مسألة التاريخ في النقاش حول العنف في الجزائر

مسألة التاريخ في النقاش حول العنف في الجزائر

يحيلنا الشكل العنيف الذي تأخذه الأزمة المتعددة الأبعاد التي مرَت بها الجزائر في التسعينيات، دائما على التاريخ باعتباره عاملا موضوعيا، أي مسارا اجتماعيا واقعيا،من جهة، وباعتباره عاملا ذاتيا، أي كما يشتغل في تمثلات الذاكرة و في الممارسة الإيسطوريوغرافية من جهة ثانية. يمكنا أن نستنتج، بطبيعة الحال، أن تعدد الدلالة التي يكتسبها مفهوم التاريخ لا تطرح أساسا أي مشكل هنا، بسبب أن هذين المستويين يرتبطان ببعضهما ارتباطا حميميا، إذ أن العامل الأول لا يمكنه إلا أن يتمفصل مع العامل الثاني، كونه النتيجة المنطقية له، وبعبارة أخرى، الانعكاس المطابق له. و في هذا الصدد، لا يمكن لنا الفصل بشكل أساسي في هذه المسألة المعقدة التي تواجهنا.

و ضمن هذا النص الحجاجي القصير جدا، بإمكاننا الإسهام في النقاش المفتوح حول هذا الموضوع بذكر بعض الملاحظات، و من بين هذه الملاحظات هي أن المشكل لا يكمن أولا، في معرفة ؛ ما إذا كان العنف يفسر بالتاريخ و العكس بالعكس، بحكم أن كل ظاهرة اجتماعية قابلة بأن توضع، بشكل أو بآخر، في علاقة مع هاتين المقولتين. و إنما الأمر يتعلق بالأحرى بتحديد مدى قابلية المجتمع لمقاومة التغير، بحيث أنه يبدو محددا من قبل ماض يعاش بوصفه قدرا إذ أن انعكاساته على الحاضر (مع إضافة بداية القرن الواحد و العشرين)، التي لا يمكن أن توجد إلا بواسطة ميكانيزمات إعادة الإنتاج المتناسبة مع تلك التي تنتمي إلى الوراثة، أو إلى الاستنساخ البيولوجي. إن النظرة التي نلقيها على الماضي و التاريخ بوصفهما مسارين اجتماعيين هي في الواقع محددة في ذاتها بالانتقاءات و التقسيمات التي يقودها التاريخ ضمنها، على أساس أنه ممارسة ذاتية (أي الذاكرة وكل ما يؤسس الايسطوريوغرافيا) تشتغل هذه الأخيرة بوصفها كذلك "مرآة سحرية" (سقفريد جيديون (Siegfrid Giedion)، "مكننة السلطة")، حيث يمكن أن تستخدمها الأجيال البشرية المتعاقبة وفق ما تواجهه من حالات القلق والرغبات.

المستوى الأول: العنف الموروث عن التاريخ

لقد أشار فعليا علماء السياسة و المؤرخون، و في شكل تساؤلات مرفوقة ببعض التحفظات، أن تاريخ الجزائر مطبوع بالعنف. إذ يسجل يوسف نسيب أن "العنف قد استوطن في تاريخ الجزائر"[1]، بينما يتساءل أحمد روايجية من جهة في تقديم إحدى مقالاته : "هل يشكل العنف مع ما يرافقه من تصفيه جسدية للخصم، و من فقدان للذاكرة دون عفو عام، عوامل مكونة للتاريخ و للثقافة الجزائريتين ؟

و بعبارة أخرى هل يملك الجزائريون ميلا طبيعيا للعنف للحسم في خلافاتهم بدل اللجوء إلى النقاشات الصائبة"[2].

و في هذا الصدد يسجل من جهته وليام ب. كوانت(William B. Quandt) " تسرع العديد من المختصين في الشرق الأوسط في تفسير الصراعات الدامية في الجزائر بمزاج الشعب الجزائري، كما يقال، المؤهل من قبل تاريخ و ثقافة خاصتين"[3] و يكتب في الاتجاه نفسه لويز مارتينيز(Louis Martinez)، إذ يقول : "و هكذا فإن الحرب الحالية، بالنسبة لبعض الملاحظين لا يمكن أن تفسّر إلا بخصوصية التاريخ المعاصر لهذه الدولة الناشئة باستثناء ليبيا. و خلافا لجيرانها المغاربيين، فإن الجزائر قد تكون محكومة بشكل عميق بالعنف الذي ميز تاريخها"[4]

من الواضح إذا، أن سياق العنف الراهن قد ينسب، حسب الموقف المتخذ أو الملف المدعم، إلى السلطة السياسية أو إلى الإرهاب الإسلاموي، أو بالأحرى إليهما معا، و لا يمكن أن نقارنه مع العنف الذي عرفته حرب التحرير الوطني، و بخاصة و أن البعض يتصور أن الأزمة الحالية تتشكل بوصفها "حربا ثانية للجزائر"[5].

