراة النهائية لكأس أفريقيا الشمالية سنتي 1933 و 1935[20] كما تم اختيار في سنة 1933 أحسن عناصره للمشاركة في منتخب الغرب الوهراني الذي واجه منتخب الأسطول البحري الإنجليزي و فريق الأوراديا (L'Oradea)، بطل رومانيا[21]. كما كانت حصيلة الإتحاد جيدة كذلك في الأقسام الدنيا، إذا انتزع لقب بطولة الغرب الوهراني لقسم الترقية سنة 1927، فبلغ بذلك قسم الامتياز، و لإكمال بشكل جيد هذا الفوز العظيم، فقد انتزع فريقاه (الأصاغر و الأشبال) كليهما البطولة سنة 1932. و لم يكن ممكنا، مع ذلك، مؤاخذته على اندساس عناصر نجم شمال أفريقيا[22] أو أية حركة سياسية قومية في صفوفه، بل بالعكس، لقد كان يتكون ربع لجنته المديرة تقريبا من الأوروبيين و رئيسه كان أيضا أوروبيا، و محاربا قديما في حرب 1914، و فضلا عن ذلك عضوا في صليب النار (Croix de feu). كل هذه المميزات، تجعلنا لا نندهش من تمسك الإتحاد بخطاب يلتزم في العمق بالدفاع عن شرعية الأسرة الحاكمة (discours légitimiste) إذ يقول : تسعى كل مجهوداتنا لبلوغ هدف نبيل يتمثل في تكوين شباب قوي و سليم يكون جديرا باحترام أبكاره البواسل الذين دافعوا عن الأرض المقدسة لأمّنا التي تبنتنا و هي فرنسا. يمكننا ضمن اللقاءات الرياضية أن نتعلم كيفية التعرف بشكل جيد على بعضنا بعض، و تزداد أواصر المحبة و الأخوة، كل ذلك في وثبة الابتهاج المشتركة. إننا نمارس الرياضة، لكنها رياضة فرنسية لا تكتنفها أية شائبة[23]. لكن ظل الإتحاد مع ذلك ناديا يلتحق به المسلمون بالدرجة الأولى، مما يجعل منه رمزا نشيطا للجماعة المسلمة حيث لم يسع الأوروبيون للانخراط ضمنه، بل كان ذلك بعيدا عنه بالمرة[24]. و عليه كان النادي يشكل خصما عنيدا للسياسة الحكومية، إذ كان يطالب المحافظ بتعليق عملية تطبيق التعليمات. و لم تكن السلطات، في البداية، تعير أدنى اهتمام لهذا المطلب، لكنها تراجعت فيما بعد و قررت العمل على استثناء هذا النادي بالموافقة على منحه، ولمدة سنة (أكتوبر 1935- أكتوبر 1936)[25] إمكانية مخالفة القانون فيما يخص حصص اللاعبين الأوروبيين، ذلكم بحكم أن النادي برهن على تمسكه العميق بالقانون و أن النتائج التي سجلها شهدت بشكل كبير على جدية التزامه بالرياضة فقط.

لكن ذلك الأمر لم يدم، فالإتحاد الرياضي المسلم الوهراني قد أعتقد أنه وجد الإجراء المناسب من خلال إدماج اليهود الذين حصّلوا على الجنسية الفرنسية ضمن صفوف فريقه الأول، مستغلا في ذلك الحل الذاتي الذي عرفه النادي الأولمبي لكرة القدم لمدينة وهران (Olympique football club d'Oran)، المتكون في معظمه من الإسرائيليين، إذ أحال مجموعة من اللاعبين إلى الاستيداع، مما دفع بحوالي ثلاثين منهم إلى الالتحاق بالإتحاد. لكن سرعان ما خابت الآمال، لأنه و كما يبدو، أن المحافظة قد أومأت إلى أن اليهود و حتى أولئك الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية لا يمكنهم بأي حال من الأحوال استخلاف الأوروبيين. لقد كان هذا القرار مفاجئا للغاية، بحكم أن الفرق الإسرائيلية لم تكن ملزمة بإدماج ضمن صفوفها اللاعبين الأوروبيين، و هو الأمر الذي أثار الرأي العام: بإمكان الجمعيات أن تشكل فرقا تتكون من اللاعبين اليهود دون غيرهم، أن تشارك في المباريات، أن تتسبب في الأحداث، دون أن تجد الإدارة نفسها ملزمة بالتدخل[26].

و ربما كانت مثل هذه المواقف تمثل كيفية من الكيفيات لإعادة النظر- كما يبدو- بشكل مسبق و غير مباشر في مرسوم كريميو (Crémieux)[27]؛ و هو الأمر الذي لا يمنعنا من الانتباه إلى التأويل الإيثني (العنصري) ذي الطابع المتشدد لتعليمتي سنتي 1928 و 1930- إذ أن اليهود الجزائريون كانوا يعتبرون من الأهالي بالمعنى الدقيق للكلمة- مما يكشف عن الوجه المموّه من وجوه معاداة السامية لأوروبيي الجزائر: أي الإنكار المطلق على اليهود صفة المواطنة الفرنسية.

نتذكر، في هذا السياق، أنه قد تمت مراجعات غير بعيدة من حيث الزمن، في مجالات أخرى، لتدل على انبعاث مفاجئ لمعاداة السامية المرتبطة بالظرف السياسي التي عاشته الجزائر في الثلاثينات[28]، و هكذا قام رئيس بلدية سيدي بلعباس سنة 1938، بشطب أسماء المئات من اليهود من القوائم الانتخابية للبلدية التي كان يرأسها[29]. و من المفارقات العجيبة التي تم بلوغها في حالة الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني، أنه تم منع مواطنين فرنسيين من ممارسة رياضة على أرض فرنسية و ذلك لسبب وحيد، أنهم لا ينتمون لفئة الأوروبيين، مع أن هذه الفئة الأخيرة لا تملك أي أساس قانوني. و على العموم، فقد كان منع الفرق المسلمة من اللعب يعود على نحو ملموس للسبب ذاته، و بخاصة إذا كانت هذه الفرق تضم في صفوفها أهالي ذوي الجنسية الفرنسية- و قد كان الحصول على الجنسية الفرنسية شيئا نادرا في المجتمع المسلم و بالأحرى فقد كان يتعذر ذلك، وفي عالم كرة القدم كون أن هؤلاء قد وجدوا أنفسهم يواجهون احتقارا معينا، إذ تم وضعهم في الدرجة الثانية من المواطنة، حيث تفوقت صفة الانتماء الأهلي على صفة المواطن. وقد طاب لمحيط الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني من تسجيل هذا التناقض بمناسبة مجيء إلى مدينة وهران لجمعية إيطاليا (Italia) التونسية، لأجل إجراء المنافسات النصف- نهائية لكأس أفريقيا الشمالية.

و قد تعوّد هذا الفريق، المتكون أصلا من لاعبين ذوي الجنسية الإيطالية، بأداء بشكل سافر ومزعج التحية الفاشية لدى دخوله الميدان: بإمكان أن تقام التظاهرات، إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض التأويلات الرائجة في أوساط أهالي مدينة وهران التي تؤكد على أن هناك لاعبين أجانب سيمارسون كرة القدم بكل حرية في المدينة حيث يمنع الأهالي الفرنسيين من ذلك[30]. حينئذ لمّحت حاشية الإتحاد، سواء بفرض الاستفزاز أو لدفع الحكومة العامة إلى أقصى التناقضات التي تميز ممارساتها، إلى إمكانية إدماج لاعبين ألمان و (هكذا يمكنها) أن تجري المباريات التي تُمنع خلالها، لما تستدعي لاعبين أهالي، على الرغم من كون هؤلاء مواطنين فرنسيين[31]، بحكم أن الألمان أوروبيون فعلا! و هكذا تراجعت الحكومة العامة، لما أدركت الوضع المحرج الذي وضعت نفسها فيه، هذا بالإضافة إلى الأبعاد الخطيرة و المفترضة التي قد تأخذها هذه القضية، و بخاصة بعد انتصار الجبهة الشعبية بفرنسا، إذ سمحت في النهاية، للجمعيات الأهلية بإلحاق ضمن صفوفها، الأهالي والإسرائيليين ذوي الجنسية الفرنسية و أبناء المتجنسين لاستخلاف اللاعبين الأوروبيين[32]، و ذلكم بواسطة إصدار التعليمية رقمCM 5599 المؤرخة في 8 سبتمبر 1936، و هو الأمر الذي يلغي و يبطل فعليا العمل بمجموع التعليمات التي استصدرت من قبل.

و من الجلي، أن الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني قد لقي دعما قويا من لدن نظرائه سواء من فئة الأهالي أو من فئة الأوروبيين و حتى داخل هيئة (La LOFA) في معركته مع السلطات. كما أدركت النوادي الأوروبية بشكل واضح، أن حرمان النوادي المسلمة من المشاركة في المباريات، قد يفقد هذه المنافسات الرياضية طعمها و جاذبيتها، و لهذا لم نجد منهم من حاول الاستغلال الرياضي لهذا الوضع إلا نادرا، هذا بالإضافة إلى أن التسيير المالي لبطولة مقزمة قد أصبح صعبا. ومما جعل الأمور تأخذ هذا المجرى، كون أن السلطات كانت تملك منذ البداية موقفا غامضا، تتحكم فيه التقديرات التي يكوّنها في الميدان رؤساء الدوائر و محافظو الشرطة القائمون على تسيير واقع ميزان القوى و المنشغلون بتجنب كل ما من شأنه أن يثير الأحداث، وذلكم بالإقلاع عن تطبيق هذه التعليمات التي هي في الأصل كانت ترمي إلى حظر كل هذه الأمور.

 و يتجلى ذلك عبر التناقضات العديدة التي ميزت ممارسة السلطات، إذ أنها كانت تمنع مباراة من هنا – مثلما وقع في مدينة سيدي بلعباس سنة 1931 و تسمح لإجراء مقابلة من هناك – مثلما وقع لمباراة التي جمعت بين الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني و الجمعية الرياضية لسنات أوجين (l’.A.S Saint-Eugène) في فبراير 1931 – أو بقبول إجراء منافسة يشارك فيها أوروبيان اثنان فقط ضمن الفريق الأهلي مثلما جرى في مدينة عين تموشنت في أبريل 1931، و بالموافقة على مخالفة القانون لإحدى الفرق (USMO) و برفض ذلك بالنسبة لفريق آخر (الاتحاد الرياضي لتيارت USM.Tiaret)، كل ذلك لأجل ضمان عملية إلقاء ظلال التحريف، في نهاية المطاف على البطولة، لكن كان ذلك دون جدوى. و عند الاقتضاء، مواجهة التهم المنسوبة للإدارة من قبل النوادي التي عوقبت بشكل مضاعف (بواسطة التعليمات أولا و برفض منحها إمكانية مخالفة القانون). هذا بالإضافة إلى أنه من المفيد التذكير الوضعية الحرجة التي ميزت رابطة وهران التي عرفت نوعا من عدم الاستقرار نتيجة الانتقادات الشديدة التي قوبلت بها منذ سنوات خلت من قبل الفرق الرياضية. و ضمن هذا المضمار، انشقت غالبية النوادي الوهرانية فعلا و أسست فيديرالية شمال أفريقيا لجمعيات كرة القدم (FNAFA)[33]، من أجل محاربة ما عرفته جمعية (La LOFA) من ممارسات تميزت بها تسلطية غاستون ليسبون (Gaston Lisbonne) رئيس فريق مدينة بلعباس (SCBA) الذي كان عضوا بارزا ضمن هذه الهيئة، و قد تم تجاوز هذه المحنة المؤذية بنقل مقر الجمعية (La Lofa) من سيدي بلعباس إلى مدينة وهران[34].

و قد أصبح بذلك من البديهي أن لا تتعرض بطولة الغرب الوهراني إلى أزمة أخرى بمثل حجم الأزمة السابقة. و هكذا، تم في سبتمبر 1936، خلال انعقاد الجمعية العامة ( للالوفا) التصويت بالإجماع من قبل المشاركين الذين يمثلون 80 ناديا على اقتراح يدعون فيه هذه الهيئة إلى التوجه للسلطات العامة و السعي للحصول على إلغاء هذه التعليمات المختلفة، و هو ما تم بالفعل في الأيام القليلة التي تبعت هذه التجمع.

 و حتى الصحافة قد اتخذت موقفا واضحا و حاسما إزاء هذه التناقضات، فبينما كانت بعض الصحف تُصّر في حديثها عن النتائج المضرة على المستويين الرياضي و السياسي التي يمكن أن تصدر عن تطبيق هذه التعليمات: إذ لم ينتبه أي أحد لهذا القرار الجسيم الذي ينزع، حينئذ إلى تعميق الهوة بين عنصرين من السكان يتعلق كل منهما - على حد السواء- بالرياضة أشد التعلق [...] يمكننا القول أن هذا الأمر يسئ يشكل كبير إلى سمعة اللاعبين الأهليين الذين هم بمنأى عن ذلك ولا يستأهلونه[35]، لكن صحيفة "لوراني سبورتيف" (L'Oranie Sportive) فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ لاحظت أن هذه الأجواء الضبابية هي مؤامرة رياضية تحاك من قبل النوادي الأوروبية التي يسعدها التخلص بسهولة من بعض الخصوم العُنُد[36].

و بالطبع لم تتأخر النتائج السياسية في الإعلان الفعلي عن نفسها، إذ لا يمكن للأمور أن تعاكس هذا التوجه ضمن النظام السياسي الجزائري الذي يعتمد الولاء في تسيير أموره، فقد تعددت طلبات و تدخلات المنتخبين في جميع المستويات، جاعلة من تطبيق التعليمات أشد تعقيدا مما كان ينبغي لها. و يكفي أن نستدل بثلاثة أمثلة لتوضيح ما نود الحديث عنه. و في هذا المضمار، نجد أولا أن تدخل المستشار العام السيد باسكال موزيلي (Pascal Muselli) لدى الحاكم العام في يناير 1931 بمدينة معسكر، هو الذي سمح برفع الحظر و من ثم إجراء المقابلة، أما ثانيا فقد طالب في شهر أوت من السنة نفسها، المحامي غاستون ليسبون (Gaston Lisbonne) بصفته مستشارا عاما لمدينة بلعباس و مقررًا للجنة الاستشارية للتربية البدنية التابعة للمحافظة، رسميا من الحاكم العام إلغاء تعليمتي سنة 1928 و سنة 1930، اعتقادا منه أن الاضطرابات التي تحدث بين النوادي التي تتشكل من الأوروبيين فقط، لا تقل عددا و عنفا عن الأحداث السابقة، إذ يكفي - في نظره - الطرد النهائي من الميدان لمن يستعمل العنف من اللاعبين، لكي تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي نوعا ما[37]. و أخيرا تمت المصادقة بالإجماع على الاقتراح الذي ينصّ على الحصص، حتى من قبل رئيس البلدية المتشدد في معاداته للسامية، القس لامبير (l’abbé Lambert)، خلال جلسة استثنائية للمجلس البلدي لمدينة وهران، جرت في سبتمبر 1935، و قد تقدم بالاقتراح م. مكي و المستشارين البلديين المسلمين.

و على الرغم من الإزعاج الذي تسببت فيه هذه التدخلات، إلا أنها كانت تقبل نسبيا لكونها تصدر عن هيئات و عن رجال على علم بما يجري، بالإضافة إلى كونهم مندمجين في النظام. أما فيما يتعلق بالحزب الشيوعي الجزائري، فإن الأمور كانت تختلف، إذ أنه وجد في هذه التحركات فرصة إضافية لكي يخرج من عزلته السياسية بشكل سريع، و قد باشر ذلك منذ زمن قريب و في ظرف ملائم بشكل خاص (مارس- جوان 1936). و هكذا نجده يسعى بكل جدية للاجتماع بمسيري الإتحاد الرياضي المسلم الوهراني، و القيام بحملة إعلامية عن طريق الصحافة المكتوبة تدعو لإلغاء التعليمات، و محاولة الدفع بتنظيم الشباب الشيوعي للعمل في هذا الاتجاه في الجزائر قاطبة، و من ثم استغلال هذه المناسبة لتمرير خطابه السياسي الذي ربط بين المسألة الرياضية و الواقع الكولونيالي، إذ يصرّح: نطالب بتدخل الجبهة الشعبية لكي تلغي هذا المرسوم و قانون الأهالي [..] إننا نرغب في تحسين أوضاع السكان المسلمين؛ انظروا إلى روسيا و قارنوا بين روسيا القيصرية وروسيا السوفياتية؛ ستجدون أن 30 مليونا من المسلمين قد استفادوا من المكاسب الإيجابية التي حققها الحزب و يقضون حياة كلها سعادة و هناء في ظل النظام الشيوعي[38]. حتى و إن كانت نشاطات هذا الحزب تملك قدرة معينة على إزعاج السلطات، فإنها كانت، في الأساس، تقتصر على طبع بعض المناشير السياسية و توزيعها و نشر المقالات في الصحف؛ و لعل اختيار الشيوعيين إعطاء الأولوية في مساندة الإتحاد (USMO) الذي يشرف عليه مناضل من "صليب النار" نجدهم قد أخطأوا حقا في اختياراتهم الإستراتيجية. و في ظل هذه الأجواء المثيرة للحماس و التوتر التي طبعت تحضيرات الانتخابات التشريعية لشهر ماي- جوان من سنة 1936، لم تمنع كل هذه الأمور من إبراز، عدم ملاءمة نشاطات الحزب الشيوعي الجزائري، فضلا على أنها كانت تؤشر، بشكل من الأشكال، على الفشل التام للسياسة الحكومية التي شهدت آنذاك أن بعض التنظيمات و الهيئات المتعددة التوجهات مثل الحزب الشيوعي الجزائري و البلدية المعادية للسامية لمدينة وهران قد تحالفت ضدها. و لعل الصعود المؤثر و القوي للوطنية الجزائرية، كان يقلق الإدارة أكثر منه غيره، إذ أن هذه الحركة كانت آنذاك، تفصح عن آراءها من خلال تنظيم نجم شمال إفريقيا الذي كان يقوده الزعيم المؤثر مصالي الحاج، ابن مدينة تلمسان، الذي عاد إلى الوطن في أوت 1936، بعد غياب دام ثلاثة عشر سنة[39]، ليقوم بتعبئة الجماهير في مدرجات الملاعب و يلقي فيهم خطابات حماسية. و قد شكلت سنة 1936، لدى المسلمين، تقدما سريعا و حاسما لمسار تحديد هوية "النحن" مقابل "الهم" المستعمرون[40]، الأمر الذي سيؤدي بشكل خاص إلى تأسيس بباريس حزب الشعب الجزائري في 11 مارس 1937، بقيادة مصالي. و يتجلى هذا التطور السياسي المتسارع، خلال سنوات 1936 – 1939 على وجه الخصوص، بإنشاء نوادي كبرى ذات الإنتمائي الجماعاتي الواحد (monocommunautaires) ومنها اتحاد مدينة تموشنت (USMT) سنة 1937، حينئذ كانت التعليمات تهدف إلى حظر تأسيس النوادي و إلى تذويب الهوية المسلمة في النوادي الأوروبية لجعل كل إثبات وطني مستحيلا. و في هذا الباب، كان الفشل واضحا أيضا، و أضحت الانعكاسات المؤذية لهذه العملية أكثر خطورة من اللازم. و ليس من الغريب و المدهش، أن تكون السنوات اللاحقة حينئذ موسومة بإرادة السعي للتهدئة بجلاء و قوة كبيرتين، هذا على الرغم من أنه لم يتم آنذاك استصدار أي نص يدعو للقضاء على نظام الحصص. و مع ذلك فقد قدّرت الجمعية (لالوفا) على إثر اقتراح من أمينها العام، أنه قد حان الوقت لإقناع السلطات- بما فيها تلك الموجودة على المستوى العاصمي (باريس)- بالتخلي نهائيا عن مسألة الحصص، بحكم أن تعليمة سبتمبر 1936، لم تجد لها صدى يذكر، و ذلك لسبب بسيط، يتمثل في العدد القليل للمسلمين الذين أخذوا الجنسية الفرنسية و في استمرار الإسرائيليين تفضيل الانتساب الجماعاتي، هذا بالإضافة إلى أن التعليمة - كما يبدو- لم توزع على النوادي إلا بشكل قليل. تبنت بالإجماع الجمعية (لالوفا)، في اجتماع عام عقدته في شهر أوت 1938، قرارا يذهب في هذا الاتجاه، و بعثت به إلى كل من وزير الداخلية و الحاكم العام للجزائر و محافظ وهران[41].

و بطبيعة الحال لم تحسم نهائيا السلطات بشكل رسمي هذا الأمر، و حتى في شهر يناير 1936، كان البعض منهم يفكر في العودة الفعلية لنظام الحصص في الموسم المقبل[42]. لم يكن تنصيب نظام فيشي غداة هزيمة 1940، عكس ما كان يعتقد، ليغيّر في الأمر شيئا جوهريا، عدا القمع الذي مارسه على بعضهم. و لم تتردد السلطات الجديدة، من خلال التعليمة الصادرة عن المحافظة و التي تحمل رقم 6319-PG و المؤرخة في 27 مارس 1941، في الاستجابة لرغبة النوادي المسلمة و تعليق تطبيق النصوص التي تخص حصص اللاعبين الأوروبيين، كان الهدف من وراء ذلك البحث عن تقريب أوساط الأهالي منها. لكن و في ذات الوقت، تبنت الإدارة، و بحزم مؤكد، سياسة الدمج التي تم التخلي عنها فعليا منذ سنة 1936 تقريبا، لكن ضمن منظور مختلف إلا أن ذلك كان يؤدي إلى النتائج نفسها.

تمثل إنشغال السلطات آنذاك في المراقبة و في تحقيق النتائج ذات الفعالية، و عليه فرضت حصر عدد النوادي الرياضية وفقا لعدد السكان و غالبا ما رفضت أي تأسيس لجمعيات رياضية: إن إنشاء الجمعيات الرياضية بشكل كبير يؤدي إلى تشتت الجهود التي تضر بالتطور الرياضي أكثر مما تنفعه و هي بذلك تكون مناقضة لتوجيهات (السيجيجيس- CGEGS)[43]، و كما يبدو بديهيا أن الإدماج لن يكون إلا في صالح النوادي الأوروبية. و كانت السلطات في عملها هذا، تلاقي قبولا و رضا من قبل بعض رؤساء النوادي الذين لم يترددوا، بالمناسبة، في الاستناد لذلك إلى الدوافع الوطنية، وبالتالي إلى الأحداث التي نشبت بين أعضاء سريع النادي المسلم لغيليزان (Rapid Club Musulman de Relizaine) و أعضاء الغيليزانية (La Relizanaise)، إذ صرح رئيس هذه الجمعية الأخيرة قائلا: لقد أصبح من الضروري و المرغوب فيه أن تحل الجمعيتان لأجل جذب إلينا العناصر التي تستأهل ذلك [..] و هكذا سنساعد على تنمية حب الوطن عند الشباب[44].

و بالمقابل، كانت السلطات تضطر إلى أن تظهر قسوة شديدة في قمعها للمتسببين في الإخلال بالنظام الرياضي، و من ثم بالنظام الكولونيالي، و ذلك في ظل الأوضاع التي شهدت تفاقم العلاقات بين الجماعات الإيثنية و تضاعف الصعوبات التي يواجهها النظام السياسي في كل المجالات[45].

و هكذا تم في شهر أكتوبر 1942، إثر الأحداث التي اندلعت بين اللاعبين و المتفرجين أثناء المباراة التي جمعت بين اتحاد بلعباس (USM Bel– Abbesiène) و مستغانم، حيث قامت الشرطة بإلقاء القبض على ثمانية من الشباب المسلمين ينتمون في أغلبهم إلى الفئات المحرومة، و وُجهت لهم تهمة العصيان و تم اعتقالهم، مع أن خمسة منهم سنهم أقل من خمسة عشر سنة و اثنان من هؤلاء لديهم أقل من اثني عشر سنة[46]. و لكن هذا لم يمنع مدير محافظة "ليجيس" لوهران (l'EGS d'Oran) من المطالبة بعقوبات تكون عبرة لغيرهم، لابد من الضرب بقوة و بدون شفقة[47]، إذ أنه من المتوقع أن يعاقب الاتحاد (USMBA) لوحده بالطرد من منافسات موسم 1942-1943، بعد أن تم قبل ذلك تعليق مشاركته في المباريات لمدة ستة أشهر[48]. ستتطور الأمور نحو الأحسن بعد الإنزال الأمريكي سنة 1942 و بتنصيب الهيئات السياسية لفرنسا الحرة بالجزائر العاصمة، أخذت الأمور تتجه في الاتجاه الإيجابي. إذ لم تعد الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية (GPRF)[49] النظر في تعليق سنة 1941، بل ذهبت أبعد من ذلك، أي إلى حد إلغاء التعليمات التي سبقت الحرب، بقرار من الحاكم العام في تاريخ 21 أبريل 1945، و هذا أقل ما يمكن أن يُقام في جزائر يخضع أبناءها لضريبة الدم بمشاركتهم في الحرب بأوروبا. و للبرهنة على مدى تحوّل الأمور في الاتجاه المناسب، اضطر المحافظ ذاته إلى التوضيح قائلا: لم يعد ممكنا إخضاع الجمعيات الرياضية المسلمة لقانون استثنائي (تشكيل فرق مختلطة بإلحاق بها عدد معين من اللاعبين الأوروبيين)[50]. ومع ذلك سعت الإدارة بسرعة إلى التخفيف من حدة هذا الإجراء المنصف، بسبب قيام، في غضون ذلك، الثورة الفاشلة[51] في تاريخ 8 ماي 1945.

و في هذا الشأن قد استصدرت المحافظة تعليمة مؤرخة في 25 جوان، هدفها الحيلولة دون وقوع أي حادث خلال اللقاءات التي تجمع بين الفرق ذات الانتماء الإيثني الواحد، و قد اشترطت على رؤساء الجمعيات الراغبين في تنظيم التظاهرات الرياضية الالتزام بضمان المحافظة على النظام بالوسائل المناسبة؛ و عندما يتعذر ذلك، عليهم أن يطلبوا بلا تحفظ و لا شرط من المحافظ منع المقابلة[52]، وهو الأمر الذي كان يحدث غالبا حتى حدود سنة 1947 على الأقل.

و هكذا استسلمت الإدارة الكونيالية و رضخت للأمر الواقع في نهاية المطاف، إذ تخلت عن مشروعها بإلحاق رياضيي كرة القدم المسلمين بالرياضيين الأوروبيين، لقد كان الفشل جليا على طول الخط. إذ لم تمنع التعليمات البتة، أعمال العنف في الملاعب، إذ أن هذه التعليمات قد أزعجت حتى الأوروبيين أنفسهم و سمحت بمصالحة غير منتظرة بينهم و بين المسلمين، و لو أن ذلك التصالح لم يعمّر طويلا، كما لم تكبح التعليمات جماح انتشار الشعور الوطني الجزائري الذي كانت ترمي إلى الحد من سطوته على النفوس، بل بالعكس فقد وجد هذا الأخير في هذه الإجراءات التمييزية أرضا خصبة لنموه. و الدليل على ذلك، من الناحية الرمزية، ما نقله محافظ الشرطة لمدينة تلمسان في ديسمبر 1945، أي بضعة أشهر بعد الإلغاء النهائي لنظام الحصص، لنائب المحافظ للمدينة نفسها، أنه بعد الأحداث التي نشبت بين فريق إتحاد تموشنت (USMT) و الفريق الأوروبي لمدينة بني صاف قائلا في تقريره: أن النشيد الذي كانت يردده الفريق المسلم لعين تموشنت كان يحمل عنوانا "من جبالنا" بكلمات "أحب الرجال الأحرار الذين يناسبون الاستقلال"[53].

ملحق

تعليمة رقم 1513-B

من الحاكم العام للجزائر إلى محافظ وهران، الجزائر العاصمة في 20 يناير 1928.

لقد أخبرني السيد المحافظ لمدينة قسنطينة أن أحداثا مؤسفة قد وقعت بمدينة بسكرة يوم 25 ديسمبر الأخير إثر مقابلة في كرة القدم جمعت بين جمعيتين تتشكل الأولى حصرا من الأوروبيين والأخرى من الأهالي فقط.

أقدر أنه من الأهمية بمكان أخذ كل الإجراءات الضرورية لأجل تدارك هذا النوع من الأحداث التي قد تكون نتائجها مضرة بحفظ الأمن و الطمأنينة العمومية.

و بناءا عليه، أجد نفسي ملزما بطلبكم إعطاء كل التعليمات المجدية لنواب المحافظ، لرؤساء البلديات و لكل الإداريين التابعين لمحافظتكم للقيام بالمنع الحازم للقاءات التي تجمع بين الجمعيات الرياضية التي تتشكل من الأوروبيين فقط أو من الأهالي لوحدهم أيضا.

و حبذا لو أن السلطات المحلية المعنية تستعمل ما تملكه من نفوذ و اعتبار و تسعى بكل جهودها و بكل أساليب التأثير لدمج العنصرين معا.

SIGLES ET ACRONYMES

الشعارات الرياضية الواردة في النص

A.S.B. : Association Sportive de Bône (Annaba)

الجمعية الرياضية لمدينة بونة (عنابة)

A.S. SAINT EUGÈNE : Association Sportive de Saint Eugène

الجمعية الرياضية لسانت أوجين

C.A.L.O : Club Athlétique Liberté d’Oran

نادي الرياضة البدنية "ليبارتي" لمدينة وهران

C.C.S. : Croissant Club Sigois

نادي الهلال لمدينة سيق

F.C.B.: Foot-ball Club Bélabessien

نادي كرة القدم لمدينة بلعباس

F.F.B.B. : Fédération Française de Basket-ball

الفيدرالية الفرنسية لكرة السلة

F.F.F.A. : Fédération Française de Foot-ball Association

الفيدرالية الفرنسية لجمعيات كرة القدم

F.N.A.F.A : Fédération Nord-Africaine de Foot-ball Association

فيدرالية شمال إفريقيا لجمعيات كرة القدم

L.O.F.A. : Ligue Oranaise de Foot-ball Association

الرابطة الوهرانية لجمعيات كرة القدم

M.C.A. : Mouloudia Club d’Alger

نادي مولودية الجزائر العاصمة

O.F.C.O.: Olympique Foot-ball Club d’Oran

النادي الاولمبي لكرة القدم لمدينة وهران

R.C.M.R.: Rapid Club Musulman de Relizane

سريع النادي المسلم لمدينة غليزان

R.U.A.: Racing Universitaire d’Alger

الراسينغ الجامعي لمدينة الجزائر العاصمة

S.C.B.A.: Sporting Club de Bel-Abbès

النادي الرياضي لمدينة بلعباس

U.S.F.S.A.: Union des Sociétés Françaises de Sport Association

اتحاد الجمعيات الفرنسية للرياضات البدنية

U.S.M.B.A.: Union Sportive Musulmane de Bel-Abbès

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة بلعباس

U.S.M.O.: Union Sportive Musulmane d’Oran

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة وهران

U.S.M.T.: Union Sportive Musulmane de Témouchent

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة تموشنت

U.S.M.T. : Union Sportive Musulmane de Tiaret

الاتحاد الرياضي المسلم لمدينة تيارت

من إعداد صادق بن قادة



ترجمة :

الهوامش

[1] Centre des Archives d’Outre-Mer (CAOM), AOM 13 480, Roland Hernandez Auvray, Livre d’or du football pied-noir et nord-africain : Maroc, Algérie, Tunisie, Toulon, Presses du Midi, 1995, p.31. D’autres sources penchent pour le Club des Joyeusetés d’Oran en 1894.

[2] Département d’Oran, Série continue, 3295, Déclaration de sociétés 1901-1946.

[3] Alfred, Wahl, Le football durant l’ère coloniale française, in CAOM et Association des Amis des Archives d’Outre-Mer (AMAROM), L’empire des sports, catalogue de l’exposition, Aix-en-Provence, 1992, p. 44.

[4] Union des sociétés françaises de sports athlétiques.

[5] Fédération française de football association.

[6] Oran en 1919, Alger et Constantine en 1920.

[7] Le vert, couleur de l’Islam, et le rouge, une des couleurs préférées du Prophète, Youssef Fates, Le Mouloudia Club Algérois in Jean-Jacques Jordi et Jean-Louis Planche (dir.), Alger 1860-1939. Le modèle ambigu du triomphe colonial, Paris, Autrement, Collection Mémoires, 1999, p.211.

[8] Youssef, Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste de la jeunesse musulmane pendant la période coloniale in Nicolas Bancel, Daniel Denis, Youssef, Fates, De l’Indochine à l’Algérie. La jeunesse en mouvements des deux côtés du miroir colonial 1940-1962, Paris, La Découverte, Textes à l’appui / histoire contemporaine, 2003, p.153.

[9] Certaines sources indiquent 1896.

[10] Daniel, Rivet, Le Maghreb à l’épreuve de la colonisation, Paris, Hachette Littératures, Pluriel Histoire, 2002, p.35.

[11] L’Echo d’Oran du 30/03/1936.

[12] CAOM, Département d’Alger, 1K2 Sociétés sportives, le sous-préfet de Médéa au préfet d’Alger, Médéa le 20/05/1939. Voir à ce propos Youssef Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste op. cit..

[13] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 incidents entre européens et musulmans 1929-1950, le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, copie de la circulaire 1513-B.

[14] L’Echo d’Oran du 30/03/1936.

[15] Ligue d’Oranie de football association.

[16] Par les circulaires 1289-B du 15/01/1930 ; 10318-B du 4/04/1930, 4309-B du 16/02/1931 et 28609-B du 19/04/1931.

[17] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le sous-préfet de Sidi-Bel-Abbès au préfet, Sidi-Bel-Abbès le 12/03/1931.

[18] Ibid. Le chef de la Sûreté du département d’Oran au préfet, Oran le 31/03/1936.

[19] Circulaires 3929 C.Mixte du 2/07/1935 et 13 182 du 31/10/1935.

[20] En 1933, l’USMO s’était inclinée, à Oran, contre l’US Marocaine de Casablanca (0-3) et, en 1935, contre le RUA à Alger (1-2).

[21] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2543, Sociétés 1900-1944, le président de l’USMO au préfet, Oran le 30/01/1933.

[22] L’Étoile Nord-Africaine, parti politique nationaliste ancêtre du PPA, tous deux fondés par Messali Hadj, voir plus loin.

[23] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Conseil d’administration de l’USMO au Gouverneur général de l’Algérie, Oran le 29/08/1935.

[24] Sur les 167 sociétaires de la section football, les Européens n’étaient que 25.

[25] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 18/10/1935.

[26] Ibid., le Chef de la Sûreté du département au préfet, Oran le 29/03/1936.

[27] Qui, le 24 octobre 1870, accorda la nationalité française aux Juifs autochtones d’Algérie.

[28] Á ce propos voir Jacques Cantier, L’Algérie sous le régime de Vichy, Paris, Odile Jacob, 2002, p.72 et suivantes.

[29] Ibid., p.73.

[30] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Chef de la Sûreté du département au préfet, Oran le 31/03/1936.

[31] Ibid., Oran le 29/03/1936, les Allemands en question étaient des légionnaires.

[32] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 5/11/1936.

[33] Fédération nord-africaine de football-assocaition déclarée en préfecture le 24/08/1925, CAOM, Département d’Oran. Série continue, 3295, op. cit..

[34] Hubert, Zakine, La mémoire du football d’Afrique du nord, Marseille, Phocéa, 1995, p.110.

[35] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., coupure du journal la Presse Libre du 29/12/1930, le titre de l’article était Les Indigènes et le sport.

[36] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le titre de l’article était L’art d’ameuter les gens, le 24 janvier 1934.

[37] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le préfet au président de la LOFA, Oran le 4/08/1931.

[38] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le chef de la sûreté départementale au préfet, Oran le 17/04/1936.

[39] Sur cette figure essentielle du nationalisme algérien on se reportera à Benjamin Stora, Messali, Hadj 1898-1974, Paris, Hachette Littératures, Pluriel Histoire, 2004, 299 pages.

[40] Youssef, Fates, Le club sportif, structure d’encadrement et de formation nationaliste op. cit, p. 154.

[41] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire divisionnaire au préfet, Oran le 25/08/1938.

[42] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire central de la ville d’Oran au préfet, Oran le 30/01/1939.

[43] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 3287 op. cit., le Gouverneur général de l’Algérie au préfet d’Oran, Alger le 12/07/1941.

[44] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Président de La Rélizanaise au préfet, Rélizane le 14/04/1941.

[45] Á ce sujet voir Jacques Cantier, L’Algérie sous le régime de Vichy, op. cit., en particulier les pages 180-192.

[46] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le commissaire de police du 2ème arrondissement au commissariat central de Sidi-Bel-Abbès, Sidi-Bel-Abbès le 5/10/1942.

[47] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le Directeur départemental de l’EGS d’Oran au président de la LOFA le 30/10/1942.

[48] Ibid..

[49] Gouvernement Provisoire de la République Française.

[50] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le préfet à l’administrateur de la commune mixte de Remchi à Montagnac, Oran le 18/05/1947.

[51] Benjamin, Stora, Messali Hadj, op. cit., p. 191.

[52] Ibid..

[53] CAOM, Département d’Oran, Série continue, 2955 op. cit., le 18/12/1945.

Text

PDF

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact