الآسيان وتجربة التعاون الإقليمي. دراسة في مقومات التجربة و تحدياتها و إمكانات الاستفادة منها

الآسيان وتجربة التعاون الإقليمي. دراسة في مقومات التجربة و تحدياتها و إمكانات الاستفادة منها

مقدمة

تجمع الدراسات و التقارير على أن العالم يجتاز في الفترة الراهنة تحولات عميقة في بنية النظام العالمي وإعادة صياغة الكثير من الرؤى والمفاهيم والقوى الحاكمة للعلاقات الدولية. و مع التسليم بأنه لم تسفر هذه التحولات عن قيام نظام جديد واضح المعالم و المسارات، فإن ما يحدث على الساحة الدولية بتغيراته وتأثيراته يستأهل النظر والتعمق بغية إستشراف إتجاهات إعادة بناء النظام الدولي. وتشير مجمل تلك الإتجاهات إلى حقيقة أساسية مفادها، أن العالم يتحرك تحركا حثيثا نحو مزيد من التكتلات الإقتصادية الكبرى سواء من خلال قيام تجمعات إقتصادية جديدة أو تفعيل هياكل قائمة بالفعل، أو إعادة و تحويل الأهداف المنوطة بالمؤسسة الإقتصادية لتتوافق ومقتضيات التغيرات الجارية على الساحة الدولية منذ إنهيار الكتلة الشرقية، وتفكك الإتحاد السوفيتي، وما تلا ذلك من تطورات درامية لإعادة ترتيب هيكل القوة الإقتصادية في العالم.

و ليس يخفى أن من أبرز ملامح تلك التطورات الدولية التكتلات الإقتصادية الكبرى، و توقيع إنفاق التحرر الجزئي و التدريجي للتجارة الدولية بين الدول الأعضاء في الإتفاقية العامة للتجارة و التعريفات و المعروفة إختصارا باسم (الجات) GATT و ذلك في ختام جولة أورجواى التي بدأت عام 1986 واختتمت في نيسان (إبريل) 1994 الأمر الذي يعني أن إقتصاديات الدول المختلفة سوف تتحرك في إطار أسواق دولية مفتوحة نسبيا، و بالتالي فإن نمو أو تطور أي إقتصاد سيرتبط إلى حد كبير بقدرة قطاعاته المختلفة على إنتاج السلع و الخدمات بشكل تنافسي مع الإقتصاديات الأخرى، حتى يمكن لهذه القطاعات الإستمرار في المنافسة في الأسواق المحلية و الدولية[1].

و لما كانت قدرات الدول النامية على المنافسة من الضعف بمكان، سعت الكثير من هذه البلدان إلى الأخذ بصورة أو أخرى من صور التعاون الإقليمي بهدف تعزيز قدرتها الإقتصادية في مواجهة تلك التحديات. وفي هذا الإطار تمثل تجربة « رابطة جنوب شرق آسيا » والمعروفة إختصارا بالآسيان asean نموذجا متميزا في هذا الصدد على النحو الذي دفع إلى إعتبارها نموذجا قابلا للاحتذاء من جانب الدول النامية في سعيها لتعظيم مكاسبها في ظل الواقع الدولي المعاصر. ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة البحثية التي تسعى إلى التعرف على عوامل نجاح تجربة "الآسيان" و مكامن ضعفها و التحديات و الصعوبات التي تواجهها وكيف تتعامل معها، وصولا إلى التعرف على مدى إمكانات الإستفادة من هذه التجربة في إطار المنطقة العربية.

و في ضوء ما سبق، تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور يعرض أولها لتجربة « الآسيان » في ضوء مفاهيم و صور التعاون الإقليمي بشقيه السياسي و الإقتصادي، رغبة في تفهم طبيعة هذا التنظيم الإقليمي و موقعه بالنسبة لصور وأشكال التعاون. أما المحور الثاني فيعرض بالرصد و التحليل لأداء التنظيم موضع الدراسة وصولا إلى استشراف مستقبل « الآسيان » في ضوء المتغيرات العالمية و الإقليمية. و يعنى المحور الثالث بالتعرف على إمكانات الإستفادة من تجربة الآسيان في الواقع العربي من خلال رؤية مقارنة بين مسار و مآل كل من الخبرة العربية وخبرة الآسيان في مجال التعاون الإقليمي وذلك على النحو التالي.

1- تجربة الآسيان في ضوء مفاهيم و صور التعاون الإقليمي

أولا - مفاهيم و صور التعاون الإقليمي :

يثير الحديث عن الآسيان كمنظمة للتعاون الإقليمي بين دول جنوب شرقي آسيا ضرورة التعرف على مفهوم التعاون الإقليمي و صوره المختلفة. و إجمالا يمكن القول أن التعاون الإقليمي يعتبر أحد المفاهيم الرئيسية ضمن أدبيات العلوم السياسية و تحديدا علم العلاقات الدولية، كما أنه أحد المجالات الرئيسية في الدراسات الإقتصادية، وعلة ذلك تعدد صور و جوانب التعاون الممكنة بين الكيانات السياسية الدولية و في مقدمتها الدول. و مفهوم التعاون الإقليمي يبدو مفهوما مركبا يتكون من كلمتين تشير الأولى إلى مجموعة من المعاملات و الإتصالات الكثيفة بين طرفين أو عدة أطراف (أشخاص، دول، أجهزة، مؤسسات...) بهدف العمل المشترك على نحو يؤدي إلى تحقيق أفضليات مشتركة و يعظم درجة الأمن لدى عدة أطراف، لا يشترط بالضرورة أن يكونوا متقاربين مكانيا أو جغرافيا[2]. أما الكلمة الثانية فإنها بإضافتها للكلمة الأولى تقوم بتخصيص النطاق المكاني للتعاون بين أطرافه حيث يتعلق الأمر في هذه الحالة بتعاون إقليمي يتصل بتفاعلات تحدث بين عدة دول تنتمي إلى حيز جغرافي محدد، و يطلق البعض على هذا النوع من التفاعلات مصطلح الإقليمية Regionalism التي تعني في أحد تعريفاتها جهود دفع التعاون الإقتصادي و الأمني بين ثلاث دول أو أكثر في منطقة جغرافية معينة تبعا لأسس محددة، تتعدد وفقا لها الإقترابات الإقليمية للتعاون الإقتصادي و الأمني و يمكن التمييز بين نوعين من الإقليمية هما : الإقليمية المفتوحة « Open Regionalism » و يقصد بها تلك الجهود التي تستهدف التعاون في مجالات التجارة و الإستثمار، و الإقليمية الرخوة « Soft Regionalism » و التي تعني الإجراءات المشتركة في إطار التعاون الأمني بين الوحدات الداخلة في مثل هذا النوع من التعاون[3].

و يعتبر مفهوم الإنتشار و الإقليمية الجديدة من المفاهيم وثيقة الصلة بفكرة التعاون الإقليمي و ذلك إنطلاقا من حقيقة أن بعض أنماط التعاون تتجه إلى تجاوز شرط الجوار الجغرافي فيما يتصل بالتعاون فتمتد بنطاق الإقليم و المكان إلى محل و مناط التعاون (سياسي، اقتصادي، ثقافي) بالمصطلح القانوني و الفقهي، و بالتالي تتاح فرص التعاون الإقليمي بالمعنى سالف البيان إلى وحدات و كيانات أكثر إتساعًا من المعنى الجغرافي الضيق للإقليم[4].

و على الصعيد الإقتصادي يمكن القول بتعدد و تنوع الصور و الأشكال التي إتخذتها و تتخذها ظاهرة التعاون الإقتصادي بالمعنى الشامل Economic Integration بين الدول المختلفة، و الذي يعرف اصطلاحا بالتكامل الإقتصادي، و الصور الشائعة لهذا النمط من التعاون هي : منطقة التجارة الحرة، و الإتحاد الجمركي، و السوق المشتركة و الإتحاد الإقتصادي و الإندماج لإقتصادي الكامل. و مناط التمييز بين كل درجة و أخرى هو ما تحققه كل منها من قضاء على الحواجز و القيود التي تعترض إنتقال السلع و الخدمات و عناصر الإنتاج المختلفة بين أطراف التنظيم، و الدرجة التي يحققها كل منها في تخفيف التمييز أو القضاء عليه فيما بين الأقطار الأطراف،و أيضا فيما بينها و بين الأقطار الأخرى غير الداخلة في عملية التكامل[5]. و يرى الكثير من الإقتصاديين الغربيين أن هذه الصور (منطقة التجارة، الإتحاد الجمركي، السوق المشتركة و الإتحاد الإقتصادي و الإندماج الإقتصادي الكامل) إنما تمثل درجات أو مراحل متتالية من التكامل، بمعنى أن كل منها تعبر عن درجة أو مرحلة من التكامل أعلى من التي قبلها[6].

و على صعيد التنظيم الدولي نجد أن ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1945 قد أقر مبدأ قيام المنظمات الإقليمية، و لم ير فيه تعارضًا مع نظام الأمن الجماعي الذي أتت به المنظمة الدولية. فنصت المادة 25/1 على أنه: " ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم و الأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحا فيها و مناسبًا، ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية و نشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة، و مبادئها"، كما خصص الفصل الثامن من الميثاق لشرح دور هذه المنظمات في حفظ السلم و الأمن الدوليين، و علاقتها بالمنظمة العالمية [7].

يتبين مما تقدم مدى تنوع و تشعب موضوع التعاون الإقليمي و أبعاده المختلفة، فإذا ما تجاوزنا الإقترابات و المداخل المختلفة للنظر في التعاون الإقليمي و دراسته وحاولنا التعرف على العناصر اللازم توافرها لقيام مثل هذا التعاون، فإننا نجُابَهُ مرة ثانية بتباين في الآراء فيما يتصل بهذه العناصر و دورها، و لما كان ذلك ليس هو الهدف الأساسي للبحث فإننا سنعرض لصورتين من الصور الدالة على هذا التباين. و هما التحدي الخارجي، و العلاقة بين السياسي و الإقتصادي فيما يتصل بالتعاون الإقليمي.

فعلى صعيد التحديات الخارجية يرى البعض أن وجود التحديات و التهديدات الخارجية يعد عاملا كافيا لدفع الدول نحو التكتل و التضامن و الوحدة، إلا أن وجود التحدي الخارجي ليس شرطا أن يؤدي إلى الوحدة أو التكتل أو التضامن الإقليمي بل أن وجود التهديدات بصفة عامة قد يدفع إلى الإنقسام بين دول الإقليم الواحد[8].

و فيما يتصل بالعلاقة بين المدخل السياسي و المدخل الإقتصادي نجد جدلا مماثلا بين من يدعو إلى إتباع المدخل الإقتصادي - الوظيفي - لتحقيق الإندماج و التكامل و بين من يدعو إلى المدخل السياسي لتحقيق ذات الهدف. على أنه تجدر الإشارة إلى أن التيار الغالب يذهب الى ضرورة توافر قدر من المصلحة المشتركة بين الدول الساعية لإقامة تنظيم إقليمي سواء تمثلت هذه المصلحة في درء مخاطر أو جلب منافع للأطراف. كما ان النظريات المختلفة للاندماج و التكامل المعروفة بأنها لا سياسية مثل الوظيفية، و الوظيفية الجديدة، و الإتصالية، لم تستبعد مجال العامل السياسي من تحليلاتها[9]. كما أن النظريات السياسية مثل الفيدرالية لم تهُمِل الأبعاد الإقتصادية في تناولها. و الواقع أن عملية التعاون الإقليمي تثير العديد من القضايا التي تتصل بطبيعة النشأة، و أطراف التنظيم و العلاقة بينهم، و الهيكل التنظيمي[10]. و هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا بشكل عملى تطبيقي في إطار ما تتمتع به كل تجربة إندماجية من خصوصية. الأمر الذي يبرر الإنتقال إلى التعرف على طبيعة نشأة و تطور رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان).

ثانيا - نشأة و تطور "الآسيان" :

يمكن القول بدرجة كبيرة من الثقة أن إنشاء منظمة "الآسيان" في آب / أغسطس عام 1967 قد جاء ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي في إقليم آسيا - الباسفيك خلال مرحلة الحرب الباردة، التي تميزت بسعي الولايات المتحدة إلى حصار المد الشيوعي و احتوائه خوفا من انتشاره على نحو يهدد مصالحها بالمنطقة لا سيما مع خروج فرنسا من الهند الصينية و انتصار فيتنام و توسعها في كمبوديا إضافة إلى تفاقم الصراعات الأخرى بالمنطقة. عندئذ برزت الحاجة إلى آلية أمنية في جنوب شرق آسيا تكون مهمتها حصار المد الشيوعي و الحيلولة دون انتشاره و هو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى خلق هذه الآلية في محاولة لتنظيم صفوف الحلفاء في جنوب شرقي القارة، و تقوية اقتصادهم من خلال ضخ رؤوس الأموال الهائلة و الزائدة عن دورة رأس المال الأمريكي، الذي نشأ و تكون بسبب فوائض أسعار النفط العربي و هو الأمر الذي يحقق عدة أهداف لخدمة المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة[11] و التي من أبرزها :

  1. 1. الحد من نفوذ النشاط الإقتصادي الياباني الآخذ في النمو.
  2. 2. حصار البؤر الشيوعية في محاولة لتطويق فيتنام و الإتحاد السوفيتي فيما عرف حينئذ بسياسة الحصار (التطويق).
  3. 3. دعم التكامل الإقليمي بين الدول الموالية و الصديقة عبر الإستثمارات المشتركة و التعاون الإقتصادي[12].

الأمر الثاني الذي يبدو على قدر كبير من الأهمية هو طبيعة الأمنية التي سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقها عبر هذا التنظيم الإقتصادي و التي ألقت بظلالها على النشأة و التكوين و كذلك ما أخفقت المنظمة في تحقيقه، و هو الأمر الذي تطلب بالضرورة التعاون لإنشاء منتدى الآسيان الإقليمي (A.R.F) الذي عقد إجتماعه الأول في بانكوك (تموز / يوليو. 4199) و يتسم بدور أمني واضح التحديد، و يتحمل فيه الآسيان المسؤولية الأساسية عن تطوره المؤسسي، حيث يتولى تنظيم و رئاسة الإجتماعية السنوية للمنتدى، و هو الأمر الذي سنعود له تفصيلا عند تقييم أداء الآسيان لوظائفه في موضع لاحق[13].

و قد ظهرت الإعتبارات الأمنية جلية في مجموعة المبادئ العامة التي صاغتها في أعقاب تأسيسها و التي تمثلت في:

  1. 1. أن يكون حل المنازعات بالطرق السلمية.
  2. 2. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
  3. 3. إحترام الإستقلال و السلامة الإقليمية.
  4. 4. عدم دعوة القوى الخارجية للتدخل في صراعات المنطقة و حلها في إطار الرابطة [14].

و من الناحية التاريخية و القانونية يمكن القول بأن توقيع كل من إندونيسيا و ماليزيا و الفلبين و تايلاند على المعاهدة الخاصة بإنشاء « رابطة أمم جنوب شرق آسيا (الآسيان)"Association of South - East Asian Nations في آب أغسطس 1967 أدت إلى تأسيس الرابطة بشكل رسمي، و في عام 1984 إنضمت بروناي إليها، إلا أن الرابطة إستمرت محدودة الفاعلية حتى عام 1976 عندما إجتمع رؤساء حكومات الدول الأعضاء في "بالي" بإندونيسيا لمناقشة الموقف في المنطقة ثم تلاه الإجتماع التالي في كوالالمبور عام 1977 حيث كان هذان الإجتماعان نقطة تحول في تاريخ "الآسيان" [15].

ثالثا - الهيكل التنظيمي :

أسفر إعلان "الآسيان" أو ما أسمى إعلان "بانكوك" الصادر في آب / أغسطس 1967 عن إنشاء العديد من الهيئات و المنظمات و اللجان شكلت في مجملها عناصر الهيكل التنظيمي للمنظمة : و هذه الهيئات هي : (أنظر شكل رقم 1)

أ. إجتماع القمة Summit meeting : و هذه هي السلطة الأعلى في الرابطة حيث تتكون من رؤساء الحكومات في الدول الأعضاء، و منذ تأسيس الرابطة لم تعقد سوى أربع إجتماعات قمة، (فكان الأول في مدينة "بالي" بإندونيسيا في شباط / فبراير1976، و الثاني.

في مدينة "كوالالمبور" بماليزيا في آب / أغسطس 1977، و الثالـث في مـديـنة " مانيلا" بالفلبين في كانون أول / ديسمبر 1987، و الرابع في مدينة "سنغافورة" في كنون ثاني / يناير2199).

و الملاحظة الجديرة بالذكر هنا أنه قد مرت تسع سنوات (عقد تقريبا) على إنشاء الرابطة قبل عقد إجتماع القمة الأول، و هو الأمر الذي يشير إلى عدم وجود المركزية، و إلى تقدم الإقتصادي على السياسي، إذا لم تجتمع القيادة السياسية خلال عقد كامل و لو لمرة واحدة، و مع ذلك فإن الرابطة كانت ماضية في سبيل تحقيق الأهداف المنوطة بها، كما أن من الملاحظ أيضا عدم تسلسل مواعيد إجتماعات القمة فالفرق بين الأول و الثاني سنة ونصف تقريبا (18 شهرا) كما أن الفرق بين الثاني و الثالث أكثر من عشر سنوات، و أخيرا فإن الفرق بين الثالث و الرابع حوالي أربع سنوات،و هو يشير إلى أن مواعيد إجتماعات القمة غير محددة، و كذلك يشير أيضا إلى عدم سيطرة القمة على مقاليد الأمور في الرابطة، و الواضح أنه لقاء لتحديد الخطوط العامة مع ترك التفاصيل للمستويات الأخرى.

ب. المؤتمرات الوزارية Ministerial Conferences : يجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء سنويا بشكل دوري، كما يجتمع وزراء الإقتصاد أيضا سنويا لإدارة شؤون التعاون الإقتصادي كما يجتمع وزراء آخرون كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

ج. اللجنة الدائمة Standing Committee : و تتكون من وزير خارجية البلد المضيف و سفراء الدول الأعضاء، تجتمع بشكل دوري مرة كل شهرين.

د. الأمانة العامة Secretariats : و قد أنشئت في "جاكرتا" بإندونيسيا عام 1976 و تشكل الجسد المركزي للرابطة و الأمين العام الأعلى يختار بشكل دوري من الدول الأعضاء حسب الترتيب الأبجدي كل ثلاث سنوات، و يجري التنسيق اليومي من خلال الأمين الوطني لكل عضو في لرابطة. (أنظر شكل رقم 2.)

هـ. اللجان Committees : يتم التعاون بين دول الرابطة من خلال وزراء الشؤون الإقتصادية عبر خمس لجان هي، لجنة الغذاء و الزراعة و الغابات و لجنة التمويل و البنوك و لجنة الصناعة و التعدين و الطاقة و النقل و المواصلات و أخيرا لجنة التجارة و السياحة[16].

كما تشكل بالإضافة إلى هذه الخمس لجان خاصة مثل لجنة الثقافة و المعلومات و لجنة العلوم و التكنولوجيا و لجنة التنمية. و فيما يلي سوف نعرض لإنجازات الآسيان في ثلاث مجالات رئيسية هي المجال الإقتصادي، و السياسي، و العلاقات الخارجية:

أ- التعاون الإقتصادي :

بالرغم من أن التعاون الإقتصادي بين دول الآسيان قد بدأ في إطار ضيق و محدود، لنشاطات متعلقة بالغذاء و الطاقة و النقل و أجهزة الاتصال و الزراعة و السياحة فحقق التعاون بينهم احتياطي غذائي آسيوي، إلا أن البداية الحقيقية لآليات التعاون الاقتصادي جاءت في الوقت الذي عقدت فيه قمة "بالي" بإندونيسيا عام 1976 و تم تشكيل ثلاث لجان رئيسية هي:

  1. 1. معاهدة التجارة التفضيلية (الدولة الأولى بالرعاية) T.AS.
  2. 2. المشروعات الصناعية (للآسيان) I.P.S.
  3. 3. المنطقة الصناعية المغلقة.

و قد عنيت الاتفاقية الأولى بجعل حرية التجارة مكفولة بين دول المنطقة (أي بجعل الدول الأعضاء منطقة تجارة حرة مغلقة)، و تكفلت الثانية و الثالثة بالتعاون الصناعي.

و في أعقاب القمة ذاتها و بناء على الاتفاقات المتبعة اتفق وزراء اقتصاد دول الآسيان على توزيع المشروعات الصناعية على الدول الأعضاء. و في عام 1977 وافق وزراء الاقتصاد على المشروعات المختارة فيما عدا الفلبين التي استبدلت المشروع الذي أجير عام 1979 بمشروع آخر لإنتاج الورق، كما غيرت الفلبين مشروعها ثانية و استبدلته بثالث لتصنيع النحاس و أجازه وزراء اقتصاد الآسيان عام 1982.

و وفقا لاتفاق الأفضلية التجارية، اتفق على إضافة (50) منتجا في كل جولة من المفاوضات، كما وافق وزراء الاقتصاد على إعفاء كل صفقة تقل قيمتها عن خمسة آلاف دولار من الرسوم الجمركية، و بعد ذلك بعامين وصلت هذه القيمة إلى عشرة ملايين و بعد ذلك استبدلت "الآسيان" المفاوضات متعددة الأطراف الـجمـاعية بـالـمـفـاوضـات الثـنائية، و فيما يتعلق بالتخفيضات الجمركية على المنتجات غير الزراعية التي يصل التخفيض فيها إلى 50%، فقد وصلت فائدة هذه المنتجات عام 1983 إلى (12) ألف منتج [17].

و قد لعب التعاون الصناعي دورا حقيقيا في المدى القصير لعملية التكامل الاقتصادي للمنطقة، و ذلك عن طريق اللجنة الخاصة التي تم تشكليها عام 1977 في مجالات الصناعية و التعدين و الطاقة، و قد حددت اللجنة المشروعات التي سوف يبدأ التكامل بشأنها في السيارات، و الآلات الزراعية، و معدات الاتصال.

و كانت الفكرة الرئيسية هي أن رجال الأعمال و الحكومات يمكنهم التعاون في إنشاء الصناعات في كل دولة عضو على نحو تكاملي سواء في الإنتاج أو التجميع بشرط أن يتمتع المنتج بالحماية الجمركية في دول الرابطة.

و الجدير بالذكر أن القطاع الخاص لم يبادر في البداية إلى الاستثمار في مجال التصنيع المشترك حيث مرت ثلاث سنوات حتى تشكيل الآسيان للغرف التجارية عام 1972، و هنا بدأ القطاع الخاص في المساهمة في صناعة السيارات و وافق وزراء الاقتصاد على ذلك عام 1980CRASC Insaniyat - دفاتر إنسانيات

ب. المجال السياسي :

أثرت ظروف النشأة و التطور على دور الآسيان السياسي حيث ركز قادة الدول الأعضاء في الآسيان جهودهم على دعم التعاون الاقتصادي و الصناعي و التجاري أساسا دون الانصراف إلى الشؤون السياسية. لكن نظرا لعدم إمكانية الفصل بين ما هو سياسي و ما هو اقتصادي عمليا فقد اضطر الآسيان إلى الخوض في المسائل السياسية التي بدأت بتأكيد وزراء الخارجية على حياد المنطقة و ظهر مفهوم منطقة السلام و الحرية و الحياد "Zone of Peace, Freedom and Neutrality" و سيطر هذا المفهوم (Zopfan) على الاجتماع الوزاري الرابع للآسيان في أذار / مارس 1971، و كذا اجتماع وزراء الخارجية في تشرين ثاني / نوفمبر 1971 و سعى وزراء الخارجية إلى إصدار إعلان عن عزمهم السعي إلى جعل هذا المفهوم جزءا من السياسة الرسمية للرابطة كما سعت في إطار نشاطها السياسي إلى إجراء حوارات مع الجماعة الأوروبية (1972) و استراليا (1974) و نيوزيلندة (1975) و كندا و اليابان و الولايات المتحدة (1977) في إطار من التقسيم حيث تكفل كل عضو من الرابطة بالإشراف على الحوار مع قوة من القوى الدولية، و قد غطت هذه الحوارات جوانب متعددة من التعاون التنموي و المساعدات الفنية و مشروعات الأبحاث و التجارة[18].

إلا أنه يجدر القول أن أعظم الأدوار السياسية التي لعبها الآسيان هو ذلك الدور المتعلق بقضية كمبوديا التي تفجرت على أثر الغزو الفيتنامي لكمبوديا في كانون أول / ديسمبر 1978، إذ تحركت الآسيان و أدانت الغزو كما وقفت إلى جوار الصين ضد الاتحاد السوفيتي الذي بدأ مؤيدا للغزو، و على أثر تحركات الآسيان و الدعم الأمريكي لها نجحت في استصدار قرارات من مجلس الأمن تطالب فيتنام بالانسحاب من كمبوديا، و كانت نتيجة ذلك عقد مؤتمر للأمم المتحدة حول كمبوديا في نيويورك عام 1981 كما تمسكت بضرورة حضور الفئات الأربعة الممثلة للشعب الكمبودي. و بالرغم من أن المؤتمر انتهى إلى صدور بيان ختامي ذو طابع توفيقي حرص على التوفيق بين مطالب الآسيان من جهة و مطالب الصين من جهة أخرى حيث أكد على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية و إجراء انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة، إلا أن جهود الآسيان لم تفتر إذ استمرت خلال عقد الثمانينات في تبنى سياسة متماسكة إزاء القضية، و قد تمثل ذلك في عدد من الإجراءات كان منها مشروع السلام الذي قدمته الرابطة في الاجتماع السنوي (بانكوك) في تموز / يوليو 1988 الذي ارتكز على وقف إطلاق النار و انسحاب القوات الفيتنامية على ثلاثة مراحل و نزع سلاح الفصائل الكمبودية على مرحلتين و تشكيل حكومة انتقالية و إجراء انتخابات عامة تحت إشراف دولي. كما دعت الرابطة منظمة دول عدم الانحياز في 18/4/1986 إلى مساندة مواقف الرابطة في جهودها لتسوية القضية الكمبودية.

و انتهت بدخول الرابطة في مفاوضات مباشرة مع فيتنام و اقترحت تشكيل مجلس وطني أعلى من القوى المعارضة يشغل مقعد كمبوديا في الأمم المتحدة.

العلاقات الخارجية للآسيان :

  1. 1. مع المجموعة الأوروبية

تشكل الجماعة الأوروبية النموذج النظري المحتذى لدى دول رابطة الآسيان، و لذا كان من الطبيعي أن يسعى هؤلاء و منذ البداية إلى دعم علاقاتهم بالمجموعة الأوروبية، و أسفر هذا السعي على توقيع اتفاق للتعاون بين الآسيان و المجموعة الأوروبية في آذار / مارس 1980 و كذلك تم تشكيل لجنة مشتركة عقدت اجتماعها الأولى في العاصمة الفليبينية (مانيلا) في تشرين ثاني / نوفمبر 1980، و أصبح الاجتماع سنويا بعد ذلك، و وضعت اللجنة برنامجا للتعاون العلمي و التكنولوجي، و في كانون أول / ديسمبر 1983 تم تشكيل مجلس رجال الأعمال من الآسيان

و المجموعة الأوروبية و ذلك لتحديد المشروعات المشتركة التي يساهم فيها أو يقوم بها رجال أعمال أوروبيون.

و في تشرين أول / أكتوبر 1985 عقد الاجتماع الأول لوزراء الشؤون الاقتصادية للآسيان و المجموعة الأوروبية، و وافق على تشجيع الاستثمارات الأوروبية في دول رابطة الآسيان و قدرت الاستثمارات الأوروبية في ذلك الوقت بنحو 13% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في المنطقـة،و ذلـك مقــابل (28%) للــيـابـان و (17%) للولايات المتحدة. و في عام 1987 أنشئت لجان استثمارية مشتركة في جميع عواصم رابطة الآسيان و مع بداية تحرك المجموعة الأوروبية نحو تحقيق الوحدة، عقد وزراء خارجية رابطة الآسيان اجتماعا في شباط / فبراير 1990 لمناقشة الآثار المحتملة للوحدة الأوروبية على رابطة الآسيان، لاسيما في ظل المخاوف التي طرحتها الرابطة حول ما يمكن أن يوضع من قيود على صادراتهم إلى دول الاتحاد الأوروبي و كذلك لبحث الآثار المترتبة على اتجاه المجموعة الأوروبية إلى توجيه الشطر الأكبر من الاهتمام و المساعدات إلى دول شرق أوروبا تحولها نحو اقتصاد السوق.

  1. 2. الآسيان و اليابان :

يمكن القول بأن ثمة عوامل كثيرة سياسية و اقتصادية و جغرافية كانت بمثابة المحددات لعلاقة الآسيان باليابان فالوزن الاقتصادي الضخم لليابان، و الجوار الجغرافي و التشابه في الأنظمة الاقتصادية استدعى حدوث تعاون بين الآسيان و اليابان و هو الأمر الذي تفهمه كلا الطرفين فأسفر عن تشكيل الجمعية اليابانية الأسيانية لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل التجارة، و الاستثمارات و نقل التكنولوجيا. و في عام 1981 بدأت اليابان بتقديم دعمها لرابطة الآسيان،و هو الدعم الذي تزايد عام 1983 لكل من أندونيسيا و ماليزيا و تايلاند.

و في عام 1987 أنشأت اليابان صندوق تمويل التنمية في الآسيان برأسمال قدره مليارا دولار، و في أيار/مايو 1991 أسفرت المفاوضات بين الطرفين عن إعلان اليابان استمرارها في دعم و تشجيع النمو الإقتصادي لدول الآسيان و البحث عن إطار عام مشترك لمناقشة القضايا السياسية و الأمنية في المنطقة[19].

  1. 3. الآسيان - كوريا الجنوبية :

 وجد التعاون الاقتصادي بين الآسيان من جهة و كوريا الجنوبية من جهة أخرى عددا من الأسباب و المبررات أهمها يتعلق بمشاكل مشتركة مثل ارتفاع تكاليف الطاقة خاصة في كوريا و كساد الطلب على الصادرات و تهديد الحماية العالمية.

و كذلك هناك أسباب سياسية و أمنية منها سعى الآسيان إلى تقوية علاقتها بكوريا الجنوبية لتجد موطئ قدم لها في قضية شبه الجزيرة الكورية لضمان عدم تفجر الصراع في هذه القضية، و هذه الأسباب دفعت الآسيان إلى قبول كوريا كعضو مراقب في اجتماع وزراء الخارجية و يوليو 1991.

و قد أقامت كوريا علاقات جيدة مع الآسيان منذ إنشائه إلا أن هذه العلاقة ظلت إلى عام 1975 تتميز بأمرين :

التنافس مع كوريا الشمالية و ذلك في إطار المنافسة العالمية بين الكوريتين للحصول على الشرعية الدولية و الاعتراف العالمي. أولوية العلاقات الثنائية مع كل دولة من دول الآسيان على العلاقة مع الآسيان كوحدة متكاملة، إلا أن العلاقات أخذت منعطفا جديدا ابتداء من منتصف السبعينيات مع زيارات عدد من الكوريين الرسميين لدول الآسيان و كذا زيارات مسئولين من الآسيان لكوريا الجنوبية. و بإلقاء الضوء على تطور العلاقات التجارية بين كوريا و الآسيان في فترة الحرب الباردة يتضح -كما تشير البيانات و الإحصاءات- النمو السريع في تجارة كوريا مع الآسيان حيث وصلت عام 1980 إلى (2610) مليون دولار أمريكي و هو رقم أعلى بخمس مرات من الرقم المتحقق عام 1975 و الذي كان (508) مليون دولار أمريكي، كما أن نسبة تجارة كوريا إلى مجمل التجارة العالمية وصلت في العام نفسه إلى (%6,58) بزيادة أكثر من (% 1,5 ) عن عام 1975 و هو جانب من الأرقام التي توضح عمق العلاقات التجارية بين الطرفين.

و في الفترة التي أعقبت الحرب الباردة نمت العلاقات بين الطرفين الأمر الذي أدى إلى إقامة ما سمي Sectoral Dialogue Patnership الذي قاد إلى حوار شراكة كامل بينهما في عام 1991. كما نمت تجارة كوريا مع الآسيان بصورة ملحوظة عام 1980 إلى 1993 فارتفع نصيب الآسيان من تجارة كوريا (% 6,6) عام 1980 إلى (% 10) عام 1993، و بالمثل زادت صادرات الآسيان لكوريا بمعدل سنوي بلغ حوالي (12,6%) على حين زادت الواردات إلى (%17,6 ) سنويا في الفترة من 1980 إلى 1993، و هو الأمر الذي توضحه الجداول الملحقة مع التركيب النوعي للصادرات و الواردات الكورية من و إلى الآسيان[20].

  1. 2. الآسيان : التحديات و الآفاق

- نحو تقويم موضوعي لرابطة الآسيان :

يجدر بنا و نحن بإزاء تقويم أداء الآسيان القول بأن تجربة الآسيان تطرح نموذجا ناجحا - و بإقتدار- في تقديم نموذج تعاوني في بيئة صراعية إذ إتسمت المنطقة قبل ظهور الرابطة و بعدها بكثرة الصراعات و الإنقسامات بين دول المنطقة و التي وصلت إلى حد الخلافات العرقية الحدودية، عمقتها خلافات في الرؤى تجاه قضية الأمن الإقليمي و الموقف من القوى الإقليمية الأخرى، و كذلك القوى الدولية، كما نجحت الرابطة في استثمار اللحظة التاريخية المواتية التي تمثلت في نمو التهديد الفيتنامي/السوفياتي و تصاعد النفوذ الصيني و من ثم استثمرت دول الرابطة فكرة الإحساس بالخطر المشترك في وضع أسس بناء إقليمي لتحقيق الأمن و الرفاه الاقتصادي.

ويمكننا فيما يلي إجراء تقويم موضوعي للآسيان انطلاقا مما سلف بيانه دون تهوين أو تهويل. و نظريا فإنه يمكن إجراء هذا التقويم عبر استخدام وسيلتين رئيسيتين هما : أولا : مجموعة الأهداف المرسومة للآسيان و المنوط به تحقيقها. ثانيا: عوامل نجاح الرابطة توصلا إلى التعرف على مستقبل الرابطة في ضوء التحديات الناجمة عن النظام الدولي الجديد و هو ما نعرض له تفصيلا في النقاط الثلاث التالية :

أولا : مجموعة الأهداف المرسومة :

أنشئت الآسيان و قامت أساسا لتحقيق وظيفتين في غاية الأهمية لمجموع الأعضاء و لأطراف خارجية دعمت الآسيان و ساندته في طريق قيامه و هما :

1- الوظيفة الأمنية

2- الوظيفة الاقتصادية

كما يمكن إضافة وظيفة ثالثة أو هدف ثالث أنيط بالرابطة تحقيقه و إن يكن لاحقا لها و هو الوظيفة السياسية. و سوف نتناول هذه الوظائف الثلاث لندرس مدى نجاح الآسيان في تحقيقها.

1- الوظيفة الأمنية : ذكرنا فيما سبق أن إنشاء الآسيان جاء ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي في إقليم آسيا- الباسفيك، التي خططت لها و وضعتها القوى الغربية و على رأسها الولايات المتحدة في دعمها للدول الصديقة، و جاء الآسيان ليوفر لأعضائه محفلا لمناقشة الدبلوماسية الوقائية و إجراءات بناء الثقة و لإعلان وجهة نظر واحدة إزاء قضية الأمن الإقليمي، و بالرغم من أن الرابطة قد خلقت جوا من الثقة و التفاهم بين الدول الأعضاء كما خلقت ما يمكن أن نسميه بالعقل الجمعي الأمر الذي وحد الرؤى إزاء قضية الأمن الإقليمي و العلاقات الخارجية إلا أنه -وفقا لرأي المحللين- قد افتقر لترتيبات أو لآليات تقليدية للأمن الجماعي، إذ جاء إعلان تأسيسه خلوا من الإشارة الصريحة لدوره الأمني، و عبر عمره الطويل لم يحاول الآسيان أن يصوغ نموذجا رسميا للأمن، إذ بالرغم من أنه طور منهجا سياسيا لمشاكل الأمن الإقليمي، اقتصر على أعضائه في عملية حوار متعدد الأطراف و تقوم ممارسته على عنصر الدبلوماسية وحدها، إفتقر للجوانب التنفيذية لمعرفة نماذج الأمن الجماعي، إذ لا يتضمن أية آليات رسمية لتسوية المنازعات، ربما خشية الإساءة للعلاقات السياسية، و يرى هؤلاء أن الدليل الواضح على فشل الآسيان في أداء وظيفته الأمنية هو الاتجاه إلى إنشاء بيان متعدد الأطراف أكثر اتساعا في آسيا - الباسفيك. عرف باسم : محفل الآسيان الاقليمي A.R.F. الذي عقد اجتماعه الأول في بانكوك تموز/يوليو 1994 و يتسم بدور أمني واضح التحديد، و يحمل الآسيان المسئولية الأساسية عن تطوره المؤسسي حيث يتولى تنظيم و رئاسة الاجتماعات السنوية للمحفل، و تتناوب رئاسة اجتماعاته المنعقدة بين دوراته السنوية، إلا أن هناك تحليلات ترى أن تبني المحفل لمنهج الآسيان إزاء مشاكل الأمن الإقليمي و افتقاره لنص ينظم استخدام القوة في الصراع وحده، و اعتماده على المكانة العليا للدبلوماسية يمثل امتدادا للإخفاق في تحقيق الأمن و أداء الوظيفة الأمنية[21].

2- الوظيفة الاقتصادية : برز الإنجاز الرئيس لمجموعة الآسيان على الصعيد الاقتصادي في تزايد معدلات التجارة البينية بين دول الرابطة (أنظر الجدول في الملحق). و من هنا نجد ان الآسيان قد نجحت في تدعيم التعاون الاقتصادي بين دولها، هذا بالرغم من أن المشروعات التي تم الاتفاق عليها لم ينجز منها الكثير إضافة إلى عدم التقيد بلوائح الرابطة في العديد من القطاعات و يفسر البعض زيادة معدلات التبادل التجاري فيما بينها، بالقول بأن هذا النمو مرده إلى نشاط الأسواق المحلية لدول الآسيان نفسها و ليس إلى زيادة الصادرات فحسب، في منطقة جنوب شرق آسيا في حين يفسرون زيادة التبادل التجاري بين دول الآسيان و الدول المحيطة بها باتباع دول جنوب شرقي آسيا بصفة عامة للمبادئ الأساسية للاقتصاد الرأسمالي فضلا عن تشجيع الاستثمارات الخارجية.

و هكذا يظل الإنجاز الرئيسي للرابطة و الذي لا يقل الجدل- أنها قطعت شوطا على طريق الاندماج الاقتصادي حيث بدأ الحديث عن منطقة للتجارة الحرة، و اتحاد للمستهلكين و سوق مشتركة للآسيان، و ذلك على الرغم من أن الهدف الرئيسي للآسيان كان التعاون الإقتصادي و ليس الاندماج الاقتصادي او السوق المشتركة، و قد بدا ذلك واضحا في منتصف التسعينات إذ تم الاتفاق في اجتماع وزراء اقتصاد الدول الأعضاء في الرابطة (28/4/1995) على الإسراع بتخفيض الرسوم الجمركية بهدف إنشاء منطقة تجارة حرة قبل عام 2003، بل إن الاجتماع السنوي الثامن و العشرين لوزراء خارجية دول الرابطة و الذي عقد في بروناي (29/7/1995) طالب بضرورة اتخاذ بعض الخطوات الجادة للإسراع بالوصول بالمنطقة إلى منطقة تجارة حرة قبل الموعد المقرر لها بثلاث سنوات، أي عام 2000م.

3- الوظيفة السياسية : لم تكن الوظيفة السياسية ضمن مجموعة الوظائف المنوط برابطة الآسيان تحقيقها، و من ثم فإن أي خطوة حققتها الرابطة في هذا الإتجاه تعد أمرا محمودا، و قد ظهر التعاون السياسي في لحظات محفلة و منها إصرار دول الرابطة على أن المشاكل الإقليمية-التي هي المسئولية الأولى لأعضائها- تستثني في ظل ممارستها بما يعرف بمفهوم الدولة ذات الخط المتقدم، فعندما تمس قضية معينة دولة أخرى فإن الدولة المعنية تكون صاحبة الحق في اتخاذ زمام المبادرة. نجحت في التحقيق الأهداف المرجوة. و يمكن تفسير عوامل نجاح الآسيان في المجالين الداخلي و الخارجي بما يلي[22]:

أ- في المجال الداخلي :

  1. 1. التركيز على التعاون الاقتصادي دون السياسي باعتبار الأول هو المجال الأسهل و الأقل حساسية، و أهم ما يجب أن تلجا إليه تجارب العمل المشترك.
  2. 2. غياب الهيمنة الايدولوجية على الانظمة السياسية مما أكسبها القدرة على التكيف، و الواقعية في صنع السياسات.
  3. 3. عدم هيمنة دولة معينة على القرارات أو القدرات للرابطة. و هذا عيب اكتنف كثيرا من التجارب الوحدوية العربية التي تميز أغلبها بسيطرة مصر عليها.
  4. 4. الدور الكبير الذي لعبته الدولة في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاستقرار السياسي. و ذلك من خلال محافظة دول الرابطة على الاستقرار السياسي، و تركيز السلطة السياسية حيث سادت درجة معقولة من التضامن و الوحدة الوطنية في دول الآسيان بالرغم من تعدد القبائل و الأجناس.
  5. 5. التزام دول الآسيان بالتكتل الإقليمي بين دول الرابطة، و نجاحها في تحييد الخلافات السياسية البينية و أكبر مثال على ذلك تنازل الفلبين عن المطالبة بإقليم صباح من ماليزيا، إذ رأت هذه الدولة أنها لن تكون قوية خارج حدودها إلا إذا كانت قبل ذلك قوية داخل حدودها، و من هنا فقد أظهرت هذه همة عالية حتى أمكنها زيادة معدلات نموها الاقتصادي و تطوير تعاونها الأمني و السياسي.

3- التجارب التكاملية العربية في ضوء تجربة الآسيان :

تثير قضية الحديث عن الآسيان باعتباره رابطة اقتصادية قضية أزمة التكامل العربي، إذ في الوقت الذي تطرح فيه الآسيان نموذجا فريدا للتعاون و التكامل بين فرقاء متصارعين بينهم حروب و صراعات قديمة استمرت فترات طويلة، كما أن بينهم خلافات دينية و عرقية و إيديولوجية فيسفر هذا التكامل عن مثل هذه النتائج المبهرة التي حققها الآسيان نجد الوطن العربي-و على النقيض من ذلك- قد اجتمعت له خصائص الوحدة و متطلبات التكامل من تاريخ مشترك، و وحدة في الدين و الثقافة و اللغة و غيرها، فإنه مع ذلك ما يزال بينه و بين الوحدة أو التكامل زمن بعيد. و بالرغم من أن تجربة الوحدة العربية تبدو أكثر قدما و رسوخا من تجربة الآسيان، إذ في الوقت الذي نشأ و تأسس الآسيان في عام 1967 كان العرب يعيشون في ظل نظام إقليمي واحد تظله مؤسسة رسمية هي الجامعة العربية التي تأسست علم 1945 و بادرت و منذ تأسيسها إلى خلق الأجهزة الإقتصادية الفنية، فأنشأت لجنة دائمة للشؤون الإقتصادية و المالية، لإرسال قواعد التعاون الإقتصادي و مداه و صياغتها في شكل مشروعات إتفاقات و سياسيات و إجراءات تعرض على مجلس الجامعة للنظر فيها،و قد أكد مجلس الجامعة على أهمية الترابط بين الأمن القومي و الأمن الإقتصادي في معاهدة الدفاع المشترك و التعاون الإقتصادي التي أبرمها عام 1950، و في إطار ذلك تم إنشاء مجلسين، المجلس الإقتصادي و مجلس الدفاع المشترك، حيث نصت المادة الثامنة من تلك المعاهدة على أن ينشأ مجلس إقتصادي من وزراء الدول العربية المتعاقدة المختصين بالشؤون الإقتصادية.

و رغم أن هذا المجلس قد عقد ما يزيد عن أربعين دورة تمخضت في عام 1957 إلى التوصل إلى إتفاقية الوحدة الإقتصادية و التي صادق عليها المجلس الإقتصادي و مجلس الجامعة في حينه و لكنها لم تدخل حيز التنفيذ إلا في 30-4-1964. و بالرغم أيضا من أن الظروف الموضوعية لتحقيق التكامل الإقتصادي العربي كانت مواتية إلا أن حصيلة الجهود المبذولة لتحقيقه كانت متواضعة، حيث شكلت الظروف السياسية و الإقتصادية العربية و الدولية عوائق أمام تحقيق التكامل و الوحدة[23]. و قد أظهرت دراسات قامت بها لجان منبثقة عن المجلس الإقتصادي لدراسة أسباب تواضع التعاون الإقتصادي العربي و تقييم الأتفاقيات و المشروعات القائمة، أن التعاون الإقتصادي العربي يشكو في الجانب التنظيمي من أمرين : أولهما : عدم وجود جهة مركزية مسؤولة عن التخطيط و الإشراف على التنفيذ. و ثانيهما : تعدد المؤسسات و المنظمات العربية و تضارب إختصاصاتها و قراراتها و ازدواجية نشاطاتها، في ظل غياب تنسيق فعال يوفر المال و الجهد العربي[24].

و في ضوء ذلك قام مجلس الجامعة العربية في 24/3/1977 بتعديل المادة الثامنة من معاهدة الدفاع المشترك و التعاون الإقتصادي حيث أوكل للمجلس الإقتصادي مسؤولية قيادة العمل الإقتصادي العربي و القيام بمهام التخطيط و التنسيق و التقييم و الإنشاء و الأشراف على العلاقات الإقتصادية الخارجية. و قد حقق المجلس بعض الإنجازات مثل إقرار استراتيجية العمل الإقتصادي العربي المشترك و إعادة النظر في بعض الإتفاقيات و خصوصا فيما يتعلق بتشجيع و تنظيم تدفق رؤوس الأموال العربية إلى الدول العربية و تسيير التبادل التجاري.

و مع ذلك لا يزال واقع التكامل الإقتصادي العربي شديد السوء، فمعدلات التبادل التجاري بين الأقطار العربية و بعضها من أقل ما يمكن، و هو انكماش يشبه المقاطعة و كذلك فإن حركة استثمار رؤوس الأموال العربية في الأقطار العربية الأخرى دون المستوى.

و هكذا لا حدود الإمكانات العربية المصدرة في ظل غياب نظام إقتصادي إقليمي عربي موحد، و عموما فإنه يمكن إجمال أسباب أزمة التكامل العربي الإقتصادي إلى مجموعة من العوامل هي[25]:

1- التناقضات الهيكلية و التنموية : إذ أن أزمة التكامل مردها إلى البنية الجوهرية للإقتصاد العربي المتفاوت في توزيع القوى و العناصر الإنتاجية و التناقضات الهيكلية و التنموية التي ورثها عن عهود الهيمنة الأجنبية، متمثلة بالتخلف و التبعية و التجزئة.

2- المداخل التكاملية : التي اتسمت بالحرية و لم تقم على التخطيط و البدء بتحرير التجارة فيما بينها، و قد أثبتت التجارب خطورة اتباع مبدأ الحرية العشوائية كمدخل للتنمية لأن التخطيط الشامل هو وحده الضمان و الوسيلة المثلى لتحقيق تنمية حقيقية و تكامل فعال.

3- الأنماط التنموية : إذ مارست معظم الأقطار العربية منذ استقلالها السياسي نمطا تنمويا انعزاليا قطريا، يغيب عنه البعد القومي مما أسهم في تعميق التبعية و التجزئة القطرية، و قد ازدادت خطورة هذا الإتجاه و زخمه في فترة السبعينات في ظل الإزدهار و الإنفجار التنموي فقد أدى الطموح لتحقيق تنمية سريعة في الوطن العربي إلى عودة الوقوع في فخ التبعية و تعميق الإرتباط بالسوق العالمية، في ميادين التجارة و الإستثمار و الإنتاج و التكنولوجيا.

4- الإرادة السياسية : و قد لعب هذا العامل دورا بارزا في تعميق أزمة التكامل و كان وراء ضعف الإرادة السياسية عوامل عديدة أهمها عدم وضوح أو أدراك الفوائد الكبيرة المتبادلة للتكامل الإقتصادي بسبب قلة المعلومات أو عدم وضوحها مما أضعف القناعة لدى أصحاب القرار السياسي بجدواها و جديتها و قد أسهم في عدم الجدية غلبة النظرة الآنية على النظرة طويلة الأمد، و طغيان المصالح العاجلة على المنافع الآجلة.

5- المشكلة القيادية المؤسسية : فقد أسهم عدم التشدد في اختيار قيادات بعض مؤسسات العمل العربي المشترك و قبول تسيسها من ناحية، و ضعف الرقابة و المتابعة و المحاسبة من ناحية أخرى، و في الإخفاق في بلورة نماذج مؤسسية عربية ناجحة للعمل الإقتصادي العربي المشترك، و قد أدى هذا الاتجاه إلى إضعاف الثقة بهذه المؤسسات و استغلالها كذريعة لإحباط أية تجربة وحدوية جدية، بل و الزعم بفشل الفكرة نفسها.

العرب و تجربة الآسيان : النظام الاقتصادي الإقليمي بين العروبة و الشرق أوسطية :

بالرغم مما يمثله نموذج الآسيان من جاذبية لدى العرب الراغبين في الوحدة و التكامل الاقتصادي إلا أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في الحديث عن رابطة الآسيان، إذ بعد تطورات عملية السلام بين العرب و إسرائيل في أعقاب مؤتمر مدريد ثم اتفاق أوسلو و توقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في سيبتمر 1993 ثم الاتفاق الأردني الإسرائيلي، دار الحديث عن نظام اقتصادي إقليمي جديد عرف باسم "السوق الشرق أوسطية" تتشكل من إسرائيل و تركيا و الدول العربية بهدف تأكيد وجود إسرائيل في المنطقة و منحها الفرصة للسيطرة على الاقتصاديات العربية و التحكم بها.

و قد دلل المريدون للشرق أوسطية و المؤيدون لها من أنصار التسوية بين العرب و إسرائيل بالآسيان كتنظيم إقتصادي إقليمي قام بين فرقاء بينهم صراعات و حروب قديمة، كما كان بينهم أطماع و مصالح متنازع عليها، و نجح في دحر هذه الخلافات و تقسيمها عبر آليات و وسائل اقتصادية، كما نجح في العبور بدول المنطقة من دول تنتمي إلى العالم الثالث و تعيش مشاكله الاقتصادية من فقر و مديونية و بطالة و تضخم و غيرها إلى دول متقدمة صناعيا، وصلت إلى حد الرفاه الاقتصادي و ارتفع بها مستوى المعيشة. لكن واقع الأمر أن هؤلاء الذين يدعون إلى الأخذ بتجربة الآسيان في ظل نظام شرق أوسطي يجمع العرب و إسرائيل يغفلون مجموعة من الحقائق الموضوعية التي تفرض نفسها و هي :

1- أن منظمة الآسيان قامت في ظل نظام دولي ثنائي القطبية حيث توزعت مصادر القوة الرئيسية بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي و قد كانت منظمة شرق آسيا أهم بؤر الصراع الاستقطابي بين هاتين الدولتين. لذلك فقد كانت دوافع النمو الصناعي التصديري في شرق آسيا سياسة عسكرية للحيلولة دون امتداد النفوذ السوفياتي - الصيني و لتفكيك الولاء لها.

بيد أنه مع انهيار المعسكر الشرقي التي تزعمته روسيا في بدابة التسعينات و ظهور ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أحادى القطبية فقد تلاشت الدوافع السياسية و الأمنية السالفة البيان، الأمر الذي جعل دول شرق آسيا تعاني من فراغ أمني و هزات اقتصادية.

2- أن عملية إنشاء الآسيان تمت في ظروف اقتصادية دولية مختلفة و في سياق دوافع الثورة العلمية التكنولوجية التي تلت الحرب العالمية الثانية. حيث سعت الدول الصناعية إلى تقسيم العمل الدولي الرأسمالي على أساس تكنولوجي بحيث يتم نقل صناعات أو مراحل صناعية تحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة عادية أو شبه ماهرة من الدول المتقدمة إلى العالم الثالث الذي تكثر فيه العمالة العادية و تنخفض تكلفتها نسبيا و يتوفر فيها مناخ سياسي ملائم و قد نجحت عملية النقل الصناعي في دول شرق آسيا بشكل كبير.

بيد أن الوضع يختلف في المنطقة العربية من حيث اختلاف النمط الحضاري و المناخ السياسي و الاقتصادي المناسب لتنمية اقتصادية متكاملة و تحول هيكلي. و لذلك لم تشجع الدول الغربية شركاتها على القيام بعملية النقل الصناعي إلى الدول العربية.

  1. 3. هذا إضافة إلى ما تمتع به كل تجربة من خصوصية في إطار ثقافتها و صورتها الحضارية و هذا ما يتجاهله المريدون للشرق أوسطية حين يستشهدون بمقولة بيريز :" ان ما يصلح لبقية العالم يصلح لإسرائيل و العالم العربي، فالقدر نقلنا من عالم تسوده الصراعات الإقليمية إلى عالم تحكمه التحديات الاقتصادية و الفرص الجديدة ". و هنا يتناسون أو لنقل يتجاوزون قيام إسرائيل على أرض عربية، إضافة إلى كل الحروب التي خاضتها ضد الدول العربية و نتائجها التي أثقلت كاهل الأمة العربية و أراقت الكثير من الدماء العربية. و بالتالي فإن الحديث عن تعميم أي تجربة تنموية كاملة و استنساخها حديث غير واقعي و غير قابل للتحليل العلمي الدقيق، و ذلك لأنه لا يوجد مجتمع يتطابق في جميع عناصره مع مجتمع آخر، لا توجد ثقافة متماثلة مع ثقافة أخرى، و إنما لتحقيق التنمية، و الإستفادة من الخبرات البشرية في تطوير المجتمعات و تحسين أداء النظم و الأفراد ينبغي أن نحدد المستويات المتعددة للمقارنة و إمكانية الاستفادة في كل منها :

1- مستوى الثقافة العامة السائدة الآن :

في القيم و المعايير و المحددات الثقافية الموجودة فعلا في الواقع الاجتماعي لكلا الإقليمين، لكن الاختلاف في هذا السياق لا يعني التناقض في كل شيء، و إنما قد يعني تشابها في المفردات الثقافية و اختلاف في النظام المعرفي و النسق الثقافي الذي يرتب هذه المفردات و القيم.

2- مستوى المخزون الثقافي المتوارث :

و عند هذا المستوى نلاحظ قدرا من الاختلاف و مثله من التشابه بين موروثات جنوب شرق آسيا و موروثات الثقافية العربية، فمن أوجه التشابه الحث على تحصيل العلم و احترام رموزه و التماسك الأسري و الانتماء العائلي... الخ، و من أوجه الاختلاف الطابع الدنيوي للكنفوشيه في مقابل الإسلام كعقيدة شاملة دنيوية و أخروية في العالم العربي، كذلك بساطة التكوين الثقافي الآسيوي مقابل تعقد البنية الثقافية العربية، كذلك محدودية الاحتكاك الخاص لا سيما في مقابل معقد التفاعلات الخارجية للوطن العربي[26].

كل هذه عوامل تقف حائلا دون استنساخ و نقل تجربة الآسيان إلى الواقع العربي حتى في إطار مشروع الشرق أوسطية، و كلها عوامل موضوعية تتمتع و على قدر عال من الوجاهة العلمية و القبول الأكاديمي.

خاتمة

أظهرت هذه الدراسة أهمية المدخل الوظيفي في تحقيق التعاون الإقليمي من خلال الاستفادة من خبرة الآسيان للمضي قدما في سبيل تحقيق تعاون عربي مشترك يتفادى الثغرات التي أعاقت المشاريع السابقة.

و عموما فإنه يمكن الاستفادة من تجربة الآسيان في إطار ما يسمى "باستراتيجية الحد الأدنى". و هي تطرح فكرة أن تبني العرب "استراتيجية الحد الأدنى" في مجال الاقتصاد، استراتيجية لا تنال منها الهزات السياسية أو تقلبات الوضع العربي، و هي قائمة على الحد الأدنى من المصالح المشتركة و الأكيدة، و التي لا يتعارض إنجازها مع اختلاف النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية أو مع اختلاف السياسات المتبعة. و تعتمد هذه الاستراتيجية على الخطوات التالية:

أولا : تفعيل مؤسسات العمل الاقتصادي العربي المشترك. و لا سيما مجلس الوحدة الاقتصادية العربية و التأكيد على أهمية تنفيذ الاتفاقات القائمة لأن العيب ليس في المؤسسات و لكن في آليات التنفيذ.

ثانيا : محاولة الفصل بين الجوانب السياسية و الجوانب الاقتصادية قدر الامكان. و التركيز على الفوائد الاقتصادية لكل طرف عربي دون الركون إلى مقولات المصلحة القومية لأنها وحدها غير قادرة على اقناع الدول العربية بجدوى التعاون الاقتصادي العربي و من ثم إبراز المصالح الاقتصادية المشتركة.

ثالثا: تدعيم أشكال التعاون العربي الثنائي و الثلاثي المشترك بإعتبارها خطوة إيجابية على طريق مزيد من التكامل العربي على المستوى الكلي. و الكف عن اتهام مثل هذه الأشكال بمعاداة التعاون العربي المشترك. و عند تحقيق ذلك واقعا، ضرورة التعامل بروح الجماعة في علاقاتها الخارجية الإقليمية و الدولية.

رابعا : حث مؤسسات القطاع الخاص العربي على توجيه استثماراته داخل الدولة العربية مع تقديم ضمانات كافية و عوامل جذب تجعل المستثمر العربي أكثر ميلا للاستثمار داخل الدول العربية من منطلقات اقتصادية بحتة.

خامسا: الاستفادة إلى أقصى قدر ممكن من الأوضاع الإقليمية و الدولية المواتية، و السعي إلى التقليل من أثر التطورات غير المواتية و استثمار تلاقي مصالحها مع مصالح الدول الكبرى.

سادسا: تجميد الخلافات السياسية بحيث لا تعرقل عملية التعاون الاقتصادي و تفعيل دور الجامعة العربية في تسوية تلك الخلافات.

سابعا: و لخصوصية أنماط الصراعات الإقليمية في المنطقة فأن ذلك يطرح ضرورة ايلاء مهمة الأمن القومي العربي أهمية كبيرة من خلال الاعتماد على الذات و التعامل كجماعة و إيجاد السبل لتحقيق أمن إقليمي عربي مشترك. و لا ريب في أن ذلك يتطلب إرادة سياسية عربية فاعلة تضع هذه الخطوة، و كل الخطوات السابقة موضع التنفيذ، و هو أمر أعوز خطوات التكامل الاقتصادي العربي خلال نصف القرن المنصرم، و أعوز ما تكون له دول الآسيان لحماية أمنها الإقليمي.



الهوامش

* قدمت النسخة الأولية من هذه الورقة في مؤتمر "السوق العربية المشتركة و مستقبل الاقتصاد العربي" الذي عقده مركز دراسات المستقبل / جامعة أسيوط في الفترة 23-25 تشرين ثاني 1997.

** أستاذ بمعهد بيت الحكمة، جامعة آل البيت.

[1]- النجار، أحمد السيد.- التعاون العربي البيني مع الدول النامية في بيئة متغيرة.- بحث غير منشور مقدم إلى ندوة النظام الدولي الجديد و تحديات العالم.-القاهرة، مركز الدراسات الحضارية، 1994.- ص.1- 2.

[2]- حول مفهوم التعاون.- أنظر شامي ذبيان و آخرون.- قاموس المصطلحات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.- لندن، رياض الريس للكتب و النشر، 1990.- ص.136.

[3]- Byung, A. Joon.- Regionalism in the Asia- Pacific : Asian or Pacific Community?.- Koreain Foucs, vol.4, n°4, 1996.-p.p.5-6.

[4]- حول مفهوم الإنتشار و مضامينه أنظر : سعيد، عبد المنعم.- الإقليمية في الشرق الأوسط نحو مفهوم جديد.- السياسية الدولية، عدد 122، أكتوبر / تشرين أول 1995.- ص.61.

[5]- شقير، محمد لبيب.- م.س.ذ.- ص.50.

[6]- المرجع السابق.- ص.52.

[7]- شهاب، مفيد.- المنظمات الإقليمية الدولية.- القاهرة، دار النهضة العربية، 1978.- ص.ص.408-411.

[8]- أنظر في ذلك : شقير، محمد لبيب.- مرجع سابق.- ص.72.

[9]- عن أثر العوامل السياسية و الإقتصادية أنظر المرجع السابق.- ص.ص. 72-74 و أنظر اسماعيل صبري مقلد.- نظريات السياسية الدولية، دراسة تحليلية مقارنة.- الكويت، منشورات ذات السلاسل، 1987.- ص.ص. 380-381. و لمزيد من المعلومات أنظر النموذج النظري الذي قدمه فيليب شميتر للاندماج الإقليمي و خاصة إفتراضاته في :

Schmiter, Philippe.- A revised theory of regional integration international organization.- vol.24, n°4, 1970.- p.859.

[10]- حول هذه التساؤلات و طبيعتها أنظر : حاد، عماد.- اتجاهات التكامل الإقليمي في آسيا.- بحث مقدم إلى مؤتمر أثر التحولات العالمية على آسيا.- القاهرة، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 17-18 ديسمبر / كانون أول 1996.- ص.ص. 2-3.

[11]- /محمود، أحمد ابراهيم.- م.س.ذ.-ص.192.

[12]- لمزيد من المعلومات حول طبيعة الدور الأمريكي و حجم الاستثمارات الأمريكية و علاقته بنشأة الآسيان أنظر :

Stockes, Bruce and Aho, C. Michael.- Asian regionalism and U.S interests.- In Koreain Focus, Vo.4, n°4, 1996.- p.p.122-139.

و أنظر أيضا :

Scalopino, Robert A..- Asia and the United States the Challenges Ahead.- Foreign Affairs, vol.69, n°1, 1989.- p.p.89-114.

[13]- دور الوظيفة الأمنية للآسيان و الاخفاق في تحقيقها و انشاء المحفل الاقليمي، أنظر عبد المنعم طلعت، ترتيبات الأمن الاقليمية في النظام العالمي الجديد.- السياسة الدولية، عدد 129، يوليو / تموز 1997.- ص.9.- كذلك أحمد ابراهيم محمود.- م.س.ذ.

[14]- جاد، عماد.- اتجاهات التكامل.- م.س.ذ.- ص.ص. 6-7.

[15]- حول نشأة الآسيان و الصعوبات التي جابهتها أنظر :

Wong, John.- The Asean model of regional coopertion.- in Seiji Naya & Migvel Urrulia (eds), Lessons in development a comparative study of Asia and Lozin Ameria senfran cisco.- International center of economic Growth, 1989.- p.p.121-125.

[16]- جاد، عماد.- الاندماج الإقليمي.- م.س.ذ.- ص.ص. 194-1

Text

PDF

Adresse

C.R.A.S.C. B.P. 1955 El-M'Naouer Technopôle de l'USTO, Bir El Djir, 31000, Oran Algérie

Téléphone

+ 213 41 62 06 95
+ 213 41 62 07 03
+ 213 41 62 07 05
+ 213 41 62 07 11

Fax

+ 213 41 62 06 98
+ 213 41 62 07 04

Support

Contact