و بطبيعة الحال، نستطيع كما فعل الكثير، أن نجد تمفصلا بين "الحربين" من خلال إبراز الكيفية التي شكلت العشريات الثلاث الأولى من الاستقلال بوصفها مرحلة من النظام العسكري والعنف المؤسساتي الموسوم بالقمع الدامي أحيانا لكل معارضة و حتى بالاغتيال السياسي: خميستي، خيدر، كريم، ميسيلي و وصولا إلى بوضياف، بل يمكن العودة إلى صميم الثورة التحريرية من خلال اغتيال عبان، شيهاني و آخرون... لا بد من معرفة إذا كانت كثيرة هي الدول التي تنتمي للعالم الثالث (و حتى في مناطق أخرى) قد استعملت العنف المؤسساتي أقل من بلادنا. و لا بد من التعرف أيضا على ذلك عند جيراننا المغاربيين (باستثناء ليبيا)، و أيضا في بلدان أفريقيا والشرق الأوسط (و حتى عند أولئك الذين يعتبرون أننا نملك" مزاجا خاصا"). على أية حال غزو الكويت من طرف العراق، و بعد تدمير هذا البلد على يد التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، فإن سمير الخليل وهو عراقي يسجل هذه الملاحظة إذ يقول " إن الذاكرة التاريخية للعنف الكولونيالي في الجزائر لا زالت أكثر طراوة وواقعية من بلد آخر عرف الاستقلال منذ سنة 1932 بين أن الاستقلال في الجزائر لا يقترب إطلاقا من الاستبداد العراقي حيث تم التأسيس لـ "عنف إيديولوجي" بوصفه وسيلة للحكم مباشرة بعد الاستقلال"[6]، و مع أن الأنظار توجه نحو العراق، فإننا لن نستذكر ممارسات مماثلة في أماكن أخرى... بسبب أن كل أمة و مهما كان التحضر باديا على مظهرها، لا يمكنها أن تتغاضى عن العنف الذي وسم تاريخها الماضي و المعاصر أيضا و لا توجد نهاية للتاريخ مع ذلك)، وقد مارست العنف في الداخل أو ضد أمم أخرى.... و مما لا شك فيه أنه منذ الحرب الأولى إلى "الثانية" في الجزائر، يمكن الاقرار أن هناك استمرارية، ففي فرنسا مثلا (وليست وحدها فحسب) حيث يقول "بنيامين سطورا"(Benjamin Stora) أن بعضهم هناك "يفضل أن يقدم نفسه فاقدا للذاكرة في كل ما يخص الجزائر"، و أكثر من ذلك "هناك نوع من الابتهاج المكتوم لرؤية الحرب تعيد الكرَة[7]. فإن بنوة العنف قد يعثر عليها بسرعة. وانطلاقا من المنظمة الخاصة مرورا بجبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني وصولا إلى الجيش الوطني الشعبي وإلى النظام العسكري...، و كأن الأمر هو ميزة خاصة بالجزائر المستقلة[8]، و كأن الاستبداد في البلدان الأخرى لم يستطع اتباع مسارات و مسالك أخرى... و كأن الجيوش ظلت هادئة و لا تحرك ساكنا عبر التاريخ. إننا نعلم على سبيل المثال الكيفية التي تطور من خلالها الجيشان الشيلي والبرتغالي، حيث أن تحول الجيش الشيلي الذي كان في البداية جمهوريا و ملتزما بحدود الشرعية القانونية إلى جيش انقلابي و فاشي، أما الجيش البرتغالي الذي كان يملك ماضيا كولونياليا و قمعيا فقد عرف تحوَلا مع انفجار ثورة القرنفل.

و بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر في هذا الصدد بنكران مدى قسوة العنف الذي ميز حرب التحرير الوطني في الجزائر، شريطة أن نسجل مع ذلك ما يقوله "سطورا" في هذا الباب:"يجد العنف الأولي في الجزائر المعاصرة جذوره في الاحتلال الكولونيالي... كان الفعل الكولونيالي إذا عنفا أوليا. و من هنا برز شكل آخر من العنف يتمثل في عنف المستعمِر الذي يوجه عنفه ضد المستعمَر"[9].

كانت حرب التحرير عنيفة بقدر ما كان الاستعمار ذاته عنيفا، و بخاصة و أن هذا الأخير قد أغلق كل منافذ التطور السلمي (أو السلمي نسبيا)، بينما كانت الحركة الوطنية لا تتوانى بالحث على حلول يمكنها أن تتوصل بـ "التي هي أحسن" إلى الاستقلال الوطني، و هو الأمر الذي رفضته القوة الاستعمارية التي كانت آنذاك سجينة مواقف "متطرفيها". و من هذا المنطلق، يمكن القول، إذا كانت هناك بنوة بين عنف الاستعمار و عنف نزع الاستعمار، فلا الأول كان حتميا (كان بإمكانه أن يتخذ، مثلا، أشكالا مماثلة لما عرفته كل من المغرب و تونس)، و لا الثاني الذي كان من الممكن على الأقل التخفيف من حدته باعتماد سياسة مختلفة من قبل المستعمر. لا يتعلق الأمر بالنسبة لنا على الإطلاق أن نعيد طرح التاريخ انطلاقا من "لو كان"، لكن علينا أن نعاين فحسب، أن العنف المفرط الذي عرفته الجزائر لا يمكن تجنبه مثلما يحدث في بلدان أخرى، و لا يعني ذلك أننا لو عرفنا عنفا في لحظة من تاريخيا أننا مدعوون لممارسته في كل وقت. قد يوجد بين عبارات الثلاثية:عنف الاستعمار-عنف حرب التحرير الوطني – عنف السلطة الوطنية، بطبيعة الحال، عناصر من الاستمرارية، لكن لا توجد، في أي حال من الأحوال بنوة للعنف مطبوعة بالحتمية إذا لا بد من تحليل الظرف الذي تصدره، و عدم السقوط في فخ الاستدلال الغائي الذي يدفعنا إلى الاعتقاد أن كل شيء موجود في "الأصل الأوَل" و على أن التاريخ ليس إلا " تكرارا أبديا". و على اعتبار أن الرغبة يمكن أن تكون كبيرة في التوسع أبعد مما يجب في الماضي لاستقصاء خطية الزمن، و ذلك بالبحث عن التفرد الجزائري المطبوع بالعنف على وجه الخصوص، و الذي يعود إلى ما قبل 1830، أي إلى الفترة العثمانية (1518-1830) أو إلى أبعد من ذلك في "فوضوية" العرب الهلاليين (في القرن الثاني عشر) أو في البداية الأولى لانتشار الإسلام في هذا البلد (في القرن الثامن)، و حتى في ثنايا الفترة القديمة للبربر..

من المعروف أن التاريخ الكولونيالي، قد أقدم على التوجه وفق تلك الفكرة ، حيث وجد الدعم المناسب من قبل علماء النفس التابعين "لمدرسة الجزائر" الذين كانوا لا يلبثون في الحديث عن "الدافعية الإجرامية" لسكان شمال أفريقيا[10].

العنف، الانقسامية و البايلك

لا يستدعى الأمر، بطبيعة الحال، إلقاء كل المسؤولية على الافتراضات المسبقة التي صاغتها الإيسطوريوغرافيا الكولونيالية المهيمنة، و إنكار قدرة البنيات الاجتماعية على الاشتغال على المدى الطويل و امتلاكها، عبر الزمن، لتأثيرات قد تتكرر نسبيا. تحاول نظريات الانقسامية التي بُوشر العمل بها منذ الفترة الاستعمارية و التي أُعيد التوسع فيها في الحديث حول المغرب الكبير المستقل، أن تقترح بدقة، إطارا لتفسير الظواهر التي تبدو أنها موسومة بزمانية اجتماعية و تكرار عبر الزمن، و لهذا السبب قد وظفت في معالجتها لظاهرة العنف. يعتبر أحمد روايجية مثلا أن : "انتقال العنف من حالة الكمون إلى حالة التجلي يعزى بقسم كبير إلى الثقافة البطريركية التي تشبع المخيال الاجتماعي و تخص سلطة القائد بمكانة عالية.... و في هذا الأفق لا يجد الحق سواء في معناه الفقهي الإسلامي أو في معناه الوضعي للحق الروماني، فضلا و لا شرعية أمام الثقافة البطريركية، التي تجعل من التضاد الانقسامي قاعدة و تبريرا في خدمتها"[11]. و يقول محفوظ بنون من جهته (في كتاب نشر في الحقيقة سنة 1989 و يعالج ضمنه الانقسامية بوصفها "بقية من مخلفات البنية الفوقية"): "و على الرغم من الدور الحاسم التي لعبته الحركة الوطنية الشعبوية خلال النضال من أجل الاستقلال، فإن تأثيرها على توجيه سياسة الأمة أصبح يتناقص تدريجيا، و هذا ناجم عن مجموعة من الانقطاعات السياسية التي تسببت فيها الخلافات الشخصية و الصراعات الداخلية بين العصب التي زاد من حدتها دوام البنيات الانقسامية التقليدية التي تجد جذورها التاريخية في فترات ما قبل التاريخ. و تواصل هذه الأخيرة في تحديد المواقف و الآراء و السلوكات، الأفعال و ردات الأفعال للطبقات السياسية فحسب، و إنما للمواطنين الذين يمتازون بنزعة محافظة لا مثيل لها في المجتمعات المتوسطية"[12].

إننا ندرك أن نظرية الانقسامية لا تستدعى في المجالات العربية أو المغاربية إلا عندما يتعلق الأمر بالجزائر. و يبدو أن توظيف هذه النظرية قد ألهم الأبحاث الأنجلوساكسونية التي أجربت حول ليبيا و المغرب[13].. و لن نتوقف كثيرا عند الانتقادات الكثيرة التي وجهت لها و أعادت النظر في صلاحيتها التفسيرية الشاملة للمستقبل المغاربي و بخاصة في الفترة المعاصرة.

و في هذا الصدد يشير "ريني قاليسو" (René Gallisot) إلى الملاحظة التالية و هي "أن ما يسمى بالانقسامية" ليست بالأحرى خصوصية مغاربية و متوسطية، بقدر ما تبرز التعقيد الشديد الذي يميز العلاقات السياسية في المغرب الكبير و الموسومة بانحطاط كلي للأشكال العضوية السابقة (النظام القبلي، التنازل بوساطة العتقة، الإمبراطورية الإسلامية) و إسهامه في انغلاق المجتمعات المهمشة بعد التقدم الاقتصادي الرأسمالي و الاختراق الكولونيالي...إن الانتقاد الذي يمكن توجيهه في هذا الباب، لا يعني القول بعدم وجود الانقسامية، بل المقصود منه هو أنها لا تشكل الآلية أو المحرك العام ؛ بسبب أنها مخترقة بتراتبيات و علاقات قوى مثلما هي محصورة في حقول واسعة للقوة"[14].

و في حقيقة الأمر، فإن المسألة بالنسبة لنا، ليست في عجز هذه النظرية في التفسير الجوهري للأزمة التي تعرفها الجزائر في السنوات الأخيرة، بسبب أنها لا تجيب عن السؤال : لماذا الجزائر بالخصوص، بينما هو البلد الذي تعرض أكثر، في العالم العربي لعملية هدم جذري حاد، و هو بلد ذو طابع مميز للعلاقات الاجتماعية "التقليدية" (هذا مع افتراض أنها كانت تخضع كلية للنموذج الانقسامي) من قبل النظام الكولونيالي ؟ هل نملك "ايطوسا/كينونة" خاصة لا تتزعزع و تستعصي على التفسير التاريخي؟ إلى حد الاعتقاد أن الحاضر يظل محددا بصفة جوهرية بالبنيات الاجتماعية التي يعود انبثاقها إلى ما قبل التاريخ. و دون العودة إلى الأزمنة الغابرة كثيرا، اعتقد الكثير من الباحثين الذين لا يعتدون بوضوح بنظرية الانقسامية، أنهم وجدوا تشابها بين تجليات الأزمة الحالية و الممارسات التي قد تكشف عن اشتغال النظام السياسي في الفترة الماقبل - كولونيالية ونذكر بخاصة منهم، لويس مارتيتيز الذي ركز جهوده على تحوَلات النشاط الاقتصادي الذي يتحكم فيه اللاأمن الناتج عن وجود الجماعات المسلحة (وبخاصة الجماعات الإسلامية)، إذ يبين "كيف أن الحرب أصبحت تكوّن شكلا من أشكال تراكم الخيرات و الأبهة. و أبعد ما تكون هذه الحرب شؤما على البلاد، فهي بالعكس لحظة تاريخية مناسبة لتوزيع الموارد الاقتصادية و السياسية"، كما يؤكد الباحث أن "حرب العصابات التي تقوم بها الجماعات الإسلامية بدل أن تسهم في سقوط النظام، فإنها تدعمه و تقويه" إذ أن "الأمراء" قد أصبحوا "وسطاء يخدمون مركزية السلطة"[15]. و عندما نعود إلى المسألة التي طرحناها، نجد أن المؤلف يعتقد أن هذه الحالة يمكن إدراجها ضمن اللصوصية السياسية و ضمن "تراكم تاريخي لتدبير وتسيير التمرد المسلح" الموروث عن الفترة العثمانية (البايلك) التي تعطي خصوصية "لتجريم الدولة الجزائرية".

إن تفسير هذه الظاهرة بواسطة خصوصية تجد منابعها في الفترة الماقبل – كولونيالية، يمكن أن نسنقرئها من تاريخ البايلك، و على الرغم من الاحتياطات المنهجية التي يذكرها بالطبع مارتينيز إنها تحيل، في الواقع، على ذلك الموضوع المعروف و المتعلق بالعنف الهيكلي و المهيكل بوصفه عاهة موروثة عن التاريخ، إذ تشتغل باعتبارها "شكلا من التفاوض" بين العسكريين و الأمراء الذين يستفيدون كذلك من تحرير الاقتصاد، مثلهم مثل طائفة الرياس الذين عرفوا الازدهار في ظل دولة الانكشارية في العهد العثماني.

و بغض النظر عن كون هذه الحالة هي نموذج من التفاوض يمكن أن ينطبق في البلدان المغاربية، أكثر على المغرب في فترة الماقبل - كولونيالية، و بخاصة حول العلاقات التي وجدت بين بلاد المخزن و بلاد السيبة[16]، يمكننا أن نقر بعدم وجود أي تفرَد جزائري في هذا المجال، بحكم أن هذا النوع من النشاط موجود في مختلف أقطار العالم، إذ يرتبط باللصوصية السياسية و التمرد المسلح[17].

و بلا شك أن الحالة الجزائرية الراهنة هي أقرب بكثير مما يحدث في كولومبيا مثلا[18]، و في بلدان أخرى من أمريكا اللاتينية، مما حدث في فترة الوصاية العثمانية. مع أننا في الواقع، نستطيع أن نتفق مع عمر كارلي الذي يقول أنه "منذ القرن السادس العثماني، ظل البلد مجتمعا عسكريا على الدوام". و مع ذلك يوضح هذا المؤلف بدقة: "أن جنرالات الجيش الوطني الشعبي ليسوا نماذج منسوخة و بسيطة للريَاس و الأغوات و الانكشاريين"[19]. إن البحث فقط عن التشابهات بين دولة البايلك و الدولة الوطنية و كذلك مع الإدارة الكولونيالية، قد يشكل نهجا مقبولا، شريطة أن لا نحصر أنفسنا في ذلك، و أن لا نسقط في وهم التشابهات الظاهرة، لأنها تؤسس في واقع الحال لظواهر تتميز بـ "اللامعاصرة" (بالمعنى الذي يقول به مارك بلوك(Marc Bloch) ). و في هذا المضمار، نذكر علي الكنز على سبيل المثال، الذي يتحدث بالفعل عن استمرار دولة - البايلك، لكن بالمعنى المجازي من أجل تسليط الضوء، خلال هذه الفترات الثلاث، على وجود "علاقات خارجية و كتيمة أيضا كانت تربط بينهما مع الفصل بين مجال الدولة و مجال الحياة المدنية"[20]. و على خلاف الحالتين المذكورتين (الوصاية التركية و الاستعمار الفرنسي) كانت صورة البايلك في الدولة الوطنية مطبوعة بنوع من "العقد الاجتماعي" الذي يجعل منه "ينتقل من الطغيان ليتحول إلى شعبي بل شعبوي، بينما يمثل المجتمع المدني ديمقراطية حقيقية،لكنها ديمقراطية اجتماعية يتوجها استبداد سياسي"[21].

إن هذه الخاصية هي التي حاول مؤلفون آخرون حصرها تحت مصطلحات مثل "الدولة الخالقة" و "الدولة المغذية" أو ببساطة "الشعبوية"[22].

وخلافا لما يراه مارتينيز في مقاربته و هي أن هذا الأخير يعتبر أن الأزمة الحالية "أبعد ما تكون قطيعة في التاريخ المعاصر للجزائر بل أنها "تسهم بشكل تام في إعادة ابتكار البايلك"، و ينزع آخرون للنظر مع علي الكنز أن ذلك يجد جذوره بالعكس في التحرير الاقتصادي و في "نهاية نظام البايلك"[23].

وحيث يستدعي الكنز هذا المفهوم ليوظفه ضمن دلالة دقيقة تجانب المجاز، فإن مارتيتيز يرى فيها تعبيرا عن استمرارية تاريخية، بالدرجة نفسها مثل الحرب و العنف باعتبارهما موارد اقتصادية و اجتماعية مفضلة تسهم في تنفيذ الاتفاقية المبرمة سنة 1994 مع صندوق النقد الدولي، حيث يشتغل هذا الأخير ذاته بوصفه "الباب العالي الجديد". و نستطيع أن ندفع بالمقارنة أكثر ونعتبر أن العنف هو أمر يتعلق بـ "الفوضى" (بالمعنى الذي أتى به دوركايم (Durkheim))، أو ربما شكل من أشكال تمظهر السياسي الناتج عن القطيعة القائمة لعلاقات القوى بين الفئات المكونة للمجتمع (ضمن الرؤية الماركسية، مثلا)، حيث يرى مارتينيز و الانقساميون شيئا ما يرتبط بإدامة "حالة الطبيعة" (بالمعنى الذي حددته الفلسفة السياسية الكلاسيكية، و بما في ذلك ما قاله هوبز(Hobbes) )، و قد يعود إلى عجز الجزائريين الزمني في صياغة عقد اجتماعي يسمح بظهور دولة (على أن لا تكون مجرد بنية بسيطة من النوع الشركاتي أو المافيوي).

أزمة شرعية

و مع ذلك، فليس من البديهي اعتبار البايلك العثماني نوعا من اللادولة، أو بالأحرى دولة محصورة في العاصمة و ضواحيها. و يسجل جون كلود فاتين(Jean Claude Vatin) من خلال اشتغاله على امتداد عقود طويلة على الأبحاث الايسطوريوغرافية إذ يقول : "لقد طوى الزمن تلك المرحلة التي كان التأكيد فيها على أن البايلك ليس إلا مدينة – دولة محاطة بحديقة للتزيين تمتد بميدان التدريب خاص بالانكشاريين و يتصل هذا الأخير بمقاطعات تتماثل وقف قوة الروابط أو ضعفها"[24]. و كذلك فإن "عرب أفريقيا الشمالية قد ابتعدوا عن تلك الصورة لقرصان معممين التي كان يتداولها الأوروبيون. لقد أخذ هذا النموذج العربي طريقه إلى الزوال، بفعل الحروب البحرية (التي مارستها القوى الأوروبية بالذات، مالطا، مملكة الصقليين، و آخرون).إذ ضعف الاقتصاد فجأة شيئا فشيئا بحكم سيطرة السكان الشماليين لشواطئ البحر المتوسط على التبادلات التجارية..."[25].

لقد برزت بشكل واضح الدولة الوطنية منذ سنة 1962، و قد أثار هذا الظهور اهتمام رجال السياسة و المختصين و من بينهم "ميكائيل هودسون"(M. Hudson) الذي يرى في هذا الباب أنه "بالرغم من الصعوبات الخطيرة التي واجهتها، قد استطاعت الجزائر أن تثبت أنها من بين الجمهوريات العربية الثورية الأكثر استقرارا و مثالية"[26]. مع أن هذا الباحث يلاحظ بنوع من التميز "أن الشرعية السياسية في الجزائر قد تبدو أكثر ضعفا مما هو بارز" و قد وافقه نوعا ما سير الأحداث فيما ذهب إليه. إذ أن المواجهة بين "الإسلاميين" من جهة و "الحداثيين" و السلطة العلمانية من جهة أخرى قد يجرنا إلى الاعتقاد إلى أن الأزمة الراهنة مرتيطة بإشكالية " الدولة المستوردة"[27] بمعنى أن البنية السياسية تجد صعوبة في بسط شرعيتها على مجتمع ظل رافضا لعملية المثاقفة التي بدأت مع الصدمة الكونيالية سنة 1830.

و لا يمكن تجاهل ما تملكه الدولة الوطنية في الجزائر من قدرات على المقاومة، فهي مثل القصب المذكور في الأسطورة يبدو مطويا و لكنه لا ينكسر، و لا يحدث ذلك بفضل الدعم الدولي (لقد استفادت الحركة الإسلامية الجذرية كثيرا و بصفة لا يستهان بها من الظرف الدولي). هذا بالإضافة إلى أن هذه المسألة قد طرحت في كل دول "دار الإسلام" فإننا لا نفهم بعد، لماذا تم التعبير عنها على نحو خاص بهذا الشكل العنيف في بعض المناطق (ومنها الجزائر بالدرجة الأولى)، و لم تشمل مناطق أخرى ؟ و مع ذلك لا يشير أي شيء، أن الجزائر قد تكون أكثر انقسامية، و أكثر بطريركية أو أكثر بايلكية من غيرها من الدول العربية و الإفريقية و الآسيوية. بل بالعكس، ومن وجهة نظر أخرى يبقى تفسير دوافع الأزمة الجزائرية الحالية و مدى موافقتها في الراهن لموجة عنيفة موسومة بإنبثاق قوى للإسلام السياسي، و ليس هذا فحسب، بل ارتبط كل ذلك أيضا بمسار زعرعة للعديد من دول العالم الثالث (و بخاصته في القارة الأفريقية) و كذلك بانهيار "المعسكر الاشتراكي" في القارة الأوروبية.

و يحدث، هذا بطبيعة الحال، في الوقت الذي تبسط "الشوملة" التي تنطلق من أمريكا الشمالية و أوروبا الغربية[28] نفوذها على العديد من البلدان.

ولحصر الموضوع الذي نحن بصدد معالجته، و المتعلق بالجزائر، بإمكاننا أن نقول أن هذا البلد قد عرف أزمة شرعية برزت بقوة خلال الحركات الاجتماعية و الاضطرابات و أعمال الشعب التي اهتزت لها المدن الجزائرية الرئيسية التي أدت إلى أحداث أكتوبر 1988، هذا بالإضافة إلى التحولات الاجتماعية و السياسية التي طبعت تسعينيات القرن الماضي.

و قد تسببت في هذه الأزمة العديد من المؤثرات التي أصبحت الآن معروفة بشكل كاف، إذ أنها أبطلت "العقد الاجتماعي" الذي تحدث عنه علي الكنز[29]، و من بين هذه المؤثرات نذكر منها مؤثرين يبدوان لنا ذات أهمية :

  • العامل الأول: التقهقر الاقتصادي المرتبط بالإكراهات المفروضة من قبل السوق الدولية للبترول و تضافرها مع الضغط الديمغرافي (عدد سكان الجزائر قد تضاعف ثلاث مرات على مرور جيل واحد، أي في ظرف ثلث قرن).
  • العامل الثاني: و له علاقة وثيقة بالأول و هو عجز الجيل الذي يملك السلطة الذي لا يزال يستمد شرعيته الأيديولوجية إلى الآن، من عملية تأسيس الدولة الوطنية المنبثقة عن حرب التحرير، في فرض هيمنته على الأجيال التي لم تعش أحداث الحرب كما تواجه أكثر فأكثر، آفاقا اجتماعية مسدودة بارزة للعيان.

و سيتسبب الحرمان و التهميش اللذان تواجههما الفئات الاجتماعية الواسعة في تهيئة تربة خصبة لبروز النزعة الراديكالية و العنف السياسي. و قد ظلت فكرة "العقد الاجتماعي" راسخة لدى العديد من الملاحظين، وليس ذلك بسبب التبذير و الفساد و تهاون في تسيير شؤون الدولة، و قد يكون هذا الأمر صحيحا لكن على نحو جزئي فقط. كان بالإمكان إصلاح الوضع بإحداث تغييرات على مستوى السلطة السياسية من خلال توظيف جميع الوسائل، لكن مع غياب التقاليد الديمقراطية و ضعف ما يمكن توظيفه من مجتمع مدني لمواجهة هذا الظرف، دفع بطبيعة الحال إلى العودة إلى المخزون الجماعاتي و الديني للبحث عن مصادر جديدة لإعطاء الشرعية للفعل السياسي؛ حيث حاولت، مختلف الإدارات المتعاقبة على السلطة السياسية منذ سنة 1962، استغلال هذا المخزون و تدعيم موقفها بتوظيف ملحمة حرب التحرير الوطني بوصفها مرجعية أساسية.

و لا بد أن نؤكد، بلا ريب، مثلما أكد محمد حربي أن "تجربة النزعة الوطنية و السلفية الإسلامية قد أبرزتا حقيقتين : تتمثل أولاهما في أنه لا يوجد مجتمع عرف تقدم بتنكره لماضيه. يتم التقدم بالنظر إلى الوراء و إلى الأمام معا. و تستمد ثانيهما حجتها من كون البنيات القصصية تملك قوة تعبوية كبيرة، و الاعتقاد بأن محاربتها قد تتم بتوظيف الحجج العقلانية فقط، هو نوع من التموقع على أرضية الأوهام[30]. عرفت التجربة الديمقراطية، التي بدت في البزوغ ضمن أفق الدستور التعددي الصادر سنة 1989، انزلاقا و لا سيما في تعاملها مع البنيات القصصية المؤسسة للمخيال الباطني للمجتمع الجزائري المرتبطة بتاريخه.

إذ أسهمت الدولة من خلال تسييرها التسلطي و توظيفها المؤسساتي لهذه الجوانب الثقافية (هيمنة الخطاب الأحادي، المدرسة، شبكة المساجد...) في تغذيتها بنجاعة فريدة من نوعها. و لعل الطريقة التي تدرس بها مادة التاريخ للتلاميذ هي أحسن دليل على ما نرمي إليه.

المستوى الثاني : العنف، الذاكرة و الايسطوريوغرافية

إن المسألة التي تثير اهتمامنا في هذا الشأن، لا تتمثل في إنكار أن تاريخ الجزائر المعاصر قد عرف (منذ الصدمة الكولونيالية) فترات من العنف السياسي، و قد يرتكب حماقة ما بعدها حماقة من ينفي ذلك. و ما نرفضه، في هذا الإطار، هو الاقتصار على تفسير الأزمة الحالية بالنزعة الوراثية للعنف، حيث يتم البحث عن آثاره بالعودة إلى أقدم العصور المحتملة. و على كل حال، نستطيع أن نطبق ذلك على مختلف أقطار العالم. بداية من أوروبا التي كانت في القرن العشرين سببا في اندلاع الحربين العالميتين و العديد من الحروب التي ارتبطت بسيطرتها الاستعمارية في قسم كبير من العالم. بإمكاننا كذلك العودة إلى مختلف الثورات و الحروب الأهلية، الدينية منها وغير الدينية، التي عرفتها هذه القارة عبر فتراتها التاريخية، حيث رافق هذا العنف انبثاق الدولة الأمة في العصور الحديثة.

وقد وجدت هذه الظاهرة صداها حتى هذه اللحظة في النزاعات العسكرية القريبة جدَا من عصرنا، كما حدث في اسبانيا، ايرلندا الشمالية، كورسيكا و يوغوسلافيا سابقا. إن اعتماد هذا التوجه هو أمر تبسيطي مختزل لأن تاريخ أوروبا لم "يتمخض" عن العنف فحسب. و تمتلك الجزائر ذاتها إمكانيات العنف مثلها مثل باقي دول العالم الثالث (ومناطق أخرى أيضا)، و قد تجلى ذلك خلال القرن الماضي، في تعاملها مع الأجنبي أو في شكل "النزاع الداخلي" الذي عرفته.

و الجدير بالذكر أنه لا يمكن في العالم المعاصر، تفسير العنف بشكل من الأشكال بواسطة فترة "تقاليد العنف" حتى و إن بدت هذه الظاهرة، من وجهة نظر الحس المشترك، أنها متكررة. ومهما كان تكلف هذا التفسير ذي النموذج الميتافيزيقي و بالمعنى الذي يذهب إليه أوغست كونت (Auguste Comte)) أو الغائي الذي تتضمنه هذا النوع من المقاربات، لا يمكن اعتبارها مخصبا للخوض في البحث المعرفي والتقدم به. فلابدَ على الظاهرة الاجتماعية، أن تقارب أولا انطلاقا من الظرف الذي نشأت فيه وهو بالضرورة ظرف هيمن عليه خلال ظهوره، الجانب الاجتماعي، ثم يأتي في المقام الثاني الإضاءة بواسطة "الديمومة الطويلة"، شريطة أن يكون التعليل مقننا و التوضيح صارما. إن هذه التأكيدات الواردة من جانبنا تتعلق بطبيعة الحال بأبجدية المنهجية إذ يبدو أنها غير مناسبة في هذا المقام، على الرغم من الآلاف من النصوص التي كتبت في السنوات الأخيرة حول الجزائر، و بما فيها تلك التي تدعى المنهجية الأكاديمية التي تجاهلها البعض في نظرنا، ولو أن قراءتها قد تثري الموضوع بشكل من الأشكال. و إذا لم يستطع الماضي القريب أو البعيد تفسير الأزمة الجزائرية الراهنة، لا يمكن نكران وجود ذاكرة للعنف، مقدسة و ذات طابع أسطوري بعيدة عن الترشيد، إذ تمكنت هذه الذاكرة أن تندمج مع مسار التنشئة إلى حد أصبحت معه مكونة لـ "المؤشر المظهري" للجزائريين. وقد يكون الأمر مثيرا للدهشة عندما تلجأ السلطة السياسية، لأسباب تتعلق بالشرعية، كما سبق وأن ذكرنا، إلى توظيف الوسائل المؤسساتية تحت تصرف هذه الثقافة، من خلال وسائل الإعلام والمدرسة التي تسيطر عليها السلطة و ذلك بالمبالغة في الخطاب السياسي المهيمن لدور العنف في بناء الجزائر المعاصرة، مع السكوت عن أجزاء أساسية من أجل فهم الماضي و الحاضر.

ولعل قراءة في الكتب المدرسية الرسمية السارية المفعول إلى الآن، و بخاصة تلك المبرمجة للسنتين الخامسة و السادسة من التعليم الأساسي و الموجهة لأطفال لا تزيد أعمارهم عن عشر و إحدى عشر سنة، جديرة بالعبرة في هذا الشأن و لا سيما ما يتعلق منها بانتقاء الرسوم و الصور ذات الطابع الرمزي[31].

كما يسهم التعليم الديني المقطوع عن الفكر الإنساني و النقدي، أو بالأحرى المتمحور حول اللاتسامح و التعصب المرفوقين بتساهل غريب مع نشر و توزيع الكتب الممجدة و المبجَلة للاستشهاد و الجهاد (المختزل في معناه الحربي)، في تفشَي و تعميم هذه "الثقافة الحربية"[32] (كما يقول بنيامين سطورا( Benjamin Stora) ). و بطبيعة الحال "فالتثمين المفرط لمبدأ المقاومة المسلحة – على حساب العامل السياسي- قد تمت صياغته و نقله بواسطة تاريخ رسمي، ملحمي و قصصي... وديني.و قد تولد عن هذا الطموح الزائد ذاكرة مزيفة تلقائية ومرعبة لدى الأجيال الصاعدة". كما شجع التدخل السياسي في هذا المجال، على توسيع الغموض بين معنى الذاكرة التي تتميز بطابعها "التقديسي" و بين معنى التاريخ الذي يملك وظيفة "نقدية" أولا ثم وظيفة "زمانية" ثانيا (بيار نورا(Pierre Nora) : أماكن الذاكرة).

و الجدير بالذكر أنه قد نتج عن السياسة الرسمية المعتمدة في "كتابة و إعادة كتابة التاريخ" آثار تكشف بعمق عمَا نذهب إليه، حيث تنزع إلى وضع أهم الجهود المبذولة لصالح إقرار الشرعية بواسطة العنف[33].

ودون تعميم ذلك بقدر ما، مع الإشارة إلى أهمية الجهود القائمة هنا و هناك، نستطيع أن نؤكد مثلما أكد محمد حربي أن : "كل شيء يتم و كأن دوافع التاريخ تقتصر على نشر الاستياء من الآخر و لعنه و التنديد به. و لذا يمكن التحرر من هذا التقليد بإعادة فحص للموضوعات المبحوثة ضمن الكتابات ذات الطابع المدحي و التقديسي التي تأخذ منحى السجال الحربي، و مراجعة القصص المبالغ فيها، و مرافقة هذه الجهود بعمل فكري و تحليلي للتاريخ، بما يعدّ انجازا ملائما لسلامة التحليل من الناحية الثقافية"[34].

و هكذا يمكن للإيسطوريوغرافية أن تكتسب المكانة اللائقة بها في إنتاج المعرفة و بالتالي الإسهام في بناء و صياغة ثقافة مدنية بجعل كل ما يمكن أن يحيل على العنف بذاكرتنا، نسبيا و خال من المأسوية. و بهذا يستطيع هذا الاختصاص مساعدة الجزائريين على التصالح ضمن ثقافتهم مع مقولات الهوية و الحداثة، الوطنية و المواطنة.

وعليه، لا بد من وضع الحالة الجزائرية، بما فيها كل ما يتعلق بـ "الطفوح الزائد" للذاكرة، في السياق العام الذي يميَز عصرنا. فقد كانت حرب التحرير الوطني بمثابة الحدث المؤسس للدولة-الأمة في الجزائر مثلما حدث ذلك مع الثورة الفرنسية سنة 1789 و مع ما حملته من أعمال مرعبة (بالإضافة إلى ما خلفته الحروب النابوليونية).

ولم يتمَ إدراج التصور التاريخي الذي كان قائما في القرن الثامن عشر و القرن التاسع عشر، وايسطوريوغرافية الثورة، في برامج التعليم، إلا بعد أن أخمدت حدَة الأحداث و هدأت النفوس في فرنسا. وبالمقارنة، لم يتم ذلك بالنسبة للثورة الجزائرية، بسبب أن التصور الذي نملكه عن الممارسة الايسطوريوغرافية و عن وظيفة المدرسة في القرن العشرين الذي قد تغيّر بشكل جذري. إذ أسهمت العلاقات القائمة بين المجتمعات المعاصرة و بين السياسي، بالإضافة إلى ثقل وسائل الاتصال الجماهيري في زعزعة كيفيات تسيير الذاكرة. و إذا كانت للثورات الفرنسية (أو الأمريكية) والجزائرية انعكاسات متشابهة، علينا افتراض إنجازها ضمن أساليب مختلفة، على الأقل على المدى القصير و المتوسط، وهذا لا يعني أن ما تتضمنه الثورة الجزائرية من وزن، لايزال مؤثرا إلى الآن ويثقل بقوة ذاكرة الأحياء إلى اليوم، أن الجزائريين هم أكثر عنفا من الآخرين بـ "الطبيعة".



ترجمة :

الهوامش

[1] Nacib, Youssef, « Anthropologie de la violence », in Confluences Méditerranée, Paris, Ed. L’Harmattan, n°11, Eté 1994.

[2] Rouadjia, Ahmed, « La violence et l’histoire du mouvement national algérien », in Peuples Méditerranéens, Paris, n°70-71, Janvier-Juin 1995.

[3] Quandt, William, B., Société et Pouvoir en Algérie. La décennie des ruptures, Alger, Casbah éditions, 1999, voir p.16.

ويعلق المؤلف قائلا : "لا يمكن لهذه الشروحات أن تفند بشكل قطعي، و إنما يجب معاينتها بكثير من التحفظ". 

[4]يمكننا الرجوع إلى بعض أعمال لويز مارتيناز و من بينها:

- “Les groupes islamistes en Algérie entre Guérilla et négoce. Vers une consolidation du régime algérien ?”, in Les Etudes du CERI, n°3, Paris, Fondation Nationale des Sciences Politiques, Août 1995.

- “La Guerre civile en Algérie : Une rente Politico-financière”, in Bulletin du Codesria, Dakar, n°3/4, 1998.

- “La Guerre civile en Algérie”, Paris, Ed. Karthala, 1998.

الأقوال التي نشير إليها في هذا المقال هي أقوال مأخوذة بشكل عام من مقال تم نشره في "نشرة مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا. و بطبيعة الحال يوجد العديد من المؤلفين الآخرين الذين لهم نفس الرأي، على سبيل المثال برينيو إيتيان (Bruno Etienne) والذي كتب أن العنف هو جزء لا يتجرأ من الثقافة السياسية للجزائر و هذا، منذ زمن بعيد.

Cf. “Adieu Cancun”, in Peuples méditerranéens, Paris, n°70-71, Janvier-juin 1995.

[5] Cf. Stora, Benjamin, « Deuxième guerre d’Algérie ? », in Les temps modernes, Paris, n°580, Janvier-février 1995.

[6] Al Khalil, Samir, Irak, la machine infernale, Paris, Ed. Lattès, 1991.

[7] Stora, Benjamin, Art. cité.

[8] Cf. Malek, Anouar (sous la dir. de), L’Armée dans la nation, Alger, SNED, 1975.

[9] Stora, Benjamin, Art. cité.

[10] نسجل هنا أنّ فرانس فانون يقول مايلي: "سيقال أن الجزائري بحاجة إلى الإحساس بسخونة الدم و بأن يسبح في دماء الضحية" أنظر :

Cf. Les damnés de la terre, Paris, Ed. Maspéro, réédition 1972, p. 218.

نجد أيضا هذه الإحالة ذات "الطابع الاندفاعي" للجزائري في كتاب معنون بـ " Formation civique et moral du contingent" و الذي صدر سنة 1959 عن المكتب الخامس لوزارة الدفاع الفرنسية. أنظر:

Cf. Lucas, Philippe et Vatin, Jean-Claude, L’Algérie des anthropologues, Paris, Ed. Maspéro, 1979, pp. 250-252.

[11] Rouadjia, A., Art. cité.

[12] Benoune, Mahfoud, « Les Fondement socio-historiques de l’Etat algérien contemporain », in Ali El-Kenz (sous la dir. de), L’Algérie et la modernité, Dakar, Ed. du Codesria, 1989.

ودون التخلي عن المقاربة الإنقسامية يشير م.بنون من جهة أخرى أن : "عملية تفكيك وإعادة بناء المجتمع تمخضت عنها فئات، شرائح و طبقات اجتماعية ضمن المجتمع الاستعماري".

Cf. son ouvrage : Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique, Alger, Ed. Marinoor, 1998, p.194.

[13]و بخصوص ليبيا يمكننا أيضا أن نذكر أعمال إيفان بريتشارد، و في المغرب أعمال د.م. هارت، م غيلنر و ج واتربيري. و من جهة أخرى فإننا نعلم ما تدين به النظرية الإنقسامية لإميل دوركايم و الذي صدر سنة 1893 كتاب : De la division du travail social.

مع الارتكاز على حوصلة هانوتو و لوترنو " La Kabylie et les coutumes kabyles" في ثلاثة مجلدات نشرت بين 1872-1873.

[14] Cf. Gallissot, René, Au Maghreb. Sociétés segmentaires et violence politique. Critique des interprétations par la segmentarité : rapport d’exploitation et reproduction sociale.

هذا الإسهام تناوله من جديد المؤلف في كتابه المعنون:

Maghreb, Algérie, classes et Nation, Paris, Editions Arcantère, 1987, voir tome 1, p. 68.

يمكننا من جهة أخرى العودة إلى التحفظات التي صاغها جاك بيرك حول المقاربة الإنقسامية، حيث يعطي جياني ألبرجوني نظرة عامة عن "منطقيات الجمع، منطقيات الانقسامية" و الصادرة في :

“Enquêtes dans la bibliographie de Jacques Berque. Parcours d’histoire sociale, Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée”, Aix en Provence, Edisud, R.E.M.M.M., n° 83/84, 1997.

في بحوث حديثة قامت بها سعاد عباس في الأوراس تتحدث هذه الأخيرة عن حدود النظرية الانقسامية في الجهود المبذولة لترسيخ الدينامية الاجتماعية التي تتميز بها منطقتنا اليوم. ينظر مقالها المعنون :

« Le modèle théorique de la segmentarité : vers une vision dynamique de l’organisation sociale », in Insaniyat n° 7, Janvier-Avril 1999.

[15] Martinez, Luis, Art. cité

[16] Cf. à ce propos Laroui, Abdallah, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830-1912), Casablanca, Centre culturel arabe, 1993.

يمكن الرجوع إلى الفصل الثالث بالتحديد و الذي يتناول موضوع نقد المقاربة الانقسامية.

[17]ينظر أيضا مقال أ.ج .هبسبون:

- Les primitifs de la révolte, Paris, Ed. Fayard, 1966.

- Les Bandits, Paris, Ed. Maspéro, 1972.

ينظر أيضا مقال:

Raufer, Xavier, “ Révolutionnaires, trafiquants et terroristes ”, in L’Histoire, n°168, Juillet-Août 1993

[18] Cf. Pecaud, Daniel, « Réflexions sur la violence en Colombie », in Héritier, Françoise (Séminaire de) : De la Violence, Paris, Ed. Odile Jacob, 1996.

[19] Carlier, Omar, Entre Nation et Jihad. Histoire sociale des radicalismes algériens, Paris, Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1995, pp. 21-22.

[20] Cf. de cet auteur, « La société Algérienne. Aujourd’hui. Esquisse d’une Phénoménologie de la Conscience nationale », in Ali El-Kenz (sous la dir. de), L’Algérie et la Modernité, Dakar, Ed. du Codesria, 1989

[21] Ibid.

[22] ينظر في هذا الصدد :

- Villers de, Gautier, L’Etat démiurge. Le cas algérien, Paris, l’Harmattan, 1987.

- Corten, André et Tahon, Marie-Blanche, L’Etat nourricier, Prolétariat et Population, Mexique/Algérie, Paris, l’Harmattan, 1988.

- Addi, Lahouari, L’impasse du populisme. L’Algérie : Collectivité politique et Etat en construction, Alger, ENAL, 1990.

[23] El-Kenz, Ali, Op. cité.

[24] Vatin, Jean-Claude, L’Algérie politique. Histoire et société, Paris, Presse de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1983, voir p. 368.

[25] Ibid, p.371.

[26] Cité par Quandt, W.B., Op. cité, p. 221.

[27]حسب الإشكالية المدروسة من قبل برتروبادي، ينظر لهذا المؤلف :

- L’Etat importé. L’Occidentalisation de l’ordre politique, Paris, Ed. Fayard, 1992.

- Les Deux Etats. Pouvoirs et sociétés en Occident et en terre d’Islam, Paris, Ed. Fayard, 1986 et 1997

[28]يشير رشيد التلمساني بهذا الخصوص: " أن انبثاق العنف السياسي وتطوره و الذي تلعب فيه العوامل الخارجية دورا أكبر من العوامل الداخلية (الثقافة الفلاحية القديمة) يمكن شرحه بالشكل الصحيح عند ملتقى العديد من الأسباب". ينظر:

“ Islamisme/Occident : une approche stratégique de la violence ”.- in Les Cahiers de l’Orient, n° 36-37.- Paris, 4ème trimestre 1994, 1er trimestre 1995.

[29] Voir Supra.

[30] Harbi, Mohammed, L’Algérie et son destin. Croyants ou citoyens, Paris, Ed. Arcantère, 1992, p. 26.

[31] لقد كانت لنا فرصة تقديم محتوى كل الكتب المدرسية في التاريخ و المستحدمة في المدرسة الجزائرية. لتفاصيل أكثر ينظر إسهامنا الصادر تحت عنوان :

"Histoire nationale et pratiques politico-identitaires : Une lecture des manuels officiels en usage dans l’école algérienne ”, in Nadir Marouf et Claude Carpentier (sous la dir. de) : Langue, Ecole, identité, L’Harmattan, Paris, 1997, Version en langue arabe, in Insaniyat n°3, Crasc, Oran, 1997".

[32] Stora, Benjamin, Art. cité.

[33] نحن بصدد انجاز بحث حول هذه القضية ، في إطار مخبر سوسيولوجيا-أنثربولوجيا التاريخ و الذاكرة (Crasc) و الذي تصب اهتماماته حول إشكالية :

“Savoirs, mémoires, pouvoirs. Maghreb, Algérie”.

[34] Harbi, M., Op. cité.

Text

PDF

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact